لحسن الخلق فضائل عظيمة، في الدنيا والآخرة، على الأفراد والمجتمعات.
فمن تلك الفضائل ما يلي:
١ـ أنه امتثال لأمر الله ﷿:
قال تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] .
فلقد جمع ﷾ مكارم الأخلاق في تلك الآية، وأمر بالأخذ بها، والتحلي بما ورد فيها.
٢ـ أنه طاعة للرسول ﷺ:
فلقد قال ﵊ في الحديث الذي رواه أبو ذر ومعاذ ﵄: "وخالق الناس بخلق حسن" ١.
٣ـ حسن الخلق اقتداء بالرسول ﷺ:
فلقد كان ﵊ أكرم البشرية أخلاقا، وأزكاهم نفسا.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٥/١٣٥ـ١٥٨، والترمذي ١٩٨٧، والدارمي، ص ٧٧٩ رقم ٢٦٨٨، والحاكم١/٥٤، والخرائطي١/٥٩ ـ٣ كلهم من حديث أبي ذر وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ٨١ ]
والله ﷿ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] .
٤ـ أنه عبادة عظيمة:
ذلك أن الله ﷿ أمر به كما مر ورتب عليه الجزاء العظيم - كما سيأتي ـ
فإذا اتصف المسلم بحسن الخلق، وكان ديدنا وعادة له صار معطيا لربه، متعبدا له في كل أحواله؛ فتعظم بذلك أجوره، وتقال عثراته.
ثم إن حسن الخلق يتضمن عبادات عظيمة؛ ذلك أن الصبر، والحلم، والإحسان والكرم، ونحوهاـ تعد من الأسس الأخلاقية.
وهذه الأمور مما يدخل في مفهوم العبادة؛ فهي مما يحبه الله ويرضاه.
٥ـ رفعة الدرجات:
قال ﷺ:"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ١.
٦ـ أنه أعظم ما يدخل الجنة:
قال ﵊: "وأعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله، وحسن الخلق" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود٤٧٩٨، والحاكم ١/٦٠، عن عائشة وقال الحاكم: إسناده على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة٧٩٥. ٢ أخرجه الترمذي٢٠٠٤ وابن ماجة ٤٢٤٦ وابن حبان ٢/٢٢٤ رقم = = ٤٧٦، والحاكم٤/٣٢٤، كلهم عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي٢/١٩٤ رقم ١٦٣٠.
[ ٨٢ ]
٧ـ كسب القلوب:
فحسن الخلق من أعظم الأسباب الداعية لكسب القلوب؛ فهو يحبب صاحبه للبعيد والقريب، وبه ينقلب العدو صديقا، ويصبح البغيض حبيبا، ويصير البعيد قريبا.
وبحسن الخلق يتقرب المرء للناس، ويتمكن من إرضائهم على اختلاف مشاربهم، وطبقاتهم؛ فكل من جالس حسَن الخلق أحبه، ورغب في مجلسه.
٨ـ تيسير الأمور:
فحسن الخلق سبب لذلك؛ لأنه من تقوى الله، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤] .
٩ـ حسن الخلق مدعاة للذكر الحسن:
فالناس تلهج ألسنتها بذكر أهل الخلق الحسن، والتاريخ يسطر مآثرهم، والركبان تسري بحديثهم.
١٠ـ السلامة من شر الخلق:
لأن صاحب الخلق الحسن لا يقابل الإساءة بالإساءة، وإنما يقابلها بالصفح، والعفو، والإعراض، وربما قابلها بالإحسان.
[ ٨٣ ]
ولو جارى الناس في سفههم لما كان له فضل عليهم، ولما سلم من أذاهم.
فلو لم تأت من حسن الخلق إلا هذه الفائدة لكان حريا بالعاقل أن يتحلى به.
١١ـ القرب من مجلس النبي ﷺ يوم القيامة:
قال ﵊: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" ١.
١٢ـ محبة الله ﷿:
فالله ﷿ يحب مكارم الأخلاق، ويحب أهلها، بل إن أحب العباد إلى الله أحسنهم أخلاقا.
فعن أسامة بن شريك ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ، فكأنما على رؤسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله؟ قال: "أحسنهم أخلاقا" ٢.
وإذا أحب الله يوما عبده ألقى عليه محبة في الناس٣.
_________________
(١) ١ مضى تخريجه، وأخرجه بهذا اللفظ - الخرائطي في مكارم الأخلاق ١/٣٤ رقم٢٠ عن جابر. ٢ أخرجه الطبراني في الكبير١/١٨١، رقم٤٧١، وقال الهيثمي في المجمع ٨/٢٤: "رجاله رجال الصحيح". ٣ بهجة المجالس ٢/٦٦٤.
[ ٨٤ ]
١٣ـ حسن الخلق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة:
فعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق"١.
١٤ـ زيادة الأعمار وعمارة الديار:
قال ﵊:"حسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار" ٢.
١٥ـ حسن الخلق إحسان قد يزيد على الإحسان المالي:
لأن المال قد يصحبه منه وتعال على الخلق، ولأن صاحب المال قد لا يسع الناس بماله.
أما حسن الخلق فإحسان لا يصحبه منة، ولا تعال على الخلق، وصاحب الخلق الحسن يسع الناس بخلقه.
وإذا كان المال يدخل السرور على المساكين والفقراء ونحوهم فكذلك حسن الخلق يدخل السرور والبهجة على النفوس مهما اختلفت مشاربها.
إضافة إلى ذلك فبذل المال داخل في مكارم الأخلاق.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٦/٤٤٦ـ ٤٤٨، وأبو داود رقم: ٤٧٩٩، والترمذي ٢٠٠٢-٢٠٠٣، وابن حبان١٢/٢٣٠، رقم٤٨١، والخرائطي١/٦٩ رقم ٥٠ كلهم من حديث أبي الدرداء. وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه الألباني في الصحيحة٨٧٦، وفي صحيح الأدب المفرد ٢٠٤. ٢ رواه أحمد ٦/١٥٩، عن عائشة، وصححه الألباني في الصحيحة ٥١٩.
[ ٨٥ ]
١٦ـ التوصل للحق:
فبحسن الخلق يتوصل المناظر أو المخاصم من إبداء حجته، وفهم حجة صاحبه، ويسترشد بذلك إلى الصواب قولا وعملا.
وكما أنه سبب لحصول ذلك في نفس المناظر أو المخاصم فهو كذلك من أقوى الدواعي لحصوله لمن ناظره أو خاصمه.
وبذلك يتمكن الطرفان من الوصول للحق، ويسلم كل واحد منهما من اللجاج، والجدال، والمراء، والتعصب.
١٧ـ زيادة العلم:
فبالخلق الحسن يصفو القلب، وتطمئن النفس، وذلك مدعاة لأن يتمكن المرء من معرفة العلوم التي يسعى لإدراكها، والمعارف التي يروم تحصيلها.
ثم إن حسن الخلق يدعو صاحبه للتواضع، والتأدب في مجالس العلم، وهذا مما يزيد العلم، ويقوي الإدراك.
١٨ـ حصول الخيرية:
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ، فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: "خياركم أحاسنكم أخلاقا" ١.
١٩ـ السلامة من مضار الطيش والعجلة:
فبالخلق الحسن يسلم المرء من مضار العجلة والطيش،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه٧/٨٢ ومسلم ٢٣٢١، من حديث عبد الله بن عمرو.
[ ٨٦ ]
برزانته، وصبره، ونظره لكل ما يمكن من الاحتمالات.
٢٠ـ الوفاء بالحقوق الواجبة والمستحبة:
فبالخلق الحسن يتمكن المرء من الوفاء بتلك الحقوق للأهل، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، والجيران، والمعاملين، وسائر من بينه وبينهم مخالطة أو حق؛ فكم من حقوق أضيعت من جراء سوء الخلق.
٢١ـ الإنصاف:
فبحسن الخلق تنال فضيلة الإنصاف، وأكرم بها من فضيلة، فصاحب الخلق الحسن يأبى عليه خلقه الحسن من التعصب المقيت، والانتصار للنفس؛ لأن ذلك يحمل على الاعتساف وقلة الانصاف.
٢٢ـ راحة البال وطيب العيش:
فصاحب الخلق الحسن في راحة حاضرة، ونعيم عاجل؛ فإن قلبه مطمئن، ونفسه ساكنة، وذلك مادة الراحة العاجلة، وطيب العيش.
كما أن صاحب الخلق السيئ في شقاء حاضر، وعذاب مستمر، ونزاع ظاهري وباطني مع نفسه، وأولاده، ومخالطيه، مما يشوش عليه حياته، ويكدر عليه أوقاته، مع ما يترتب على ذلك فوات الآثار الطيبة، والتعرض لضدها.
"فمن حسن خلقه طابت معيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في الناس محتبه.
[ ٨٧ ]
ومن ساء خلقه تكدرت معيشته، ودامت بغضته، ونفر الناس منه"١.
٢٣ـ حصول الوئام والاتفاق التام في المجتمع:
فإذا حسنت الأخلاق في مجتمع ما شاع الوئام والتراحم، وسادت الألفة والمودة في ذلك المجتمع.
ذلك "أن الامتزاج بمكارم الأخلاق يجبي إلى صاحبه عرفان ما له من الحقوق، وما عليه من الواجبات؛ فلا يخل حينئذ بواجب، ولا يدعي إلا بحق.
وذلك يدعو بالضرورة إلى شدة الارتباط، وكمال الالتئام الذي يجعل أفراد الأمة عضوا واحدا للتعاون على البر والتقوى، والتعاضد على الأعمال التي تنتج لهم التقلب في عيشه راضية، وتحفظ لأعقابهم مستقبلا حسنا"٢.
٢٤ـ صد هجمات الأعداء:
فالعدو إنما يتسلل، ويبث سمومه في صفوف الأمة المنهارة في أخلاقها.
أما الأمة التي تتمتع بالأخلاق الفاضلة ففي منعة من ذلك.
٢٥ـ وبه يتمكن المرء من إصلاح ذات البين:
فحسن الخلق يرضى به جميع الأطراف، وبذلك يستطيع أن يجمع القلوب المتنافرة، والآراء المشتتة.
_________________
(١) ١ أقوال مأثورة، ص٢١٥ عن أدب المملي ص ١٧٠. ٢ حياة الأمة لمحمد الخضر حسين ص ٥١.
[ ٨٨ ]
٢٦ـ حسن الخلق يستر العيوب:
فقد يبتلى المرء بكثير من الآفات والعيوب الخلقية من دمامة ونحوها، مما يجعله عرضة للذم، وغرضا للسخرية من بعض الناس.
ولكن ذلك لا يقصره عن مجد، ولا يقعد به عن سؤدد، وذلك إذا رزق بخلق حسن، وعقل راجح.
فحسن الخلق يغطي غيره من القبائح، كما أن سوء الخلق يقبح غيره من المحاسن١
فهذا الأحنف بن قيس الذي سارت بأخباره الركبان كان من أقبح الناس خلقة؛ فما من خصلة ذم إلا وهي موجودة فيه.
ومع ذلك بلغ ما بلغ من المجد والسؤدد بحلمه، وشجاعته، وحسن خلقه، وروعة بيانه.
"روى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه، كان صعل الرأس٢، أحجن٣ الأنف، أغضف٤الأذن، متراكب الأسنان، أشدق٥ مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باخق٦ العين، خفيف
_________________
(١) ١ انظر: الأقوال المأثورة، ص ٢٣٤. ٢ صعل الرأس: دقيقه. ٣ أحجن: الحجن: اعوجاج الشيء، وأحجن الأنف مقبل الروثة نحو الفم. ٤ أغضف: مسترخ. ٥ الأشدق: الشدق المائلة. ٦ البخق: أن تخسف العين بعد العور، والبخق أقبح ما يكون من العور، وأكثر غمصا.
[ ٨٩ ]
العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه"١.
ليس الجمال بمئزر فاعلم إذا رديت بردا
إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدا٢.
_________________
(١) ١ البيان والتبيين للجاحظ١/٥٦، وانظر: زهر الأدب للحصري القيرواني٣/١٩٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي٤/٩٤ ٢ البيت لعمرو بن معديكرب الزبيدي، انظر: ديوانه ص ٦٧.
[ ٩٠ ]