بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﵌ تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن شأن الأخلاق عظيم، وإن منزلتها لعالية في الدين؛ فالدين هو الخلق، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وأحسنهم أخلاقا أقربهم من النبي ﷺ يوم القيامة مجلسا.
ولقد تظاهرت نصوص الشرع في الحديث عن الأخلاق، فحثت، وحضت، ورغبت في محاسن الأخلاق، وحذرت، ونفرت، ورهبت من مساوئ الأخلاق.
بل إن الرسول ﷺ بين أن الغاية من بعثته إنما هي إتمام صالح الأخلاق.
قال ﵊: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٢/٣٨١، والبخاري في الأدب المفرد "٢٧٣"، والخرائطي في مكارم الأخلاق١/١ رقم: ١٩، والحاكم في المستدرك٢/٦١٣ كلهم عن أبي
[ ٣ ]
بل إن الناس على اختلاف مشاربهم يحبون محاسن الأخلاق، ويألفون أهلها، ويبغضون مساوئ الأخلاق، وينفرون من أهلها.
ومع عظم تلك المنزلة لحسن الخلق - إلا أن كثيرا من المسلمين قد فرطوا في هذا الجانب، فلم يلقوا له بالا، ولم يعيروه اهتماما، فساءت أخلاق كثير منهم، وشاعت مظاهر السوء في صفوفهم، فأصبحوا بذلك فتنة لغيرهم، خصوصا ممن يريد الدخول في دينهم؛ وذلك عندما يرى البعد السحيق، والبون الشاسع، بين حال المسلمين وبين ما يدعوهم إليه دينهم القويم.
ولهذا جاءت هذه الصفحات محذرة من مساوئ الأخلاق، مرغبة في محاسنها، وذلك إسهاما في هذا المجال، ومحاولة في الارتقاء بأخلاق المسلمين إلى الأمثل والأكمل.
أما عنوان هذا الكتاب فهو:
مظاهره - أسبابه - علاجه
وتحت هذا العنوان سيتم الحديث عن سوء الخلق من حيث تعريفه، وذمه، والوقوف على مظاهره، وأسبابه التي تبعثه وتحركه؛ فتشخيص الداء مفيد في وصف الدواء.
_________________
(١) = هريرة وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في شرحه للمسند١٧/٧٩ رقم ٨٩٣٩، وصححه أيضا الألباني في صحيح الأدب المفرد٢٠٧، وفي الصحيحة٤٥.
[ ٤ ]
وبعد ذلك سينتقل الحديث عن زبدة هذا الكتاب، ألا وهي العلاج؛ فلا يكفي مجرد معرفة الداء فحسب، بل لا بد مع ذلك من وصف الدواء.
وعلاج سوء الخلق يكمن في معرفة حدود الأخلاق، وتمييز محاسنها من مساوئها، والوقوف على السبل والأسباب المعينة على اكتساب الأخلاق الرفيعة الفاضلة.
ولهذا جاءت خطة البحث بعد هذه المقدمة مشتملة على بابين وخاتمة، وإليك تفصيل الخطة:
الباب الأول
سوء الخلق مظاهره وأسبابه
وتحته ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف سوء الخلق وذمه
الفصل الثاني: مظاهر سواء الخلق.
الفصل الثالث: أسباب سوء الخلق
الباب الثاني:
علاج سوء الخلق
تمهيد: هل يمكن تغيير الأخلاق أو لا؟
الفصل الأول: حسن الخلق وفضائله
الفصل الثاني: أسباب اكتساب حسن الخلق
الفصل الثالث: أمور تتعلق بالأخلاق
الخاتمة: وتحتوي على ملخص مجمل لأهم ما ورد في الكتاب.
[ ٥ ]
فلعل في هذه الصفحات تذكيرا وتبصيرا، وعسى أن يكون فيها ترهيب من مساوئ الأخلاق، وترغيب في محاسنها، وإعانة على التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل.
وأخيرا أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى - أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
محمد بن إبراهيم الحمد
١٥/٤/١٤١٦هـ
الزلفي ١١٩٣٢ ص. ب ٤٦٠
[ ٦ ]