البلاد في الشرق والغرب، من غزنويين وبويهيين، وحمدانيين، وإخشيديين، وفاطميين ويكفينا أن نضرب مثلًا واحدًا على ذلك: الحمدانيين وما حواه بلاطهم من العلماء ومعظمنا يذكر أن سيف الدولة كان يضم في مجلسه جلة من العلماء من أمثال ابن خالويه، وأبي علي الفارسي، وشاعر العصر، المتنبي
مولده: ولد الإمام أبو سليمان الخطابي في العقد الثاني من القرن الرابع الهجري سنة (٣١٩ هـ) في مدينة بُست، قال ياقوت في معجم البلدان: بُست -بالضم- مدينة بين سجستان، وغزنين وهراة وأظنها من أعمال كابُل، وهي من البلاد الحارة المزاج، وهي كثيرة الأنهار والبساتين، سئل عنها بعض الفضلاء فقال: هي كتثنيتها، يعني: بستان.
وقد خرج منها جماعة من أعيان الفضلاء، منهم: الخطابي أبو سليمان.
وكان من الأئمة الأعيان.
وقال في معجم الأدباء: أبو سليمان البستي نسبة إلى بُست من بلاد كابُل. وقال ابن خلكان: "وبُست مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة" وهي اليوم من بلاد أفغانستان وكابل عاصمتها.
رحلته في طلب العلم: كانت الرحلة في طلب العلم ديدن علماء ذلك العصر فهم أبدًا يجوبون البلاد شرقًا وغربًا ليسمعوا الحديث من فلان أو يأخذوا الفقه أو اللغة أو التفسير عن فلان والخطابي واحد من هؤلاء النفر الكريم من العلماء الذي أدلى دلوه بين الدلاء.
قال عنه ياقوت في معجم الأدباء: ورحل في طلب الحديث وطوَّف، وألّف في فنون من العلم وصنف، وأخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة ونظرائهما من فقهاء الشافعية وروى عنه خلق منهم:
أحمد بن غفير الهروي، وأبو مسعود الحسن بن محمد الكرابيسي البستي
[ ٣٤ ]
روى عنه ببست، وأبو بكر محمد بن الحسن المقريء، روى عنه بغزنة، وأبو الحسن علي بن الحسن الفقيه السجزي، روى عنه بسجستان، وأبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الفسوي، روى عنه بفارس، وآخرون.
وقد روى عنه الإمام الفقيه أبو حامد الأسفراييني، فقيه العراق، والحاكم أبو عبد الله محمد بن البيِّع النيسابوري، روى عنه بخراسان، وقد حدث عنه أبو عبيد الهروى في كتاب الغريبين.
هذه الحياة الزاهرة في طلب العلم، وتحصيله، وشدِّ الرحال إليه، ما بين الحجاز وبغداد وخراسان وما وراء النهر تلقي ضوءًا على ما كان يتمتع به الخطابي -﵁- من همة عالية في الصبر على مشقات السفر، وتذليل صعابه التي لا تلين إلاّ إلى القليل من البشر، ممن وهبهم الله المقدرة على ذلك.
منزلته بين علماء عصره: قال الثعالبي صديق الخطابي في يتيمة الدهر: كان يشبّه في عصرنا بأبي عبيد القاسم بن سلام في عصره علمًا وأدبًا وزهدًا، وورعًا، وتدريسًا، وتأليفًا. إلا أنه كان يقول شعرًا حسنًا، وكان أبو عبيد مفحمًا.
وقال عنه الإمام أبو المظفر السمعاني: كان -أي الخطابي- من العلم بمكان عظيم، وهو إمام من أئمة السنة، صالح للاقتداء به، والإصدار عنه.
وقال العمادي في شذرات الذهب: أبو سليمان كان أحد أوعية العلم في زمانه، حافظًا، فقيهًا، مبرزًا على أقرانه.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: الخطابي أحد مشاهير الأعيان والفقهاء المجتهدين المكثرين.
فهذه الأقوال والشهادات كلها مجمعة على منزلة الخطابي الرفيعة بين
[ ٣٥ ]
أهل زمانه، وإن تشبيهه بأبي عبيد القاسم بن سلام (١) كاف لندرك ما كان عليه الخطابي من العلم والزهد والورع والتدين
سيرته: تروي لنا المصادر أن الخطابي -﵀- من أهل الزهد والورع والتدين
كما أنها تروي لنا أنه كان يتجر في مِلكه الحلال، وينفق على الصلحاء من إخوانه.
فهذه إشارة تدل دلالة واضحة على أن الخطابي -﵀- ما كان يمد يده إلى السلطان ليجري عليه جرايته، بل كان ينفق من ماله على إِخوانه؟!.
ونحن إذا نظرنا إلى العلماء في عصره، وكيف كانوا يعيشون، رأينا أن معظمهم يعتمد في معاشه إمَّا على أعطيات السلطان، أو يعيش في كنفه أو في بلاطه، أو يؤدب له أولاده؛ فينال من ذلك المال الوفير والجاه العريض.
والقليل النادر منهم من يعيش مستقلًا في رزقه معتمدًا على تجارته، معتزلًا السلطان، يحيا حياته العلمية خالصة، ويجعل السلطان بحاجة إليه أكثر مما يكون هو بحاجة إلى السلطان.
والخطابي واحد من هؤلاء النفر القليل الذين عاشوا حياتهم الخالصة للعلم، يؤلفون الكتب، ويتصدرون للتدريس فيأخذ عنهم طلبة العلم دون أن يكون لهم مطمع في دنياهم الزائلة، محتسبين ذلك عند الله تعالى.
ونستدل على ما ذهبنا إليه بمؤلفاته، وبما يرويه في بدايتها مبيّنًا سبب تأليفها، ثم إننا لا نرى كتابًا له -من المطبوع- ألفه بطلب من أمير أو استجابة لرغبة وزير أو سلطان، مثلما نجده مسطرًا في كثير من الكتب. بل نرى
_________________
(١) يقول ابن حجر في تهذيب التهذيب عن أبي عبيد القاسم بن سلام ٨/ ٣١٨: قال عنه ابن حبان في الثقات: "كان أحد أئمة الدنيا، صاحب حديث وفقه، ودين، وورع، ومعرفة بالأدب، وأيام الناس، جمع وصنف، واختار، وذبَّ عن الحديث ونصره، وقمع من خالفه".
[ ٣٦ ]
استجاباته في تأليفها بطلب من إخوانه، أو أحد إخوانه، أو بدافع الغيرة الذاتية على الدين
فهو في كتابنا هذا "شأن الدعاء" يستجيب في تأليفه لإخوانه الذين سألوه عن الدعاء، ومعناه، ومنزلته في الدين فأملى عليهم هذا الكتاب النفيس.
وفي كتاب العزلة أيضًا يستجيب لأحد إخوانه فيقول في مقدمته: فهمت قولك -أخي- ألهمك الله الصواب، وأراك المحابَّ، وما قد أذكرتني به من أمر كتاب العزلة، وبعثتني عليه من إتمامه بعد ابتدائه وسألت أن ألتقط لك جوامعه ..
ثم إنه في مقدمة كتاب غريب الحديث نراه يستجيب لنداء الغيرة على الدين؛ فيندفع في تأليفه بدافع إيماني لصون سنة رسول الله - ﷺ - من التبديل والتحريف بعد تفشي اللكنة، واللحن، ليبعد عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين إلى آخر ما نراه مثبتًا في مقدمة كتابه.
ومع أن الخطابي كان علمًا من أعلام العلم منشورًا، كان يرى نفسه غريبًا في بلده "بُست" وإن كان يعيش بين أسرته وأهله وجيرانه، لأنه لا يرى فيها من يشاكله، ويسير بسيرته.
يقول من شعر له ذكره الثعالبي في اليتيمة:
وَما غُرْبةُ الإنسان في غُمَّةِ النَّوى وَلكنها واللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإني غريبٌ بين بُستَ وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
ولعل هذا الشعور بالغربة بين أهله وفي بلده، كان دافعًا قويًا عند
الخطابي للميل إلى العزلة في آخر حياته في رباط على شاطىء هِنْدَمَنْدَ وهو نهر لمدينة سجستان.
[ ٣٧ ]
وربما كان لأحداث العصر وغوائله السبب المباشر إلى هذا الميل عند الخطابي -﵀-.
يقول في كتاب العزلة ص ٨:
والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء، وعصمة الأولياء، وسيرة الحكماء والأولياء، فلا أعلم لمن عابها عذرًا، لا سيما في هذا الزمان، القليل خيره، البكيء دره، وبالله نستعيذ من شره وريبه.
وليس مفهوم العزلة عند الخطابي الهروب من الحياة كما يظنه بعض الناس، ولا الهجران والقطيعة، بل العزلة عنده لون من ألوان العبادة -إن صح هذا التعبير- الذي يجتنب فيه المرء الانغماس في الفتن، أو الخوض فيها، والاحتراق في سعيرها.
فلا غرابة إذن عندما نسمع الخطابي يشكو في نثره أو في شعره من أهل زمانه.
يروي ياقوت في سند له عن أبي سعد الخليل بن محمد الخطيب قال:
كنت مع الخطابي فرأى طائرًا على شجرة، فوقف ساعة يستمع ثم أنشأ يقول:
يا ليتني كنتُ ذاك الطائرَ الغرِدا من البَريَّةِ مُنْحازًَا وَمُنْفَرِدَا
في غُصْنِ بانٍ دهته الريحُ تَخْفِضُهُ طورًا وتَرفعُهُ أفْنانُهُ صُعُدَا
خِلْوَ الهُموم سِوَى حَبٍّ تلمّسُهُ في التُّرب أو نُفْيَةٍ يَروي بِهَا كَبدَا
ما إنْ يُؤَرِّقُهُ فكرٌ لرزق غدٍ ولا عَليه حِسابٌ في المعَاد غدا
طُوَباكَ مِنْ طائرٍ طوباك ويحكَ طبْ من كانَ مِثلُكَ في الدّنيا فقد سَعِدا
إن هذه الأبيات تلقي ضوءًا على ما كان الخطابي -﵀- يعانيه من الضيق بعصره، وهي ذات شفافية، تنمُّ عن حسٍّ مرهف وروح زاهدة بمتع الحياة، ونعيمها، وزخارفها.
[ ٣٨ ]
توفي الخطابي -رحمة الله عليه- ببست في رباط هنْدَمَنْدَ يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلائمائة.
اسمه والاختلاف فيه: تختلف المصادر في اسم الخطابي وفي ضبطه، فهناك من المصادر من سماه: "أحمد" كما هو في يتيمة الدهر وغيرها.
وهناك من سمّاه: "حَمْدًا" كما في طبقات الشافعية وغيرها أيضًا.
ولكن الذي يثير الانتباه أن من المصادر من سمَّاه: "حمد" بفتح الميم.
ونرى ذلك مسطورًا عند ياقوت في معجم الأدباء ٤/ ٢٤٨. حيث يقول: ذكره -أي الخطابي- عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي الهروي في تاريخ هراة، من تصنيفه، وسمَّاه: "حَمَدًا".
ثم ينقل في الصفحة /٢٥٠/ عن أبي طاهر السلفي أن اسمه "حَمَد" وفي الصفحة /٢٥١/ يقول مثل ذلك أيضًا عن الحاكم، أنه سمّاه: "حَمَدًا" في كتاب نيسابور، وأنه: ذكر أبو سعدٍ السمعاني في كتاب مَرْوَ: سئل أبو سليمان عن اسمه فقال: اسمي الذي سمِّيتُ به "حَمَدٌ" لكن الناس كتبوه: "أحمد" فتركته عليه. قال: رثاه أبو بكرٍ عبد الله بن إبراهيم الحنبلي ببستَ في شعرٍ فسمّاهُ: "حَمْدًا" فقال:
وقد كان حَمْدًَا كاسمه حَمدَ الورى شمائل فيها للثناء ممادحُ
خلائق ما فيها مَعَابٌ لعائب إذَا ذُكِرَتْ يومًا فهُنَّ مدائحُ
تغَمَّدَهُ الله الكريم بعَفْوِه ورَحمَتِهِ والله عافٍ وصافحُ
ولا زَالَ ريحانُ الإلهِ ورُوْحُهُ قِرَى رُوحِهِ ما حَنَّ في الأيكِ صادِحُ
والذي رأيناه عند ياقوت نراه عند السيوطي في بغية الوعاة ١/ ٥٤٦ إذ قال: حَمَد بن محمد بن إبرإهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي، من ولد زيد ابن الخطاب، أخي عمر -﵁- قال السِّلفي: ذكر الجم الغفير أن اسمه: "حَمَد" بفتح الحاء وهو الصواب، وقيل اسمه أحمد.
[ ٣٩ ]
وكذلك في البداية والنهاية ضُبِطَ ضَبْطَ شكل "حَمَد".
والتنصيص في البغية على فتح الحاء ليس بمشكل، إنما المشكل أن تضبط الميم بالفتح هكذا: "حَمَد". والذي نراه عند السمعاني في الأنساب: "حَمْد" ضبط شكل وكذلك هو في المشتبه للذهبي ١/ ٢٤٢.
وإنني لم أر مصدرًا من المصادر التي ترجمت للخطابي أنها تعرضت لضبط الميم من "حمد" ضبط تنصيص، بل جميعها تضبطها ضبط شكل.
سوى حاشية على شذرات الذهب ٣/ ١٢٧ تقول: "أفاد المتبولي في شرح الجامع الصغير أنه بسكون الميم، لمحرره داود، كما في الهامش". وسوى ما جاء في الشعر الذي رثاه فيه عبد الله بن إبراهيم الحنبلي كما سبق، ولكنه ليس بحجة لأنه قد يكون ضرورة شعرية، لأن الأبيات من البحر الطويل، ولا يجوز أن تفتح ميم حَمْد لأجل الشعر. لأنه لو قال: وقد كانَ حَمَدًا لانكسر الوزن.
بقي قول المتبولي هو السند الوحيد الذي وقفت عليه بالتنصيص.
ولكنه الذي تميل إليه النفس، وتطمئن به، وخاصة بعد مراجعة المادة اللغوية في المعاجم، إذ تبين لي أن الاسم "حَمْد" بتسكين الميم هو الصواب. والله أعلم.
شيوخه: أخذ الخطابي العلم عن كثير من العلماء منهم:
١ - ابن الأعرابي الذي أخذ عنه العلم بمكة، هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر، أبو سعيد، الإمام الزاهد، شيخ الحرم، (٢٤٦ - ٣٤٠ هـ) انظر الأعلام.
٢ - أبو بكر بن داسة البصري التمار: محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) راوي السنن عن أبي داود (الشذرات ٢/ ٣٧٣).
٣ - أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان
[ ٤٠ ]
الأموي مولاهم النيسابوري المعقلي المؤذن الوراق. كان محدث خراسان ومسند العصر المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) بنيسابور في ربيع الآخر وله مائة إلا سنة، وكان حسن الأخلاق كريمًا، ينسخ بالأجرة، وعمر دهرًا، ورحل إليه خلق كثير، قال الحاكم: ما رأيت الرحالة في بلد أكثر منهم إليه (الشذرات ٢/ ٣٧٣)، قال سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٤٦٤: كان الراوي الوحيد لكتاب "المبسوط" للشافعي. ولد سنة (٢٤٧ هـ).
٤ - أبو بكر القفال الشاشي: محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي. قال ياقوت: وأخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة أما القفال: فقد ترجم له في طبقات الشافعية السبكي فقال: كان إمامًا في الحديث، إمامًا في الكلام. إمامًا في الأصول، إمامًا في الفروع، إمامًا في الزهد والورع، إمامًا في اللغة والشعر، ذاكرًا للعلوم محققًا لما يورده، حسن التصرف فيما عنده، فردًا من أفراد الزمان قال فيه أبو عاصم العبادي: هو أفصح الأصحاب قلمًا، وأثبتهم في دقائق العلوم قدمًا، وأسرعهم بيانًا، وأثبتهم جنانًا، وأعلاهم إسنادًا، وأرفعهم عمادًا" أرخ الحاكم وفاته سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ومولده فيما ذكره السمعاني سنة إحدى وتسعين ومائتين.
٥ - وأما ابن أبي هريرة: قال السبكي عنه في طبقات الشافعية ٣/ ٢٥٦: الإمام الجليل القاضي أبو علي بن أبي هريرة أحد عظماء الأصحاب ورفعائهم، المشهور اسمه، الطائر في الآفاق ذكره. قال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: كان أحد شيوخ الشافعيين، وله مسائل في الفروع محفوظة، وأقواله فيها مسطورة.
وفي شذرات الذهب ٢/ ٣٧٠: شيخ الشافعية، واسمه حسن بن حسين البغدادي مات في رجب سنة (٣٤٥ هـ) قال ابن خلكان: ودرس
[ ٤١ ]
ببغداد، وتخرج به خلق كثير، وانتهت إليه إمامة العراقيين.
٦ - إسماعيل الصفَّار؛ أبو علي: قال عنه ياقوت في معجم الأدباء ٨/ ٣٣: علامة بالنحو واللغة، مذكور بالثقة والأمانة، صحب المبرد صحبة اشتهر بها، وروى عنه وسمع الكثير أدركه الدارقطني وقال: هو ثقة، صام أربعة وثمانين رمضان، وكان متعصبًا للسنَّة.
مات فيما ذكره البغدادي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، ومولده سنة تسع وأربعين ومائتين.
٧ - أبو عمرو بن السمّاك: قال في شذرات الذهب ٢/ ٣٦٦: أبو عمرو بن السماك، عثمان بن أحمد البغدادي الدقّاق: مسند بغداد.
مات في ربيع الأول سنة (٣٤٤ هـ)، وشيّعه خلائق نحو الخمسين ألفًا.
٨ - أبو عمر الزاهد (غلام ثعلب) الحافظ العلامة: واسمه محمد بن عبد الواحد المطرز البغدادي اللغوي، قيل: إنه أملى ثلاثين ألف ورقة في اللغة من حفظه وكان ثقة، إمامًا، آية في الحفظ والذكاء. توفي سنة (٣٤٥ هـ) وكان لسعة حفظه تكذبه أدباء وقته، ووثقه المحدثون في الرواية. شذرات الذهب ٢/ ٣٧٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٧٣.
هؤلاء الشيوخ -وغيرهم- هم الذين تخرج عليهم أبو سليمان الخطابي -﵏- فكانوا مناراتٍ مشعةً على مدى الأجيال، وإن المرء ليعجب في هذا الزمان عندما يسمع بأمثال هؤلاء العلماء الأعلام، ولولا ما تركوه لنا من الآثار لحسبنا أن في الكلام مبالغة، ولكنها الحقيقة نظنها من عالم الخيال، لقصر هممنا ولضعف تحصيلنا، فعندما نقرأ أن غلام ثعلب أملى ثلاثين ألف ورقة في اللغة!! أو أن غيره كان يحفظ كذا وكذا مائة ألف
[ ٤٢ ]
حديث أو بيت شعر أو يحوي في صدره مسند الإمام أحمد، ويضم إليه كذا وكذا كتابًا.
إن المرء ليتطامن مطأطئًا رأسه أمام هؤلاء الجبال من العلم. ثم لا يرى من علماء العصر من يصل إلى مُدِّ أحدهم أو نصيفه!!.
تلاميذه: لم تكن تلاميذ الخطابي أقل شأنًا من شيوخه، فمعظم تلاميذه أعلام يجري ذكرها، ويفوح شذاها في عالم ثقافتنا الإسلامية، ومؤلفاتهم تغص بها مكتباتنا، ما بين مطبوع ومخطوط.
وسأذكر منهم نفرًا على سبيل الاختصار خوفًا من الإطالة، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب التراجم في القرن الرابع والخامس الهجريين.
قال الحافظ الذهبي في التذكرة: روى عنه -أي عن الخطابي- الحاكم وأبو حامد الإسفراييني، وأبو نصر محمد بن أحمد البلخي الغزنوي، وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسي، وأبو عمر محمد بن عبد الله الرزجاهي وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبو عبيد الهروي اللغوي، وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وخلق سواهم. وذكر ياقوت من تلاميذه أيضًا: الحافظ المؤرخ عبد الغفار بن محمد القاري، صاحب السياق لتاريخ نيسابور، وأبو القاسم عبد الوهاب الخطابي، راوي كتابه شأن الدعاء.
١ - أبو عبد الله الحاكم: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، الحافظ أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيِّع. صاحب المستدرك. قال السبكي ٤/ ١٥٦: كان إمامًا جليلًا، وحافظًا حفيلًا اتُّفِق على إمامته، وجلالته وعظم قدره توفي سنة خمس وأربعمائة (ابن قنفذ ٢٢٩).
٢ - أبو حامد الإسفراييني: أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني، قال عنه في طبقات الشافعية ٤/ ٦١: جبل من جبال العلم منيع، وحبر من أحبار
[ ٤٣ ]
الأمة رفيع. قال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد، وقال الخطيب البغدادي: "سمعت من يذكر أنه كان يحضر مجلسه سبعمائة مُتَفَقهٍ، وكان الناس يقولون: "لو رآه الشافعي لفرح به" توفي سنة ست وأربعمائة كما ذكره ابن قنفذ ص ٢٣٠.
٣ - أبو عبيد الهروي: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني صاحب الغريبين.
قال ياقوت في معجم الأدباء ٤/ ٢٦٠: قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطابي، وكان اعتماده وشيخه الذي يفتخر به. مات في رجب سنة إحدى وأربعمائة.
٤ - أبو ذر الهروي: هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري
الهروي، فقيه مالكي، عالم بالحديث، من الحفاظ الثقات، أصله من هراة، نزل مكة ومات بها سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٤٣٥ هـ) (ابن قنفذ ٢٤٠ - ٢٤١، شذرات الذهب ٣/ ٢٤٥، طبقات الشافعية ٤/ ٢٥).
مؤلفاته: ذكرها ياقوت في معجم الأدباء ١٠/ ٢٦٩ أثناء ترجمته الثانية له فقال: ولأبي سليمان كتب من تأليفه أشهرها وأسيرها كتاب "غريب الحديث"، وهو في غاية الحسن والبلاغة، وله "أعلام السنن" في شرح صحيح البخاري، و"معالم السنن" في شرح سنن أبي داود. وكتاب "إصلاح غلط المحدثين" وكتاب "العزلة" وكتاب "شأن الدعاء" وكتاب "الشجاج" (١) وغير ذلك.
وذكر له ياقوت أيضًا أثناء ترجمته الأولى للخطابي في ٤/ ٢٥٣: كتاب "العروس" وكتاب "أعلام الحديث" وكتاب "الغنية عن الكلام" وكتاب "شرح
_________________
(١) ورد في بعض المصادر باسم "الشحاح".
[ ٤٤ ]
دعوات ابن (١) خزيمة" وكتاب "تفسير أسامي الربِّ ﷿. شرح الأدعية المأثورة".
١ - أما كتاب "شأن الدعاء" فهو كتابنا هذا، وقد ورد اسمه عند ياقوت وغيره متعددًا (٢) وهو واحد. فورد باسم: تفسير أسامي الربِّ ﷿، وشرح دعوات ابن خزيمة، وشرح الأسماء الحسنى.
ويبدو أن كل مترجم للخطابي أخذ طرفًا من موضوع الكتاب ونعته به. فكتاب "شأن الدعاء" كما سمّاه الخطابي -﵀- يحوي تفسير الأسماء الحسنى، وشرح الدعوات المأثورة التي جمعها ابن خزيمة.
ويبدو هذا الاضطراب في التسمية واضحًا عند ياقوت، فذكره في الجزء ٤/ ٢٥٢ باسم "كتاب تفسير أسامي الرب ﷿. شرح الأدعية المأثورة".
ثم عاد فذكره في الصفحة /٢٥٣/ منه باسم "شرح الدعوات لابن خزيمة" ثم ذكره في الجزء ١٠/ ٢٦٩ أيضًا باسم "شأن الدعاء".
فهو بهذا يوحي أن للخطابي ثلاثة كتب، والحال أن المسمى واحد كما قدمت أولًا.
٢ - كتاب غريب الحديث: هو كما قال ياقوت: "في غاية الحسن والبلاغة ذكر فيه ما لم يذكره أبو عبيد، ولا ابن قتيبة في كتابيهما، وهو كتاب ممتع مفيد".
وقد قام مركز البحث العلمي بمكة المكرمة في جامعة أم القرى بطبع
_________________
(١) وقعت لفظة "ابن" مصحفة في معجم الأدباء إلى "أبي".
(٢) انظر معجم الأدباء ٤/ ٢٥٢ و١٠/ ٢٦٩، طبقات الحفاظ ٣/ ١٠١٩، طبقات الشافعية ٣/ ٢٨٣، كشف الظنون ص ١٠٣٢.
[ ٤٥ ]
هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، بتحقيق الأستاذ عبد الكريم إبراهيم العزباوي.
٣ - معالم السنن في شرح كتاب السنن لأبي داود، طبع الكتاب في حلب ١٩٢٠ - ١٩٣٤ م. وطبع في القاهرة بتحقيق الشيخين: أحمد محمد شاكر، وحامد الفقي.
٤ - كتاب الاعتصام بالعزلة: طبع في القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ للمرة الأولى بالمطبعة المنيرية باسم "العزلة" والذي ذكرته مسطور على صفحة النسخة الظاهرية. وهو كتاب ممتع في العزلة وأحكامها. ولكن طبعته سقيمة.
ويقوم الآن بتحقيق الكتاب الأخ الصديق ياسين السواس.
٥ - كتاب إصلاح غلط المحدثين، مطبوع في القاهرة سنة ١٩٣٦ م، تحدث عنه في كشف الظنون ص ١٠٨.
٦ - رسالة في إعجاز القرآن: طبعت في القاهرة مع رسالتين أخريين: الأولى لابن الرماني، والثانية لعبد القاهر الجرجاني؛ في دار المعارف. بتحقيق وتعليق: محمد خلف الله أحمد والدكتور محمد زغلول سلام.
مؤلفاته التي لا تزال مخطوطة:
١ - أعلام السنن في شرح صحيح البخاري: ما زال هذا الكتاب مخطوطًا.
وينقل ابن حجر في الفتح كثيرًا عن الخطابي، ولعله ينقل منه. يقول فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٣٠٩ في معرض حديثه عن صحيح البخاري: وأول شارح للصحيح هو الخطابي، ومنه عدة نسخ مخطوطة.
انظر سزكين ١/ ٣١٢، وكشف الظنون ص ٥٤٥.
٢ - كتاب الغنية عن الكلام وأهله: ما زال مخطوطًا، وقد نقل عنه ابن تيمية في مجموعة الرسائل الكبرى ١/ ٤٣٩ كلامًا يدل على أن الكتاب مؤلف في العقيدة يقول ابن تيمية في العقيدة الحموية الكبرى، في معرض حديثه
[ ٤٦ ]
عن الصفات: وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله"، قال: فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها .. الخ.
٣ - كتاب الجهاد: لم يذكره سزكين ولا بروكلمان.
٤ - الشجاج: لم يذكره سزكين ولا بروكلمان، ووقع اسمه في ابن خلكان ٢/ ٢١٤: "الشحاح" بالحاء المهملة في الحرفين.
٥ - علم الحديث: لم يزد بروكلمان وسزكين على قولها: الموصل ٨٤، ٣٥.
٦ - كتاب العروس؛ كذا ذكره ياقوت ضمن مؤلفات الخطابي.
هذه هي الكتب التي وقفت عليها في مظان ترجمة الإمام الخطابي رحمه تعالى ونفع به.
أحمد يوسف الدّقاق
[ ٤٧ ]