١ - الله (٥): قَدْ قُلْنَا فيما تَقَدمَ: إنة أشْهَرُ أسْمَاءِ الربِّ [تعالى] (٦)، وأعْلَاهَا مَحَلًاّ (٧) في الذكْرِ، والدُّعَاءِ؛ وكذَلِكَ جُعِلَ أمامَ سَائِرِ الأسْماءِ، وَخُصَّتْ بِهِ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ، وَوَقَعَتْ بِهِ الشهادةُ؛
_________________
(١) في (م): "﷿".
(٢) زيادة من (م).
(٣) في (م): "قال".
(٤) زيادة من (م).
(٥) ليست كلمة: "الله" في (م).
(٦) زيادة من (م) وانظر ص ٢٥.
(٧) في (م): "محملًا".
[ ٣٠ ]
فَصَارَ شِعَارَ الإيمَانِ وَهُوَ اسمٌ مَمنوع، لَمْ يَتسم (١) بِهِ أحَد، قَدْ قَبَضَ اللهُ عَنْهُ الألْسُنَ؛ فلم يُدْعَ بِهِ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَقَد كادَ يَتَعَاطَاهُ المُشْرِكُونَ اسْمًَا لِبَعْضِ أصْنَامِهِمْ التي كانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَصَرَفَهُ الله [تعالى] (٢) إلَى "اللاَّتِ" صِيَانَة لِهذا الاسمِ، وَذَبًَّا عَنْهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ. هَلْ هُوَ اسمٌ عَلَمٌ (٣) مَوْضُوعٌ؟ أو مشتقٌ؟ فَرُوِيَ فِيهِ عن الخليلِ روايتانِ. أحَدُهُما: أنهُ اسم [علَمٌ] (٢) ليس بِمُشْتَق، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الألِفِ واللاَّمِ مِنْهُ، كما يَجُوزُ مِنَ الرحمن، و(٤) الرحِيْمِ. ورَوَى عَنْهُ (٥) سيبويهِ أنهُ اسم مُشْتَق. وكانَ في الأصْلِ إله، مِثَال (٦) فِعَالٍ. فَأدْخِلَتْ الألِفُ واللاَّمُِ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ (٧). وَقَالَ غيرهُ: أصْلُهُ في الكَلاَمِ "إله" وَهُوَ [مُشْتقٌّ مِنْ "ألِهَ الرجلُ إلَى الرجُلِ يألَهُ إلَيْهِ": إذا فَزِعَ إلَيْهِ مِنْ أمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَأَلَهَهُ إلهَةً (٨). أيْ: أجَارَهُ، وآمَنَهُ، فَسُمِّيَ إلَاهًَا، كَمَا يُسَمَّى الرَّجُلُ إمَامًَا] (٩) إذَا أمَّ الناسَ فَائتَمُّوا (١٠) بِهِ، وكَمَا يُسَمى الثوبُ رِدَاءً،
_________________
(١) في (م): "لم يسم".
(٢) زيادة من (م).
(٣) سقطت لفظة "علم" من (م).
(٤) سقطت الواو من (م).
(٥) أي: عن الخليل.
(٦) في (م): "إلهًا، مثل ".
(٧) نقل القرطبي في تفسيره ١/ ١٠٢ هذا الكلام عن سيبويه. قلت: ولم أجده فيه بحروفه، وانظر سيبويه ١/ ٣٠٩.
(٨) سقطت من (م): كلمة: "آلهة".
(٩) ما بين معقوفين في زاد المسير ١/ ٩.
(١٠) في (م): "إذا ائتموا".
[ ٣١ ]
وَلِحَافًَا؛ إذَا ارْتُدِيَ بِهِ، والتُحِفَ بِهِ. ثُم إنهُ لما كَانَ اسْمَا لِعَظِيم (ليسَ كَمِثلِهِ شَيْء) [الشورى/ ١١] أرَادوا تَفْخِيْمَهُ بالتعريفِ الذي هُوَ الألِفُ واللاَّمُ؛ لأنهمْ أفْرَدوْهُ لِهَذا (١) الاسْمِ دونَ غَيْرِهِ. فَقَالُوا: الإلَاهُ. واسْتثقَلُوا الهَمْزَةَ في كلمةٍ يَكْثر اسْتِعْمَالهم إيَّاهَا، وِللْهَمْزَةِ في وَسْطِ الكَلَامِ ضُغْطَةٌ شَدِيْدَةٌ، فَحَذَفُوهَا فَصَارَ الاسمُ كَمَا نزَلَ بِهِ القُرآنُ.
وقالَ بَعضُهمْ: [أصْلُهُ: وِلَاهٌ، فانْبَدَلَتِ (٢) الواوُ هَمْزَةً، فقيل: إلَاهٌ، كَمَا قالُوا: وِسادٌ، وإسَادٌ (٣). ووِشاحٌ، وإشاحٌ. واشْتُقَّ مِنَ الوَلَهِ؛ لأن قلوبَ العبادِ تَوْلَهُ نَحْوَه. كَقَوْلهِ -سبحانَهُ (٤) -: (ثُم إذَا مَسكُمُ الضرُّ فَإليهِ تَجْأرُونَ) [النحل/٥٣].
وَكَانَ القِيَاسُ أنْ يُقَالَ: مَألُوهٌ (٥)، كَمَا قِيْلَ: مَعْبُودٌ، إلا أنهُم خَالَفُوا بِهِ البِنَاءَ؛ لِيَكُونَ اسْمًا، عَلَما (٦) فَقالوا: إلَاهٌ. كَمَا قيلَ (٧): لِلْمَكتُوبِ كِتَابٌ، وَللمحسوب حِسَابٌ. وَقَالَ بَعْضُهُم: أصْلُه: مِنْ ألِهَ الرجل، يَألَهُ؛ إذَا: تَحير، وَذلِك؛ لأن القُلُوبَ تَألهُ عِنْدَ التفَكرِ
_________________
(١) في (م): "بهذا".
(٢) في (م): "فأبدلت".
(٣) في (م): " وسادة وإسادة".
(٤) ليست في (م).
(٥) في (م): "مولُوهٌ"
(٦) في (م) حرف العين من كلمة "علمًا" فقط وباقي مكانها فارغ.
(٧) في (م): "قالوا".
[ ٣٢ ]
في عَظَمَةِ] (١) الله -سبحانَهُ- أيْ: يَتحَيَّرُ، ويَعْجَزُ (٢) عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ جَلالِهِ.
[وَحَكَى بَعْضُ أهْل اللغَةِ: ألَهَ، يَأْلَهُ، إلاهَةً. بمعنى: عَبَد، يَعْبُدُ، عِبَادةً.
ورُوِيَ عَنِ ابن عباس: أنهُ كَانَ يَقْرأ: (ويَذَرَكَ وإلَاهَتَكَ) (٣) [الأعراف/ ١٢٧] أيْ: عِبَادَتكَ. قَالَ: والتَّألُّهُ: التعَبُّدُ. وأنْشَدَ لِرُؤبةَ (٤):
للهِ درُّ الغانِياتِ المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسترجَعْنَ مِنْ تألُّهي
قال فمعنى الإله: المعبود] (٥).
[وقول (٦) المُوَحِّدينَ: "لَا إلَهَ إلا اللهُ" معناه: لا معبودَ غيرُ
_________________
(١) انظر زاد المسير ١/ ٩ فإنه نقله عن المؤلف وتناوله القرطبي في تفسيره ١/ ١٠٣ وتحدث عن أقوال العلماء فيه.
(٢) في (م): "تتحير وتعجز" بالتاء.
(٣) قال أبو حيان في البحر ٤/ ٣٦٧، قرأ الجمهور: "وآلهتك" على الجمع وقرأ ابن مسعود وعلي وابن عباس وأنس وجماعة غيرهم: "وإلهتك".
(٤) ديوانه /١٦٥ وتفسير الطبري ١/ ١٢٣ وزاد المسير ١/ ٩، والكامل ص ٨٧٣ ونوادر ابن الأعرابي ١/ ٢٩٦، والأزهري ٦/ ٤٢٢، والهمز لأبي زيد ص ١٠ والجمهرة ١/ ٦ و٢/ ٣٠٢ واللسان مادة (أله) ومادة (مته) ومادة (مدح) وشرح المفصل لابن يعيش ١/ ٣ والخزانة ٣/ ٩٢ وانظرها في ٤/ ٣٤٢ ففيها بحث عن أصل كلمة (أله) وتفسير أسماء الله الحسنى ص ٢٥، ٢٦، وشطره الثاني في المحتسب ١/ ٢٥٦.
(٥) ما بين المعقوفين نقله في زاد المسير ١/ ٩ والقرطبي ١/ ١٠٣.
(٦) في (م): "قال".
[ ٣٣ ]
اللهِ. و"إلا" في هذه الكلمةِ بمعنى: غير، لا بمعنى الاستثناء، لأن الاستثناءَ يَنْقَسمُ إلَى قِسْمين (١): إلَى جنْسِ المُسْتثنَى منْهُ، وإلَى غير جنْسِهِ. وَمَنْ تَوَهَّمَ في صفَةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ [وتعالى] (٢) - واحِدًا مِنَ الأمْرَيْنِ فَقَدْ أبْطَلَ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أن الأصل فيهِ الهاءُ التي هي للكنايةِ (٣) عن الغائبِ، وذلك؛ لأنهم أثْبَتُوْهُ مَوْجُودًَا في فِطَرِ عُقُولهم، وأشَارُوا إليهِ بحرفِ الكِنايةِ، ثم زيْدَتْ فِيهِ لامُ المِلْكِ. إذْ قَدْ علمُوا: أنَّهُ خَالِقُ
_________________
(١) سقطت من (م).
(٢) زيادة من (م).
(٣) على حاشية (ظ): قيل كان أصله هاء الكناية وذلك أنهم أشاروا إليه بما وقع في نفوسهم من دلالة الفطرة. إذ لم يعلموا بها مسموعًا، ثم أدخلوا عليه لام الملك فصار "له" يعنون له الخلق والأمر ثم مدوا بها أصواتهم تعظيمًا فقالوا: "لاه" تلوه بالألف واللام للتفخيم فصار "الله" ومن النحويين من قال: أدخلت الألف واللام فيه بدلًا من الهمزة فلزمته؛ فلزمتها الكلمة لزوم تلك الهمزة، ولهذا لم تسقطا عند النداء -يا الله- كما سقطتا من غيره من الأسماء -يا رحمن- ونحوه. وعن كعب الأحبار قال كان داود ﵊ ألِهًا ألوهًا. أي: مولعًا بمقاله في كل أقواله إلهي الهي. حاشية ثانية: وقال جعفر الصادق، في هذا الاسم: أبرزه الله من غيبه إلى قوله، ومن قوله إلى قلمه ومن قلمه إلى لوحه ومن لوحه إلى وحيه ومن وحيه إلى أنبيائه سكينة إلى قلوب أوليائه. حاشية ثالثة عن تفسير البيضاوي: وقيل أصله "لاها" بالسريانية، فعرب بحذف الألف الأخيرة. والأظهر أنه وصفٌ في أصله، لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار كالعلم مثل: الثريا، والصعق، أجري مجراه في إجراء الوصف عليه وامتناع الوصف به. انظر تفسير البيضاوي ١/ ١٨ ثم ص ١٧ لأن في الكلام تقديم وتأخير.
[ ٣٤ ]
الأشْياءِ، ومالِكُهَا، فَصَارَ "لَهُ"، ثُم زِيْدَتْ فِيهِ الألِفُ واللاَّمُ تَعْظِيْمًا، وفخمُوهُ تَوْكِيْدًَا لِهَذا المَعْنَى] (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ أجْرَاهُ على الأصْلِ بِلَا تَفْخِيْمٍ، كقُوْلِ الشاعِرِ:
قَدْ جَاءَ سَيْلٌ كَانَ مِنْ أمْرِ الله يَحرِدُ حَرْدَ الجَنةِ المُغِلَّهْ (٢)
فَهذِهِ مَقَالَاتُ أصْحابِ العَرَبِيةِ والنحو فِي هَذا الاسْمِ، وَأعْجَبُ هذِهِ (٣) الأقَاوِيلِ إلي قولُ مَنْ ذهب إلَى أنهُ اسم عَلَمٌ ولَيس بِمُشْتَقٍ كَسَائِرِ الأسْمَاءِ المشْتَقَةِ.
[والدَّلِيْلُ عَلى أنَّ الألفَ واللاَّمَ فِيْ بُنْيَةِ هَذَا الاسْمِ، وَلَمْ تَدْخُلَا لِلتعْرِيْفِ، دُخُولُ حَرْفِ النِدَاءِ عَليْهِ: كَقُولك: يا أللهُ.
وَحَرْفُ الندَاءِ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الألِفِ واللامِ للتعريفِ. ألَا تَرَى أنك لَا تقُولُ: يا الرحْمنُ! وَلَا يا الرَّحِيمُ! كما تَقُولُ: يا ألله! فَدَلَّ [على] (٤) أنهُما مِنْ بُنْيَةِ الاسْمِ. والله أعلم] (٥).
٢ - ٣ - الرحمن الرحيم: اِخْتَلَفَ النَاسُ فِي تَفْسير: الرَّحْمنِ، ومَعْنَاهُ، وَهَلْ هُوَ مُشتَقٌّ مِنَ الرحْمَةِ، أمْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ
_________________
(١) ما بين المعقوفين نقله القرطبي ١/ ١٠٣.
(٢) الخزانة ٤/ ٣٤١ برواية: أقبل سيل جاء من عند .. انظرها فهناك رد على هذه الرواية وبحث في أصل كلمة: "إله" للفارسي. والبيت في سفر السعادة ورقة (٣) مصورة دار المأمون للتراث. وشواهد التوضيح ص ١٦٠ برقم ١٧٤ وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٦ والفراء في تفسيره ٣/ ١٧٦ واصلاح المنطق ص ٤٧ و٢٦٦ والكامل ١/ ٥٣ و٢/ ٨٦ والبيضاوي ٥/ ١٤٥ واللسان (حرد- اله).
(٣) سقطت: "هذه" من (م).
(٤) زيادة من (م).
(٥) ما بين المعقوفين نقله القرطبي عن المؤلف في ١/ ١٠٣.
[ ٣٥ ]
إلَى أنه غير مُشتَقٍّ، وَاحْتَجَّ بِأنهُ لَوْ كَانَ مُشتَقًَّا مِنَ الرحْمَةِ لاتَّصَلَ بِذِكْرِ المَرحومِ، فَجَازَ أنْ يُقَالَ: اللهُ رَحمان بعِبَاده. كَمَا يُقَالُ: رَحِيْم بِعِبَادِهِ.
فَلما لم يَسْتَقِم صِلَتُهُ بِذِكْرِ المَرحُومِ، دلَّ عَلَى أنهُ غير مُشْتَق من الرحْمَةِ. وقَالَ: لو كانَ (١) هذا الاسمُ مُشتَقًا مِنَ الرحْمَةِ، لم تنكِرْهُ العَرَب حينَ سَمِعوه! إذْ كَانُوا لَا يُنْكِرْونَ رَحْمَةَ رَبِّهمْ. وَقَدْ حَكَى الله عَنْهمْ الإنكارَ لَه والنُّفُورَ عَنه فِي قَوْلهِ: (وَإذَاِ قِيْلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرحمنِ. قَالُوا: وَمَا الرحْمنُ) الآية [الفرقان/ ٦٠]. وزعمَ بَعْضهُمْ: أنه اسم عبرَانيُّ [وَذهب الجمْهُور مِنَ الناسِ إلَى أنه اسم مُشْتَقٌّ مِنَ الرحْمَةِ مَبْني عَلَى المبالَغَةِ. وَمَعْنَاهُ: ذو الرحْمَةِ. الذِي (٢) لَا نَظيرَ لَهُ فِيْهَا، وَلذلِكَ لا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَمَا يُثنى الرحِيْم وَيُجْمَعُ] (٣).
وَبِنَاءُ فَعْلانَ فِي كَلَامِهِم بِناءُ المُبَالَغَةِ، يُقَالُ لِشَدِيْدِ (٤) الِامْتِلَاءِ: مَلآن، وَلشَدِيدِ (٤) الشبَعِ: شَبْعَان. وَيَدُلُّ عَلَى صِحةِ مَذْهَبِ (٥) الِاشِتقَاقِ فِي هَذَا الاسْمِ.
[١٩] حديثُ عَبْدِ الرحْمنِ بنِ عَوْفٍ، [﵁] (٦): حَدثَنَاهُ: أحمدُ بنُ عبدِ الحكيمِ (٧) الكُرَيْزِيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ١/ ١٩١، ١٩٤، وأبو داود في الزكاة برقم =
(٢) في (ظ): "قال ولو كان ".
(٣) في (م): "التى".
(٤) ما بين معقوفين نقله القرطبي في تفسيره ١/ ١٠٤.
(٥) في (م): "للشديد" في الموطنين.
(٦) سقطت من (م) كلمة "مذهب".
(٧) زيادة من (م).
(٨) في (م): "الحكم".
[ ٣٦ ]
شَاذَانَ (١) الكُرَاني، قَالَا: حَدثَنَا: محمد بنُ يَحْيىَ بنُ المُنْذِرِ القَزازُ، قَالَ: حَدثَنَا: حَجاجُ بنُ مِنهالٍ، قَالَ: حَدثَنَا: حمادُ بن سلمةَ، عَنْ محمد بنِ عمرٍو، عَنْ أبي (٢) سَلَمةَ: أن أبَاهُ عادَ أبَا الرَّدَّادِ (٣)، فَقَالَ لَهُ أبو الرَّدَّادِ (٣): مَا أحَدٌ مِن قَوْمِي أوْصَل لِي مِنكَ. قَالَ
_________________
(١) = ١٦٩٤ (باب صلة الرحم)، والترمذي برقم ١٩٠٧ (باب ما جاء في قطيعة الرحم)، والبزار برقم ١٨٩٥ في كشف الأستار، وعبد الرزاق في المصنف ١١/ ١٧١، وابن حبان في صحيحه برقم ٢٠٣٣ موارد، والبخاري في فضل الله الصمد في الأدب المفرد برقم ٥٣، وأورده ابن حجر في الفتح ١٠/ ٤١٨ أثناء شرحه لحديث: "الرحم شجنة، من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته". وقال: رواه أصحاب السنن مرفوعًا. وقريب من هذا اللفظ عند البخاري ١٠/ ٤١٧ برقم ٥٩٨٧ و٥٩٨٨ من حديث أبي هريرة وعائشة ﵄ "باب من وصل وصله الله". قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد وابن أبي أوفى وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وجبير بن مطعم. قال أبو عيسى: حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح وروى معمر هذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن رداد الليثي عن عبد الرحمن بن عوف ومعمر، كذا يقول؛ قال محمد -يعني البخاري- وحديث معمر خطأ. وأخرج الحاكم الحديث بطرقه في المستدرك ٤/ ١٥٧ - ١٥٨ في كتاب البر والصلة من حديث أبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعائشة وعبد الله بن عمرو.
(٢) في المشتبه ٢/ ٥٤٦ وتبصير المنتبه ٣/ ١٢٠٨ قال عنه الذهبي وابن حجر شيخ للخطابي.
(٣) في (ظ): "ابن" وهو خطأ من الناسخ، وأبوه عبد الرحمن بن عوف.
(٤) في (م): "الدرداء" وهو خطأ. وأبو الرداد هو الليثي، قال الحافظ المزي في =
[ ٣٧ ]
عَبْدُ الرحْمنِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَحْكِي عَنْ رَبهِ: "أنا [الرحْمنُ وهيَ الرحمُ، شققتُ لَها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعتهُ ثم أَبُتُّهُ" اللفظ للكريزي. فالرحمن: ذو الرحْمَةِ الشَامِلَةِ التي وسِعَتِ الخَلْقَ في أرْزَاقِهم، وأسْبَابِ مَعَاشِهِم، وَمَصَالِحهِم، وَعَمَّتِ المُؤْمِنَ، والكَافِرَ، والصالِحَ، والطالِحَ] (١).
وأما الرحِيْمُ: فَخَاصٌّ لِلْمُؤمِنينَ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وَكانَ بالمُؤْمِنينَ رَحيمًا) [الأحزاب/٤٣]، وَقَدْ سَمّى اللهُ -جل، وعز- الرِّزْقَ، والمَعَاشَ في كِتابِهِ: رَحْمَةً، فقال: (أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبكِ، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهم مَعِيْشَتَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا) [الزخرف/٣٢].
وقال: (قُلْ لَوْ أنْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبي إذًَا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ) [الإسراء/ ١٠٠]. وكَقَوْلهِ [ﷻ] (٣): (وإمَّا تُعْرِضَنّ عَنْهُم ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبكَ تَرْجُوْهَا، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسورًَا) [الإسراء/ ٢٨].
والرحِيْمُ، وَزْنُهُ: فَعِيْلٌ، بمعنَى فَاعِلٍ. أيْ: رَاحِمٌ. وَبنَاءُ فَعِيْلٍ أيْضًَا لِلْمُبَالَغَةِ. كَعَاِلم، وَعَلِيْمٍ، وَقَادِرٍ، وَقَدِيْرٍ. وَكَانَ أبو
_________________
(١) = تهذيب الكمال ١/ ٤١٢ (مصورة دار المأمون للتراث): رداد الليثي، وقال بعضهم أبو الرداد وهو الأشهر، ثم روى الحديث وذكر أنه وافق فيه الإمام أحمد من طريق عبد الرزاق بعلوٍّ.
(٢) ما بين معقوفين نقله ابن الجوزي عن المؤلف في تفسيره زاد المسير ١/ ٩.
(٣) زيادة من (م).
(٤) زيادة من (م).
[ ٣٨ ]
عُبَيْدَة يَقُولُ: تَقْدِيْرُ هذَيْنِ الاسْمَيْن، تَقْدِيْرُ: نَدْمَانٍ (١)، ونَدِيْم، مِنَ المُنَادَمَةِ.
[٢٠] [وَجَاءَ في الأثَر: "أنهما اسمانِ رَقِيْقَانِ أحَدُهُمَا أرَقُّ مِن الآخَرِ".
وَهَذا مُشْكِل، لأن الرِّقَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا في شيءٍ مِن صِفَاتِ الله]-سُبْحَانَهُ- وَمَعْنَى الرقِيْقِ هَا هنَا: اللَّطِيْفُ. يَقُولُ: أحَدُهمَا ألْطَفُ مِنِ الآخَرِ، وَمَعْنَى اللُّطْفِ في هذَا: الغُمُوْضُ دون الصِّغَرِ الذِي هُوَ نعْتٌ فِي الأجْسَامِ.
وَيُقَالُ: إن الرحمنَ خَاصٌّ في التسْمِيَةِ، عَامٌّ في المَعْنَى.
والرحيم: عَام فِي التسْمِيَةِ، خَاص فِي المَعْنَى.
٤ - المَلِكُ (٢): هُوَ التامُّ (٣) المِلْكِ، الجَامِعُ لأصْنَافِ
_________________
(١) ما بين معقوفين نقله القرطبي عنه في تفسيره ١/ ١٠٦، ونقل بعده مباشرة فقال: "وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي؛ لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله ﷿، قال النبي - ﷺ -: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". قلت أخرجه الإمام أحمد ٤/ ٨٧، وأبو داود برقم ٤٨٠٧ أدب، ومسلم برقم ٢٥٩٣ كتاب البر والصلة. كلهم من حديث عائشة ﵂.
(٢) في (م): "بزمان" وهو سهو.
(٣) قال الليث: الملك: هو الله، ملك الملوك، وهو مالك يوم الدين. الأزهري ١٠/ ٢٦٩. وقال الزجاج -المُلك-بالضم- السلطان والقدرة. والمِلك -بالكسر- ما حوته اليد. والمَلْك- المصدر، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكًا. زاد المسير ٥/ ٣١٤.
(٤) في (م): "العام".
[ ٣٩ ]
المَمْلُوْكَاتِ (١). فَأما (٢) المَالِكُ، فَهُوَ الخاصُّ المِلْكِ. والمَصدَرُ مِنَ المَلِكِ: المُلْكُ، مضمومةُ المِيْمِ. وَمِنَ المَالِكِ: المِلْك، مكسورتُها.
وقد يُسَمى بَعْض المَخْلُوقينَ مَلِكًَا، إذَا اتَّسَعَ مُلْكُهُ. إلا أن الذِي يَسْتَحِقُّ هذَا الاسْمَ: هو اللهُ، -جل، وعز-، لأنهُ مَالِكُ المُلْكِ، وَلَيْسَ ذَلكَ لأحَدٍ غَيْرِهِ، يُؤْتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وينْزِعُ المُلْكَ مِمنْ يَشَاء، وُيعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهْوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِير.
٥ - القُدُّوسُ: [القُدوسُ: [هو] (٣) الطاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزهُ عَنِ الأنْدَادِ، والأوْلاَدِ، والقُدْسُ: الطَهَارَةُ. وَمِنْهُ سُميَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وَمَعْنَاهُ: بَيْتُ المَكَانِ الذِي يُتَطَهرُ فِيْهِ مِنَ الذنُوبِ. وَقيْلَ لِلْجَنةِ: حَظِيْرةُ القُدْسِ؛ لِطَهَارَتِهَا مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا. والقَدَسُ: السَّطْلُ الكبيرُ؛ لأنهُ يُتَطَهرُ فِيْهِ. وَلم يَأتِ مِنَ الأسْمَاءِ عَلَى فُعولٍ [بِضَمِّ الفَاءِ] (٤)، إلا قُدُّوْسٌ، وسُبُّوحٌ، وَقَدْ يُقَالُ أيْضًَا: قَدُّوسَ مَفْتوْحةُ (٥) القَافِ. وَهُوَ القِيَاسُ في الأسْمَاءِ. كَقُولهم: سَفُّود وَكَلُّوب] (٦) وَنَحْوهُمَا. وَيُقَالُ فِي تَفْسير القُدُّوسِ: إنهُ المُبَارَكُ (٧).
_________________
(١) في (م): "المخلوقات".
(٢) في (م): "وأما".
(٣) زيادة من (م).
(٤) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٥) في (م): "بفتح".
(٦) ما بين المعقوفين في زاد المسير ٨/ ٢٢٥.
(٧) قال الزجاج في تفسير الأسماء ص ٣٠: يقال: قُدوس وقَدوس، والضم أكثر، وفي التفسير: إنه المبارك في قوله تعالى: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) [المائدة/ ٢١].
[ ٤٠ ]
٦ - السَّلَامُ: مَعْناهُ ذو السَّلاَمِ (١)، والنِّسْبَةُ في كَلامِهم على ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُهَا بِاليَاءِ: كَقَوْلكَ: أسَدِيٌّ وَبَكْرِيٌّ.
والثانِي: عَلَى [الجَمْع: كَقُولهم (٢)]: المَهَالِبةُ، والمسَامِعَةُ، والأزَارِقَة.
والوَجْهُ الثالِثُ: بِذِي، وَذاتٍ (٣)؛ كَقَوْلهم: رجُل مال، أيْ: ذو مَالٍ، وَكَبْشٌ صَاف، أيْ: ذو صوْفٍ، وَامْرأة عَاشِقٌ، أيْ (٤): ذَات عِشْقٍ. وَنَاقَة ضَامِر، أيْ: ذَاتُ ضُمْرٍ.
[فَالسَّلاَم فِي صِفةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- هُوَ اَلذِيْ سلِمَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَبَرِىءَ مِنْ كُل آفَةٍ وَنَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقين.
وَقِيْلَ: هُوَ الذِي سلِمَ الخَلْقُ منْ ظُلْمِهِ] (٥)، وَذهب بعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إلَى أن السلاَمَ الذِي هُوَ التحيَّةُ، مَعْنَاهُ: السلاَمَةُ.
يقال: سَلِمَ الرجُلُ سَلَامًَا وسَلَامَة. كما قيل: رَضَع الصبِيُّ رَضاعًا ورَِضَاعة. قَالَ: ومِنْ هَذا قَوْلُ الله -سُبْحَانَهُ-: (والله يَدْعُوا إلَى دَارِ السلَامِ) [يونس/ ٢٥] أي: [إلى] (٦) الجنةِ. لأن الصائِرَ إلَيْهَا يَسْلَمُ مِنَ المَوْتِ، وَالأوْصَابِ، والأحْزَانِ. وَعلى هذَا: تُؤُوِّل قَوْلُهُ
_________________
(١) في (م): "السلامة".
(٢) في (م): "الجميع كقولك".
(٣) في (م): "بذات".
(٤) سقط "أي" من (م).
(٥) ما بين المعقوفين نقله في زاد المسير ٨/ ٢٢٥.
(٦) زيادة من (م).
[ ٤١ ]
تعالى (١): (وأمَّا إنْ كَانَ مِنْ أصْحَابِ اليَمن. فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمين) [الواقعة/ ٩١]. أيْ: نُخْبِرُكَ عَنْهُمْ بِسَلاَمَةٍ. وإلَى نَحْوٍ مِنْ هذَا أشَارَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلهِ -[﷿] (٢) -: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلدَ ويوْمَ يَمُوْتُ ويوْمَ يُبْعَث حَيًَّا) [مريم/١٥].
[٢١] أخْبَرَنِي أحْمدُ بنُ إبْرَاهيمَ بنِ مَالِكٍ قَالَ: حدثنا مُوسى (٣) بنُ إسْحقَ الأنْصَارِي، عن صَدَقَةَ بْنِ الفَضْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ [سفيان] (٤) بنَ عُيَيْنَةَ يَقُوْلُ: أوْحَشُ مَا تَكُونُ الخَلْقُ فِي ثَلَاَثةِ مَوَاطِنَ: يَوْمَ يُوْلَدُ (٥)، فَيَرَى نَفْسَهُ خَارِجًَا مما كَانَ فِيْهِ، ويوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْمًَا لم يَكُن عَايَنَهم، ويوْمَ يُبْعَثُ، فَيَرى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ عَظِيْم. قَالَ: فَأكْرَمَ الله فِيْها يَحْيىَ، فَخَصَّهُ بالسلَامِ. فَقَالَ: (وسلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويوْمَ يَمُوْتُ، ويوْمَ يُبْعَثُ حَيًَّا) [مريم/١٥].
كأنه أشار إلى أن الله -جل، وعز- سلَّم يَحْيىَ مِنْ شَرِّ هذِهِ المَوَاطِنِ الثلاَثةِ، وَأمَّنَهُ (٦) مِنْ خَوْفهَا (٧).
_________________
(١) ذكره الطبري في تفسيره ١٦/ ٥٨ - ٥٩.
(٢) في (م) بدون تعالى وفي (ظ) وضع الناسخ فوقها "جلّ وعزّ" أيضًا.
(٣) زيادة من (م).
(٤) جاء السند في (م): " بن موسى بن إسحاق ".
(٥) زيادة من (م).
(٦) في (م): "وله".
(٧) في (م): "أمنه". بدون واو العطف.
(٨) في تفسير الطبري ١٦/ ٥٩ أن الحسن قال: فى عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي؛ أنت خير مني. فقال له الآخر: استغفر لي؛ أنت خير مني، فقال عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف والله فضلها.
[ ٤٢ ]
فَعَلى هذَا إذَا سلَّم المسْلِم عَلَى المسلِمِ، فَقَالَ: السلام علَيكمْ. فَكَأنه يعلمه بالسلامَةِ مِنْ نَاحِيَتهِ، ويؤمِّنُه مِنْ شَرهِ وَغائِلتِهِ، كأنه يَقول له: أنا سِلمٌ لك، غير حرب، ووليٌّ غير عَدو، والعرَبُ تَقوْل فِيْ التحِيةِ سِلْمٌ، بِمَعْنَى: السلَامِ. وَأنْشَد الفَرَّاء (١):
وقَفْنَا فَقلْنَا إيهِ سِلْمًا فَسَلَّمَتْ كما انْكَلَّ بالبرقِ (٢) الغمام اللوائح
وَدليْل هَذَا القول:
[٢٢] حَدِيْث النبِي (٣) - ﷺ -: "المسلم مَن سَلِمَ المَسْلِمونَ
_________________
(١) أخرجه البخاري بشرح الفتح رقم ١٠ إيمان، وفي الرقاق برقم ٦٤٨٤ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ومسلم برقم ٦٥ إيمان من حديث جابر. ورواه أبو داود برقم ٢٤٨١ جهاد، والترمذي برقم ٢٦٢٧ إيمان، والنسائي ٨/ ١٠٥، والدارمي ٢/ ٣٠٠، والإمام أحمد في المسند ٢/ ١٦٣، ١٩٢، ١٩٥، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٩، ٢١٢، ٢١٥، ٢٢٤ وفي ٣٧٩ منه بلفظ: " من سلم الناس .. " وفي ٣/ ١٥٤، ٣٧٢، ٣٩١، ٤٤٠، وفي ٦/ ٢١، ٢٢ من حديث عبد الله بن عمرو وغيره. ورواية الحديث في المصادر: " من لسانه ويده" بتقديم اللسان على اليد.
(٢) في تفسيره ٢/ ٢١ عن بعض العرب، والرواية فيه: "كما اكتلَّ " وفي اللسان (كلل): انكل السحاب عن البرق واكتلَّ: تبسَّم، الأخيرة عن ابن الأعراب. وأنشد البيت برواية: اكتلَّ. والغمام اللوائح: السحاب المتلألىء من وميض البرق. قال فى اللسان (لوح) ويقال للشيء إذا تلألأ: لاح يلوح لوحًا
(٣) في (م): "بالبوق".
(٤) في (م): "رسول الله ".
[ ٤٣ ]
مِنْ يَدِهِ وَلسَانِهِ". وَذهب آخَرُوْنَ إلَى أن "السلَامَ" الذِي هو التَّحِيَّة إنما هُوَ اسمٌ مِنْ أسْماء اللهِ -جَل وَعَزَّ (١) - فَإذَا قَالَ المؤْمِن لأخِيْهِ "السَّلامُ (٢) علَيْكُم" فَإنما يُعَوِّذُهُ بِاللهِ، وُيبَرِّكُ عَلِيهِ بِاسْمِهِ. وَدَلِيلُ صِحةِ هذَا التأويلِ.
[٢٣] حَدِيْثُ أبِي هُرَيْرَةَ: أخْبَرَنَا (٣) محمد بنُ هَاشِم قَالَ: أخْبَرَنا الدَّبَريُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدثَنَا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ (٤) عَنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (فضل الله الصمد) ٢/ ٤٤٩ من حديث أنس برقم ٩٨٩، وعند البزار برقم ٢٠٠٢ طرف من الحديث وهو قوله: "أفشوا السلام بينكم" قال ابن حجر في الفتح ١١/ ١٣: أخرجه -أي البخاري- في الأدب المفرد من حديث أنس بسند حسن وزاد: "وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم". وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا، وطريق الموقوف أقوى. وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعًا بسند ضعيف وألفاظهم سواء. وذكره السيوطي في اللآلىء ٢/ ٢٨٨ من حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه فيكم" أخرجه البيهقي. ومن طريق ابن أبي شيبة عن عبد الله أيضًا: "إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه".
(٢) أخرج البخاري بشرح الفتح برقم ٨٣١، ٨٣٥، ٦٢٣٠، ٦٣٢٨، ٧٣٨١، ومسلم برقم ٤٠٢ وعبد الرزاق في المصنف برقم ٣٠٦١، ٣٠٦٤، والنسائي ٣/ ٤٠ من حديث عبد الله بن مسعود في التشهد: قوله - ﷺ -: "إن الله هو السلام".
(٣) في (م): "سلامٌ".
(٤) في (م): "أخبرناه".
(٥) في (م): "نافع".
[ ٤٤ ]
يَحْيىَ بن أبي كَثير عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيرَة قَالَ:
قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إن السلَامَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الله، فأفْشُوهُ بَينَكُمْ "
٧ - المُؤمنُ: أصْلُ الإيمَانِ فِي اللغَةِ: التصْدِيْقُ، فَالمُؤمِنُ: المُصَدِّقُ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلكِ وُجوْهًَا:
أحَدُهَا: أنه يُصَدقُ عِبَادُهُ وَعْدَهُ، وَيَفِي بِمَا ضَمِنهُ (١) لَهُمْ من رِزْقٍ في الدنيَا، وثَوابٍ عَلَى أعْمَالِهم الحَسَنَةِ فِي الآخِرَةِ.
وَالوجهُ الأخَر: أنهُ يُصَدقُ ظُنُونَ عِبَادهِ المُؤْمِنينَ، وَلَا يخيب آمَالهم.
[٢٤] كَقولِ النبِي - ﷺ - فِيْمَا يَحْكِيْهِ (٢) عَنْ رَبهِ -جَل وَعَز-: "أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي [بي فَلْيَظن عَبْدِي بي] (٣) مَا شَاء".
وقيْلَ: بَلِ اَلمؤْمِن الموحدُ نفسَهُ بقَوْلهِ: (شَهِدَ الله أنهُ لَا إلَه إلا هو وَالمَلَاِئكَةُ وَأولو العِلمِ قَائِمًَا بِالقِسطِ) [آل عمران/ ١٨].
[وَقيل: بَل المُؤْمِن الذي آمَنَ عِبَاده المُؤمِنينَ في القِيَامَةِ مِنْ
_________________
(١) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٤٠ من حديث واثلة بن الأسقع وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ورمز له (م) أي مسلم. وفي مسلم برقم ٢٦٧٥ (١٩) و(٢١) "ذكر" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني".
(٢) في (م): "ضمن".
(٣) في (م): "يحكي".
(٤) ما بين المعقوفين سقط من (م).
[ ٤٥ ]
عَذَابِهِ] (١)، وَقِيْلَ: هُوَ الذي آمَنَ خَلْقَهُ مِنْ ظُلْمِهِ.
٨ - المُهَيْمِنُ: [هو] (٢) الشهِيْدُ، وَمِنهُ [قَوْلُ اللهِ] (٣) -سُبْحَانَهُ-: (مُصَدِّقَا لِمَا بينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيمِنًَا عَلَيْهِ) [المائدة/٤٨]. فاللهُ -جَل وَعَز- المُهَيْمِنُ أيْ: الشاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا (٤) يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، كَقَوْلهِ: (وَمَا تَكُونُ في شَأنٍ، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرآنٍ، وَلَا تَعْملُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنا عَلَيْكُم شُهُودَا إذْ تُفِيْضُونَ فِيْهِ) [يونس/ ٦١].
وَقِيلَ: المهيمِنُ، الأمينُ. وأصله (٥)، مُؤيمن، فَقُلِبَتِ الهَمْزةُ هَاءً لأن الهَاءَ أخفُّ مِنَ الهَمْزَةِ. قَالُوا: وَلَمْ يَأتِ مُفَيْعِل فِي غَير التَّصْغير إلا فِي ثَلَاثَةِ أحْرُفٍ، مُسَيْطِرٌ، وَمُبَيْطِرٌ، وَمُهَيْمِنٌ.
وَقِيْلَ: المُهَيْمِنُ: الرقِيْب عَلَى الشيْءِ، والحَافِظُ لَهُْ. وقال بَعْضُ أهْلِ اللغة: الهَيْمَنَةُ: القِيَامُ عَلَى الشيْءِ، والرِّعَايَةُ لَهُ، وَأنشَدَ:
ألَا إن خيرَ الناسِ بَعْدَ نَبيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التَّالِيْهِ فِي العُرْفِ والنُّكْرِ (٦)
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط من (م).
(٢) زيادة من (م).
(٣) في (م): "قوله".
(٤) في (م): "ما".
(٥) انظر زاد المسير ٨/ ٢٢٦.
(٦) البيت في زاد المسير ٨/ ٢٢٦، والشريشي ٢/ ٢٧٥، وفتح الباري ١٣/ ٣٦٦ وغريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٠١. واللسان والتاج (همن) بدون نسبة لقائل.
[ ٤٦ ]
[يُرِيدُ: القَائِمَ على الناسِ بَعْدَهُ وَبالرعَايَةِ لَهُمْ] (١).
٩ - العَزِيزُ: هُوَ المَنِيعُ الذِي لَا يُغْلَبُ. وَالعَزُّ فِي كَلَامِ العَرَبِ عَلى ثَلَاَثةِ أوْجُهٍ. أحَدُهَا: بِمَعْنَى الغلَبَةِ، ومِنْهُ قَوْلُهُمْ:
مَنْ عزَّ بزَّ (٢)، أي: مَنْ غَلَب سَلَبَ، يُقَالُ مِنْهُ: عَز يعُزُّ -بضم العين- مِن يعُزُّ. وَمِنْهُ [قوْلُ الله سُبْحَانَهُ] (٣): (وَعَزَّنِي فِي الخِطَابِ) [ص / ٢٣].
والثاني: بِمَعْنَى الشدةِ والقوةِ. يُقَالُ مِنْهُ: عَز يَعَز -بفتح العين- من "يَعَزُّ" (٤)، كَقَوْلِ الهُذَلِي (٥) -يَصِف العُقَابَ-:
حَتى انْتَهيْتُ إلى فِرَاشِْ عَزِيْزَةٍ سَوداءَ رَوْثة أنفِهَا كَالمِخْصَفِ
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) قالت الخنساء في رثاء أخويها، الديوان ص ٨٦: كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عزّ بَزَّا
(٣) في (م): "قوله ﷿".
(٤) في (ظ): "يَفعَل" والتنظير صحيح، ولكن ما في (م) أوضح.
(٥) ديوان الهذليين القسم الثاني ص ١١٠، وشرح أشعارهم للسكري ص ١٠٨٩ آخر قصيدة لأبي كبير الهذلي، أبياتها ٢٣ بيتًا، مطلعها: أزهير هل عن شيبة من مصرف أم لا خلود لباذلٍ متكلفِ وفي مقاييس اللغة ٢/ ١٨٢ وتهذيب الأزهري ٧/ ١٤٧ برواية: فتخاء، بدل، سوداء، وفي اللسان والقاموس وشرحه (عزز). وفي الديوان، يريد: أن منسرها حديد دقيق كأنه مخصف. والروثة: طرف الأنف، وفراشها: عشها. والبيت استشهد به الزجاج في تفسير الأسماء ص ٣٤ على معنى "العزيز".
[ ٤٧ ]
جَعَلَهَا عَزِيزَة، لأنهَا مِنْ أقْوَى جَوَارِحِ الطْير.
وَالوَجْة الثالِثُ: أنْ يَكُونَ بمَعْنَى نَفَاسَةِ القَدرِ. يقال مِنه: عَز الشيْء يَعِز -بكسر العين- من يَعِزُّ، فَيَتَأوَّلُ مَعْنَى العَزِيْزِ عَلَى هذَا، أنه الذِي لَا يعَادِلُهُ شَيْء، وأنه لَا مِثلَ لَه، وَلَا نَظير. والله أعلم.
١٠ - الجَبار: [هُوَ الذِي جَبَر الخَلْقَ عَلَى مَا أرَادَ مِنْ أمْرِهِ وَنهْيِهِ يُقَالُ: جَبَرَهُ السلطَان وأجْبَرَهُ بالألِفِ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي جَبَر (١) مَفَاقِرَ الخَلْقِ وَكَفَاهُم أشبَابَ المَعَاشِ والرزْقِ] (٢) وَيُقَال: بَلِ الجبار: العَالي فَوْقَ خَلْقِهِ مِن قَوْلهم: تَجَبَّرَ النباتُ: إذا عَلَا وَاكتَهَل. ويقال لِلنخلَةِ التي لَا تَنَالها اليَدُ طُولًا: الجبارَةُ (٣). وَيُقَالُ: جَبارٌ بيِّنُ الجَبَريةِ، والجَبْروة والجَبَرُوت.
١١ - المتكَبر: هُوَ المتعَالِي (٤) عَنْ صِفَات الخَلْقِ، وَيُقَال: هُوَ الذِي يَتَكَبر عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إذَا نَازَعوْهُ العَظَمَةَ، فَيَقْصمُهُمْ وَالتاءُ فِي المتكبر (٥) تَاءُ التفَرُّدِ والتخْصُّصِ بالكبْرِ، لَا تَاءُ التَّعَاطِي والتَّكَلُّفِ.
والكِبرُ لَا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المخْلُوقِيْنَ، وإنما سِمَةُ العَبِيد الخُشُوعُ، والتَّذلُّلُ.
_________________
(١) في (ظ): "خبر".
(٢) انظر زاد المسير ٨/ ٢٢٧.
(٣) في (ظ): "الجبار".
(٤) في (م): "التعالي".
(٥) في (ظ): "التكثير" بدل "المتكبر" والمثبت من (م).
[ ٤٨ ]
[٢٥] وقد روي: "الكبرياء رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه".
وَقِيْلَ: إن المُتَكبر مِنَ الكِبْرِياءِ [الذي هُوَ (١) عظَمَة اللهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هُوَ مَذْمُومٌ فِي الخَلْقِ.
١٢ - الخالِقُ: هُوَ المبدِعُ للْخلقِ، والمُخْترِعُ لَهُ عَلَى غَيْر مِثالٍ سَبق. قَال -سُبحَانَهُ-: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غير اللهِ) [فاطر/٣]. فَأما (٢) في نُعُوت الآدميينَ فَمَعْنَى الخَلْقِ: التَّقْدِيْرُ. كَقَوْله -جل وعز-: (أنِّي أخْلُقُ لكُمْ مِنَ الطيْن كَهَيْئةِ الطيْر) [آل عمران/ ٤٩]. وكقولِ زُهيْر (٣):
ولأنْتَ تفْرِيْ ما خلقْتَ وَبَعْـ ـضُ القَوْم يخلُق ثُم لَا يَفْري
_________________
(١) الحديث في مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٤٨، وابن ماجه برقم ٤١٧٤، وأبي داود برقم ٤٠٩٠ من حديث أبي هريرة برواية: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني شيئًا ألقيته في جهنم". وفي مسلم برقم ٢٦٢٠ برواية: "العز إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته".
(٢) في (م): "التى هي".
(٣) في (م): "وأما".
(٤) شرح ديوانه ص ٩٤ من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان مطلعها: لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر والبيت من شواهد سيبويه ٢/ ٢٨٩ برواية: "وأراك تفري ". والأضداد لابن السكيت ص ٢٥، ومختار الشعر الجاهلي ١/ ٢٦٥، وغريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٢١٦، والأضداد في كلام العرب لأبي الطيب ١/ ٥٦٤، والمعاني الكبير ١/ ٥٣٩، واشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي ورقه ٧٧، والعقد الفريد ٦/ ٣٠٩، والحجة للفارسي ١/ ٣٠٧، برواية: "لا يفر" بتسكين الراء كما في سيبويه، وفي المنصف ٢/ ٧٤ و٢٣٢ ينشد هكذا: " لا يفرِ" =
[ ٤٩ ]
يَقُوْلُ: إذَا قَدَّرْتَ شَيْئًَا قطَعْتَهُ، وَغَيْرُكَ يُقَدِّرَ مَا لَا يَقْطعُهُ أيْ: يَتَمَنى مَا لَا يَبْلُغُهُ. وَمِنْ هذَا قَوْلُه (١) -جلَّ وعزَّ-: (فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقينَ) [المؤمنون/ ١٤].
١٣ - البَارىءُ: هُوَ الخَالِقُ. يُقَالُ منه: بَرأ اللهُ الخَلْقَ يَبرؤهُم (٢). والبَرِية: الخَلْقُ -فعيلة بمعنى مفعولة- وَأصْلُهُ الهَمْزُ، إلا أنهُم اصْطَلَحُوا عَلَى تَرْكِ الهَمْزَةِ (٣) فِيْهِ، ويقالُ: بَلْ أُخِذَتِ البَرِيَّةُ مِن بَرَيْتُ العُودَ: إذا قَطَعتَهُ وَأصْلَحْتَهُ. ويقالُ: بَلْ أخِذَتْ مِنَ البَرَى (٤): وَهُوَ الترابُ. إلا أن لِهَذهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الاخْتِصَاصِ بالحَيَوَانِ مَا ليس لَهَا بِغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ، وَقَلَّما (٥) يُسْتَعْمَلُ فِي خَلْقِ السمَواتِ والأرْضِ والجِبَالِ فَيُقالُ: بَرأ اللهُ السمَاءَ كَمَا يُقَالُ: بَرأَ الله
_________________
(١) = ويراد به "يفري" نحو قوله تعالى: (والليل إذا يسر) يريد: يسري، ومقاييس اللغة ٢/ ٢١٤ و٤/ ٤٩٧، والصناعتين ص ٣٨٦، وزاد المسير ٨/ ٢٢٨، والشريشي ٢/ ١٥١، وشرح شواهد الشافية ص ٢٠٨، ٢٢٩، واللسان (خلق- فرا) والصحاح (خلق).
(٢) في (م): "قول الله ".
(٣) في (م): "يبرأ".
(٤) في (م): "الهمز".
(٥) في اللسان (بري)؛ البرى: التراب. البرية: الخلق هذا إذا لم تهمز. ومن ذهب إلى أن أصله الهمز أخذه من برأ الله الخلق يبرؤهم؛ أي: خلقهم. ثم ترك فيها الهمز تخفيفًا. قال ابن الأثير: ولم تستعمل مهموزة. وقال ابن بري: الدليل على أن أصل البرية الهمز قولهم البريئة بتحقيق الهمزة حكاه سيبويه وغيره، لغةً فيها.
(٦) في نسخة (ظ): "قلّما ما".
[ ٥٠ ]
الإنْسان وبرأ النَسَمَ، وَكَانَ يَميْنُ عَلِى بنِ أبِي طَالِبٍ ﵁ التي يَحْلِفُ بِهَا:
[٢٦] "لَا والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأ النسَمةَ".
١٤ - المصور: هُوَ الذي أنشأ خَلْقَهُ عَلَى صُوَرٍ مُختَلِفَةٍ لِيَتعَارَفُوا بِهَا. فقال (١) [الله تعالى] (٢): (وَصَوَّرَكُمْ فَأحْسنَ صُوَرَكُمْ) [غافر/٦٤]. وقالَ [تعالى] (٢): (يا أيّها الإنسانُ ما غَرَّكَ بِرَبكَ الكَرِيْمِ، الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، في أي صُوْرَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار/٧]. ومعنى التَّصَوّرِ: التخْطِيْطُ، والتَّشْكِيْلُ.
[٢٧] وَقَد رُوِيَ عَنِ النبي - ﷺ - أنه قَالَ:
"أشَدُّ الناس عَذَابًَا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُوْنَ، يُقَالُ لَهُمْ: أحْيُوا
_________________
(١) أخرجه البخاري بشرح الفتح برقم ٣٠٤٧: "باب فكاك الأسير"، والنسائي ٨/ ٢٣ عن أبي جحيفة -﵁- قال. قلت لعلي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن.
(٢) أخرجه البخاري بشرح الفتح برقم ٥٩٥١ و٥٩٦١ لباس، وطرفه الأخير برقم ٧٥٥٨، ومسلم ج ٣/ ١٦٦٧ كتاب اللباس والزينة برقم (٩١)، (٩٢)، (٩٦)، (٩٧)، (٩٨). والنسائي ٨/ ٢١٦ (زينة) والإمام أحمد في المسند ١/ ٣٧٥، ٤٢٦، و٢/ ٢٦، ٥٥. وفي المصادر السابقة بعض الاختلاف في الروايات ولكن معناها متقارب، واللفظ هنا عند أحمد ٢/ ٢٦.
(٣) في (م): "قال".
(٤) زيادة من (م).
[ ٥١ ]
مَا خَلَقْتُمْ". وَخَلَق الله -جَل (١) وتَعَالَى- الإنْسَانَ في أرْحَامِ الأمهَاتِ ثلاث خلقٍ (٢): جَعَلَهُ عَلَقَة، ثم مُضْغَة، ثم جعَلَها صُوْرَة، وَهُو التشْكِيلُ (٣) الذي بِهِ يَكُوْنُ ذَا صُوْرَةٍ وَهَيْئَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ويتَمَيزُ [بها] (٤) عَنْ غَيْرهِ بِسِمَاتِهَا (٥) (فَتَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقينَ) [المؤمنون/١٤].
١٥ - الغَفارُ: [هُوَ الذي] (٦) يَغْفِرُ ذُنُوْبَ عِبَادهِ مَرة بَعْدَ أخْرَى. كُلَّماْ تَكَررَتِ التوْبَةُ فِيَ الذنْب [مِنَ العَبْد] (٦) تَكَررَتِ المَغْفِرَةُ. كَقُوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (وَإني لَغَفَار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثم اهْتَدَى) [طه/٨٢]. وَأصْلُ الغَفْرِ في اللغَةِ: السِّتْرُ وَالتغْطِيَةُ، وَمُنْهُ قِيْلَ (٧) لِجُنَّةِ الرأسِ: المِغْفَرُ، وَبِهِ سُميَ زئْبَرُ الثوب غَفْرًَا وَذَلِكَ لأنهُ يسْتر سَدَاهُ؛ فَالغَفارُ (٨): الستارُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، والمُسدِلُ (٩) عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ ورَأفَتِهِ. وَمَعْنَى الستْر في هَذَا أنهُ لَا (١٠) يَكْشِفُ أمْرَ العَبْدِ لِخَلْقِهِ وَلَا يهْتِكُ سِتْرَهُ بِالعُقُوبةِ التي تَشْهَرُهُ فِي
_________________
(١) لفظة: "جل" ليست في (م).
(٢) خِلَق: جمع خلقة؛ والخلقة: الفطرة، وجمعها فِطَر. انظر اللسان (فطر)، وضبطها في (ظ) بفتح الخاء وسكون اللام. ولم أجد لها وجهًا.
(٣) في (م): "الشكل".
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (م): "بسيمته".
(٦) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٧) في (م): "قال".
(٨) في (م): "العقار" وهو سهو من الناسخ.
(٩) في (م): "المسبل".
(١٠) في (م): "ألاّ" بدل "أنه لا".
[ ٥٢ ]
عيُونِهمْ وَيُقَال: إنَ المَغْفِرَةَ مَأخُوذَة (١) مِنَ الغَفْر: وَهُو فِيْمَا حَكَاه بَعْضُ أهْلِ اللغة نَبْتٌ يُدَاوَى بِهِ الجِرَاحُ (٢)، يُقَالُ إِنهُ إِذَا ذُرَّ عَلَيْهَا دَمَلَهَا وَأبْرَاهَا.
١٦ - القَهَّارُ (٣): هُوَ الذِي قَهَرَ الجَبَابِرَةَ مِنْ عُتَاةِ خَلْقِهِ بِالعُقُوَبةِ وَقَهَرَ الخَلْقَ كُلَّهُمْ بِالمَوْتِ.
١٧ - الوَهَّابُ: هُوَ الذِي يَجُوْدُ بِالعَطَاءِ عنْ ظَهْرِ يَدٍ مِنْ غير استِثَابَةٍ، وَمَعْنَى الهِبَةِ: التمْلِيْكُ بِغير عِوَضٍ يأخُذُهُ الوَاهِبُ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ، فَكُل مَنْ وَهَبَ شَيْئًَا مِنْ عَرَض الدُّنْيَا لِصَاحِبِهِ، فَهْوَ وَاهِبٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمَّى وَهَّابًا إلا منْ تَصَرَّفَتْ مَوَاهِبُهُ فِي أنْوَاعِ العَطَايَا فَكَثُرَتْ نَوَافِلُهُ وَدَامَتْ.
وَالمَخلُوقُونَ إنما يَمْلِكُونَ أنْ يَهَبُوا مَالًا، أوْ نَوَالًا في حَالٍ دُوْنَ حَالٍ، وَلَا يَمْلِكُوْنَ أنْ يَهَبُوا شِفَاءً لِسَقِيْم، وَلَا وَلَدًَا لِعَقِيْم، وَلَا هُدَى لِضَلَالٍ، وَلَا عَافِيَة لِذِي بَلَاءٍ، وَالله الوَهابُ -سُبْحَانَهُ- يملِكُ جَميْعَ ذَلِكَ، وَسِعَ الخَلْقَ جُوْدهُ، وَرَحْمَتُهُ، فَدَامَتْ مَوَاهِبُهُ واتصَلَتْ مِنَنُهُ وَعَوَائِدُهُ.
_________________
(١) في (م): "مأخوذ".
(٢) في (م): "تداوي الجراح". وفي اللسان وتاج العروس (غفر)، الغفر: نبات ربعي ينبت في السهل والآكام، كأنه عصافير خضر قيام، إذا كان أخضر، فإذا يبس فكأنه حمر غير قيام.
(٣) قال الزجاج في تفسير الأسماء ص ٣٨: القهر في وضع العربية: الرياضة والتذليل، يقال: قهر فلان الناقة؛ إذا راضها وذللها. والله تعالى قهر المعاندين بما أقام من الآيات والدلالات على وحدانيته. وقهر جبابرة خلقه بعز سلطانه.
[ ٥٣ ]
[قَالَ الشيْخُ] (١): وَبَلَغَنِي عَنْ أبِي عُمرَ الزاهِد (٢)، صَاحِبِ أبي العَبَّاسِ، أن بَعْضَ الوُزَرَاءِ أرْسَلَ إلَيهِ يَسْتَعْلِمُهُ (٣) مَبْلَغ مَا يَحْتَاجُ إَلَيْهِ لِقُوْتهِ فِي كُل سَنَة؛ لِيُجْرِيَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ للرسول: قُل لِصَاحِبِكَ أنَا فِي جرَايَةِ (٤) مَنْ إذَا غَضِبَ عَلَي، لم يَقْطَعْ جِرَايَتَهُ (٥) عَني.
١٨ - الرزْاقُ: هُوَ المُتَكَفلُ بِالرزْقِ، والقَائمُ عَلَى كُل نَفْس بمَا يُقِيْمُهَا مِنْ قُوْتِهَا، وَسِعَ الخَلْقَ كُلَّهُمْ رِزْقُهُ ورَحْمَتُهُ (٦)، فَلَمْ يَخْتَصَّ (٧) بذَلِكَ مُؤْمِنًَا دون كَافِرٍ، وَلَا وَليَّا دوْنَ عَدُو، [يَسُوْقُهُ إلَى الضعِيْفِ الذِي لا حَيْلَ لَهُ وَلَا مُتَكَسَّب] (٨) فِيْهِ كمَا يَسُوْقُهُ إلَى الجَلْدِ القَوِي ذِيْ المِرَّةِ السَّوِي. قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَكَأين مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وإياكم) [العنكبوت/ ٦٠] وَقَالَ [تعالى] (٩): (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) [هود/٦].
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرز اللغوي، كلام ثعلب (٢٦١ - ٣٤٥ هـ) قال ابن برهان: لم يتكلم في العربية أحد من الأولين والآخرين أعلم منه. انظر نزهة الألباء ص ٣٧٦، وبغية الوعاة ١/ ١٦٤.
(٣) في (م): "تسعمائة".
(٤) في (م): "جوابة".
(٥) في (م): "جوابته".
(٦) في (ظ) زيادة عبارة: "ولا حيلة".
(٧) في (م): "يخص".
(٨) ما بين المعقوفين في (م): "وسوقه - الذي لا حمل ولا مكتسب".
(٩) زيادة من (م).
[ ٥٤ ]
[٢٨] وكان مِنْ دعاءِ دَاوُدَ، صلواتُ الله عَلَيهِ (١): "يا رازِقَ النَّعَّابِ فِي عُشِّهِ" يُرِيْدُ: فَرْخَ الغُرَابِ، وَذَلِك أنه يُقَالُ: إنهُ (٢) إذَا تَفَقأتْ عَنْهُ البَيْضَةُ خَرَجَ أبيَضَ كالشحْمَةِ، فَإذَا رَآهُ الغُرابُ أنكَرَهُ لِبَيَاضِهِ؛ فَتَرَكَهُ. فَيَسُوْقُ اللهُ -[جَل وعَزَّ] (٣) - إلَيْهِ البَقَّ (٤)؛ فَتَقَعُ عَلَيْهِ لِزُهُومَةِ رِيْحهِ فَيَلْقُطُهَا ويعِيْشُ بِهَا إلَى أنْ يَحْمُمَ ريشُهُ فيَسوَّدَ، فَيُعَاوِدُهُ الغُرابُ عنْدَ ذَلِك، وَيَألَفُهُ (٥) ويُلْقِطُهُ الحَبَّ. فَهَذَا (٦) مَعْنَى: رِزْقِهِ النَّعَّابَ فِي عُشِّهِ.
وَقَدْ يَكُونُ وُصُولُ الرزق بِسَبَب وَبِغير سبَب، وَيَكُونُ ذلِكَ بِطَلَبٍ وبِغير طَلَب، وَقَدْ يَرِثُ الإنْسَانُ مَالًا؛ فَيَدْخلُ فِي ملْكِه مِنْ غير قَصْدٍ إلى تَمَلُّكِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الرزْقِ. وكُلُّ ما وَصَل [مِنْهُ إلَيْه] (٧) مِنْ مُبَاحٍ وَغير مُبَاحٍ فَهْوَ رِزْقُ اللهِ عَلَى مَعْنَىْ أنه قَدْ جَعَلَهُ لَهُ قُوْتًا وَمَعَاشًَا. كَقَوْلهِ -سُبْحَانَه-: (رِزْقًا لِلْعِبَادِ) [ق/١١] إثْرَ قَوْلهِ -سُبْحَانهُ (٨) -: (والنخْلَ باسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيْدٌ) [ق/١٠].
وَكَقَوْلهِ: (وَفي السمَاءِ رِزْقُكُم وَمَا تُوعَدُوْنَ) [الذاريات/٢٢] إلا أن
_________________
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (نعب) ٥/ ٧٩.
(٢) في (م): "﵇".
(٣) سقطت "إنه" من (م).
(٤) ليس في (م).
(٥) في (م): "المنَّ فيقع".
(٦) في (م): "فتألفه".
(٧) في (م): "وهذا".
(٨) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٩) ليست في (م).
[ ٥٥ ]
الشَىءَ إذا كانَ مَأذوْنًا لَه فِي تناولهِ فَهْوَ حَلَالٌ حُكمًَا، وَمَا كَانَ منه غير مَأذُوْنٍ لَهُ فِيْهِ فَهْوَ حَرَامٌ حُكْمًَا. وَجَميْعُ ذَلِكَ رِزْقٌ عَلَى المَعنَى الذِي بَيَّنَّاه.
١٩ - الفَتَّاحُ: هُوَ الحَاكِمُ بْينَ عِبَادهِ، يُقَالُ: فتحَ الحَاكِم بينَ الخَصْمين، إذَا فَصَلَ بَيْنَهُما. وَمنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ-: (رَبنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحَق، وَأنتَ خيرُ الفَاتِحيْنَ) [الأعراف/٨٩]. مَعْنَاهُ رَبنا احْكُمْ بَيْنَنَا. وَيُقَالُ لِلْحَاكِمِ: الفَاتِحُ. وَقَال (١) امْرُؤُ القَيْسَ (٢):
أبَعْدَ الفَاتِحِ الوَهَّابِ عَمْرٍو حَليف الجُود وَالحَسَبِ اللُّبَابِ؟
و[قد] (٣) يكونُ مَعْنَى الفَتاحِ أيْضًَا الذِي يَفْتَح أبْوَابَ الرزْقِ والرحْمة لعِبَاده وَيَفتحُ المنْغلِقَ عَليْهِمْ مِن أمورِهِمْ وَأسْبَابهمْ. وَيفتحِ قُلُوبهُمْ وَعُيُوْنَ بَصَائِرِهِمْ لِيبْصِرُوْا الحَق، وَيَكُوْنُ الفَاتِحَ أيْضًَا بِمَعْنى الناصِر، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (إنْ تَسْتَفْتِحوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ) [الأنفال/١٩]. قَالَ أهْلُ التفْسيرِ [إن] (٣) مَعْنَاهُ: إنْ تَسْتَنْصِرُوْا فَقَدْ جَاءَكُمُ النصْرُ (٤).
_________________
(١) في (م): "قال" بدون الواو.
(٢) في ديوانه ص ٤٠٣ من زيادة ابن النحاس، وأبي سهل، بعد البيت العاشر من القصيدة رقم ١١ ص ٩٩: أبعد الحارث الملك بن عمرٍو وبعد الخير حجرٍ ذي القباب وبعد الفاتح الوهاب عمرٍو حليف الجود والحسب اللبَاب
(٣) زيادة من (م).
(٤) انظر القرطبي ٧/ ٣٨٦.
[ ٥٦ ]
٢٠ - العَلِيْمُ: هُوَ العَاِلمُ بالسَّرَائِرِ والخَفِيَّاتِ التي لَا يُدْرِكُهَا عِلْمُ الخَلْقِ. كَقَوْلهِ [تعالى] (١): (إنهُ علِيْم بِذَاتِ الصُّدُوْرِ) [لقمان/٢٣]. وَجَاءَ عَلَى بِنَاءِ فَعِيْلٍ لِلْمُبَالَغَةِ في وَصْفِهِ بِكَمَالِ العِلْمِ، وَلذَلِكَ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَفَوْق كُل ذِيْ علمٍ عَلِيْم) [يوسف/٧٦]. والآدمِيُّوْنَ -وإنْ كَانُوا يُوْصَفُونَ بِالعِلمِ- فَإن ذَلِكَ يَنْصَرِفُ (٢) مِنْهُمْ إِلَى نَوْع مِنَ المَعْلُومَاتِ، دون نَوْع، وَقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي حَالٍ دون حَالٍ، وَقَدْ تَعْتَرِضُهُمْ الآفَاتُ فيَخْلُفُ عِلْمهُمُ الجَهْلُ، ويعْقُبُ ذِكْرَهُمُ النَسْيَانُ، وَقَدْ نَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُمْ عَاَلمًا بِالفِقْهِ غير عَاِلم بِالنحْوِ وَعَاِلمًا بهما غير عَاِلم بِالحِسَابِ وبالطِّبِّ (٣) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الأمُوْرِ، وَعِلْمُ الله -سُبْحَانَهُ- عِلْمُ حَقِيْقَةٍ، وَكَمَالٍ (قَدْ أحَاطَ بِكُل شَيْء عِلْمًا) [الطلاق/١٢]، (وَأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدًَا) [الجن/ ٢٨].
٢١ - ٢٢ - القَابِضُ البَاسِطُ: قدْ يَحْسُنُ فِي مِثل هذَيْنِ الاسْمين أنْ يُقْرَنَ أحَدُهُمَا في الذكْرِ بالآخَرِ، وَأنْ يُوصَلَ بِهِ بيَكُوْنَ ذَلِكَ أنْبَأ عَنِ القُدْرَةِ، وَأدَلَّ عَلَى الحِكْمَةِ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٤): (وَاللهُ يَقْبِضُ ويبْسُطُ، وَإلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ) [البقرة/٢٤٥]. وَإذا ذَكَرْتَ القَابِضَ مُفْرَدًَا عَنِ البَاسِطِ كُنْتَ كَأنكَ قَدْ قَصَرْتَ بِالصفَةِ (٥) عَلَى المَنْعِ والحِرْمَانِ،
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) في (م): "يتصرف".
(٣) في (م): "والطب".
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (م): "الصفة" بدون حرف الجر.
[ ٥٧ ]
وَإذَا أوْصَلْتَ أحَدَهُمَا بِالآخَرِ فَقَدْ جَمَعْتَ [بَيْنَ الصِّفَتين] (١) مُنْبِئًَا عَنْ وَجْهِ الحِكْمَةِ فِيْهِمَا -فَالقَابِضُ البَاسِطُ- هُوَ الذِي يُوَسِّعُ الرِّزْقَ وَيُقَترُهُ، وَيَبْسُطُهُ بِجُوْدِهِ وَرَحْمَتِهِ، ويقْبِضُهُ بِحِكْمَتِهِ عَلَى النظَرِ لِعَبْدِهِ كَقَوْلِهِ: (وَلَوْ بَسَطَ الله الرزْقَ لِعِبَاده لَبَغَوْا فِيْ الأرْضِ وَلَكِنْ يُنَزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) [الشورى/٢٧] فَإذَا زَاده لَمْ يَزِده سَرَفًَا وَخَرَقًَا، وَإذَا نَقَصَهُ لَمْ يَنْقُصْهُ عَدَمًَا وَلَا بُخْلا، وَقِيْلَ: القَابِضُ هُوَ الذِي يَقْبِضُ الأرْوَاحَ بِالمَوْتِ الذِي كَتَبَهُ عَلَى العِبَادِ.
٢٣ - ٢٤ - الخَافِضُ الرَّافِعُ: وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِيْ هَذَيْنِ الاسْمين يُسْتَحْسَنُ أنْ يُوْصَلَ أحَدُهُمَا فِي الذكْرِ بِالآخَرِ. فَالخَافِضُ: هُوَ الذِي يَخْفِضُ الجَبارِيْنَ وَيُذِل الفَرَاعِنَةَ المُتَكَبرِيْنَ. والرافع: [هو] (٢) الذِي رَفَع أوْليَاءَهُ بِالطاعَةِ فَيُعْلي مَرَاتِبَهُمْ، وينْصُرُهُمْ عَلَى أعْدَائِهِ وَيَجْعَلُ العَاقِبَةَ لَهُمْ لَا يَعْلُو إلا مَنْ رَفَعَهُ الله، وَلَا يَتَضِعُ إلا مَنْ وَضَعَهُ وَخَفَضَهُ.
٢٥ - ٢٦ - المُعِزُّ: (٣) المُذِّلُ: و(٤) وَالقَوْلُ فِي "المُعِزِّ و(٤) المُذِّلِ" كَهُوَ فِيْمَا تَقَدمَ مِنْ ذِكْرِ القَابِضِ والبَاسِطِ. يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، لَا مُذِل لِمَنْ أعَز، وَلاَ مُعِز لِمَنْ أذَلهُ. كَقَوْلِهِ: (وَللهِ العِزةُ وَلرَسوْلهِ وَللْمُؤْمِنينَ) [المنافقون/٨]، وَقَالَ: (أيَبْتَغُوْنَ عِنْدَهُمُ العِزةَ فَإن العِزةَ لله جَميْعَا) [النساء/١٣٩]. أعَزَ بالطاعَةِ أوْليَاءه؛ فَأظْهَرَهُمْ عَلَى
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) زيادة من (م).
(٣) في (م) زيادة: "واو".
(٤) سقطت الواو من (م) في الموطنين.
[ ٥٨ ]
أعْدَائِه (١) في الدنيا، وَأحَلَّهُمْ دَار الكَرَامَةِ في العُقْبَى، وَأذَلَّ أهْلَ الكُفْرِ فِي الدنيا؛ بِأنْ ضَرَبهُمْ بالرِّقِّ وبالجِزْيَةِ والصَّغارِ، وَفِي الآخِرَةِ بالعُقُوبَةِ والخُلُوْدِ في النارِ.
٢٧ - السمِيْعُ: بِمَعْنَى السامِعِ، إلا أنهُ أبْلَغُ فِي الصفَةِ، وَبِنَاءُ فَعِيْلٍ: بِنَاءُ المُبَالَغَةِ. كَقَولهمْ: عَلِيْم: مِنْ عَاِلم، وَقدِيْر: مِنْ قَادِرٍ، وَهُوَ الذِي يَسْمَعُ السرَ والنَّجْوَى. سَوَاءٌ عِنْدَهُ الجَهْرُ، والخُفُوتُ، والنطْقُ، والسُّكُوْتُ، وَقدْ يَكُونُ السَّمَاعُ بِمَعْنَى القَبُولِ وَالإجَابَةِ.
[٢٩] كَقَوْلِ النبِي - ﷺ -: "اللهم إني أعُوْذُ بِكَ مِنْ قَوْلٍ لَا يُسْمَع"، أيْ: مِن دُعَاءٍ لَا يُسْتَجَابُ، وَمِنْ هذَا قَوْلُ المُصَلي:
[٣٠] "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمدَهُ" مَعْنَاهُ قبِلَ الله حَمْدَ مَنْ حَمدَهُ.
_________________
(١) هذا طرف حديث رواه ابن حبان في صحيحه برقم ٢٤٤٠ موارد، والنسائي ٨/ ٢٦٤، والإمام أحمد ٣/ ١٩٢، ٢٥٥، ٣٨٣، والخطابي في غريب الحديث ١/ ٣٤٢ من حديث أنس وانظر الكنز ٢/ ٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري بشرح الفتح برقم ٦٩٠، ٧٢٢، ٧٣٢، ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩، ٧٨٨، ٧٩٥، ٧٩٦، ٧٩٧، ٧٩٩، وفيه: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" وبرقم ٣٢٠٣، ٣٢٢٨، ٤٠٦٩، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨. ومسلم صلاة برقم (٢٥)، (٢٨)، (٥٤)، (٦٢)، (٦٣)، (٧١)، (٧٧)، (٨٦)، (٨٨)، (٨٩)، (١٩٦)، (١٩٨)، (١٩٩)، (٢٠٢)، وفيه: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده". وكذلك روايته برقم (٢٠٣) وكتاب صلاة =
(٣) في (م): "أعدائهم".
[ ٥٩ ]
وأنشد أبو زيدٍ لِشُتير بنِ الحَارِثِ الضَّبِّي:
دَعَوْتُ اللهَ حَتى خِفْتُ ألا يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُوْلُ (١)
أيْ: لَا يُجيْبُ، وَلَا يَقْبَلُ (٢).
٢٨ - البصير: هُوَ المُبْصِرُ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. كَقَوْلهمْ، ألِيْمٌ: بِمَعْنَى مُؤْلم، وكَقَوْلِ عَمْرِو بنِ مَعْدِ يْكَرِبَ:
أمِنْ رَيْحَانَةَ الداعِي السَّمِيْعُ (٣)
_________________
(١) = المسافرين برقم (٢٠٢)، (٢٠٣)، والنسائي (افتتاح) ٢/ ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٢، ٢١١. وابن ماجه برقم ٨٦٢، ٨٧٥، ٨٧٦، ٨٧٧، ٨٧٨، ٨٧٩، ١٠٦١، ١٢٣٨، ١٢٣٩. وغيرهم.
(٢) أنشده الطبري في تفسيره، ٥/ ٦ - ٥٢٨، وابن الجوزي في زاد المسير ١/ ١٤٤، والقرطبي ٢/ ٣١، وفي الخزانة ٢/ ٣٦٣، مطلع قصيدة من سبعة أبيات في الشاهد السادس والستين بعد الثلاثمائة منسوبًا إلى شمير بن الحارث الضبي. وقال: شمير، بضم الشين المعجمة وفتح الميم وآخره راء مهملة، هكذا ضبطه أبو زيد. وقال الأخفش -فيما كتبه عليه- الذي في حفظي سمير -بالسين المهملة وكذا ضبطه الصاغاني في العباب بالمهملة- وقال: هو شاعر جاهلي والله أعلم. اهـ وفي نوادر أبي زيد ص ١٢٤ مع ستة أبيات أخرى. وفي أمالي المرتضى ١/ ٦٠٣، وفي اللسان (سمع) ولم ينسبه. وأنشده الخطابي في غريب الحديث ١/ ٣٤٢، والزمخشري في الفائق ١/ ٦١٢ كما هنا، إلى شتير. وانظر تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٤٢.
(٣) في (م): "لا يقبل ولا يجيب".
(٤) هذا صدر بيت، عجزه: يؤرقني وأصحابي هجوع. وهو مطلع الأصمعية رقم (٦١)، وأبياتها (٣٧) بيتًا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وفي الكامل ١/ ١٧٢، وأمالي ابن الشجري ١/ ٦٤ و٢/ ١٠٦، وتفسير الطبري ١/ ١٢٣، وتهذيب الأزهري ٢/ ١٢٤، والشريشي ٢/ ٢٥٨، =
[ ٦٠ ]
يُرِيْدَ: المُسْمِعَ. وَيُقَالُ: البَصيرُ: العاِلم بخَفِيَّاتِ الأمُورِ.
٢٩ - الحَكَمُ: الحَكَمُ الحاكِمُ، ومنه المَثَلُ: "في بَيْتهِ يُؤْتى الحَكَمُ" (١). وَحَقِيْقتُهُ: هُوَ الذِي سَلِمَ لَهُ الحُكْمُ، ورد إلَيْهِ فِيْهِ (٢) الأمْرُ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): "له الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ) [القصص/ ٨٨] وَقَوْلهِ: (أنْتَ تَحْكُمُ بين عِبَادكَ فِيْمَا كانوا فِيهِ يَخْتَلِفُوْنَ) [الزمر/ ٤٦]. وَقِيْلَ: لِلْحَاكِمِ حَاكِمٌ؛ لِمَنْعِهِ الناس عَنِ التظَالُم، ورَدْعِهِ إيَّاهُمْ. يُقَالُ: حَكمْتُ الرجُلَ عَن الفَسَادِ: إذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ. وَكذَلِكَ: أحْكَمْتَهُ -بالألِفِ- أنْشدَنِي أبُو عُمَرَ قَالَ: أنْشَدَني أبو العَبَّاسِ لِجَريْرٍ (٤):
أبَنِي حَنِيْفَةَ أحْكمُوا سُفَهاءَكُمْ إني أخَافُ عَلَيْكمُ أنْ أغْضَبَا
وَمِنْ هَذَا قِيْلِ: حَكَمَةُ اللِّجَام، وَذَلِكَ لمنْعِهَا الدابةَ مِنَ التَّمَرُّدِ والذهَابِ في غْير جِهَةِ (٥) القَصْدِ.
_________________
(١) = وسرح العيون ٢٧١، وأورده ابن فارس في الصاحبي ص ٢٠١، شاهدًا على السميع بمعنى: مسمع، وضعهم فعيل بمعنى مفعل، وروح المعاني ١/ ١٥٠، والشطرة في غريب القرآن ص ١٧ وانظر تفسير أسماء الله الحسنى ص ٤٣.
(٢) المثل في: الفاخر ص ٧٦، والعسكري ٢/ ١٠١، والميداني ٢/ ٧٢، والمستقصى ٢/ ١٨٣، وأبي عبيد ص ٥٤، واللسان (حكم).
(٣) سقط "فيه" من (م).
(٤) زيادة من (م).
(٥) ديوانه ١/ ٤٦٦ مع بيت آخر هو: أبني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنبا
(٦) في (م) لفظة غريبة لا تنسجم مع المعنى: تقرأ: (هيئة أو حمية) ولا يساعد رسمها على قراءتها "جهة" وما هو مثبت من (ظ) سديد لا يحتاج إلى سواه.
[ ٦١ ]
٣٠ - العدل: هُوَ الذِي لَا يَميْلُ بِهِ (١) الهَوَى فَيَجُور فِي الحُكْمِ. وَأصْلُهُ المَصْدَرُ. مِنْ قَوْلكَ (٢): عَدَلَ، يَعْدِلُ، عَدْلًا، فَهْوَ عَادِلٌ. أُقِيْمَ مَقَامَ الاِسْم، وَحَقِيْقَتُهُ ذو العَدْلِ.
كقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ (٣) -: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق/٢] وَيُقَالُ: عَدَلْتُ الشَيْءَ أعْدلُهُ عَدْلا: إذَا قَوَّمْتَهُ. وَمِنْهُ الاعْتِدَال في الأمُورِ، وَهُوَ الاسْتِقَامَةُ فِيْها.
٣١ - اللطِيْفُ: هُوَ البَرُّ بِعِبَاده، الذِي يَلْطُفُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وُيسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوْنَ.
كقوله -[سبحانه] (٤) -: (الله لَطِيْفٌ بِعِبَاده يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ وهُوَ القوي العَزيز] [الشورى/١٩]. وَحَكَى أبو عُمَرَ (٥) عَنْ أبِي العَباسِ عَنِ ابنِ الأعْرَابي (٦) قَالَ: اللَّطِيْفُ، الذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرَبَكَ فِي رِفْقٍ، وَمِنْ هذَا قَوْلُهُم: لَطَفَ اللهُ لَكَ، أيْ: أوْصَلَ إلَيْكَ مَا تُحبُّ فِي رِفْقٍ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي لَطُفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيفِيةِ. وَقَدْ يَكُونُ اللطْف بِمَعْنَى الرِّقةِ، والغُمُوضِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الصِّغَرِ فِي نُعُوْتِ الأجْسَامِ، وذلك مما لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِ البارِي -سُبْحَانَهُ-.
_________________
(١) سقطت "به" من (م).
(٢) في (م): "قوله".
(٣) في (م): "﷿".
(٤) زيادة من (م).
(٥) هو الزاهد المعروف بغلاف ثعلب. وقد مرت ترجمته ص ٥٤ وأبو العباس هو ثعلب أحمد بن يحيى (٢٠٠ - ٢٩١ هـ).
(٦) ابن الأعرابي هو محمد بن زياد (١٥٠ - ٢٣١ هـ) راوية ناسب، علامة باللغة من أهل الكوفة، له تصانيف كثيرة، منها النوادر. انظر الأعلام ٦/ ٣٦٥.
[ ٦٢ ]
٣٢ - الخَبِيْر: هُوَ العَاِلمُ بِكُنه الشىءِ. المُطَّلِعُ عَلى حَقِيْقَتِهِ (١).
كَقَوْله [تَعَالى]: (فَاسْألْ بِهِ خَبِيْرًَا) [الفرقان/٥٩]. يُقَالُ فُلَانَ بِهَذَا الأمْرِ خَبِيْرٌ؛ وَلَه بِهِ خبْرٌ، وَهُوَ أخْبَرُ بِهِ مِنْ فُلَانٍ؛ أيْ: أعْلَمُ. إلا أن الخُبْرَ فِي صِفَةِ المَخْلُوقينَ إنما يُسْتَعْمَلُ في نَوْعِ العِلْمِ الذِي يَدْخلُة الِاخْتِبَارُ، وُيتَوَصَّلُ إلَيْهِ بالِامْتحَانِ، والاِجْتِهادِ، دون النَّوعِ المَعْلُومِ بِبَدَائِهِ (٢) العُقولِ.
وَعِلْمُ الله -سُبْحَانَهُ- سَوَاءٌ فِيْمَا غَمضَ مِنَ الأشْيَاءِ و[فيما] (٣) لَطُف، وَفيمَا تَجَلَّى بهِ (٤) مِنه وَظَهَرَ. وَإنما تختَلِف مَدارِكُ عُلُومِ الآدميِّينَ الذِيْن يَتَوَصَّلُونَ إلَيْها بِمُقدمَاتٍ مِنْ حِسٍّ، وَبِمُعَاناةٍ مِن نَظَرٍ، وَفكْرٍ؛ وَلذَلِكَ قِيْلَ لهم: لَيْسَ الخَبَرُ كَاْلمُعَايَنَةِ، وَتَعَالَى الله عَن هَذِهِ الصفَاتِ عُلُوًّا كَبِيْرًا.
٣٣ - الحليم: هُوَ ذو الصفْحِ، والأنَاةِ، الذِي لَا يسْتَفزْه غَضَبٌ وَلَا يَسْتَخِفُّهُ جَهْلُ جَاهِلٍ، وَلَا عِصيَانُ عَاصٍ، وَلَا يَسْتحِق الصَافِحُ مَعَ العَجز اسمَ الحِلْمِ؛ إنما الحلِيمُ هُوَ الصفُوحُ مَعَ القُدْرَةِ. [و] (٥) المتأني الذِي لَا يَعجَل بِالعقُوَبةِ. وَقَدْ أنعَمَ بَعْض الشْعَراءِ بَيَانَ هذَا المَعْنَى فِي قَوْلهِ (٦):
_________________
(١) في (م): "الحقيقة".
(٢) في (م): "ببداية" ولو لم يضع النقطتين على التاء المربوطة كان ممكنًا أن تقرأ كما في (ظ) المثبت.
(٣) "فيما" زيادة من (م).
(٤) سقطت: "به" من (م).
(٥) زيادة من (م).
(٦) البيتان في عيون الأخبار المجلد الأول الجزء ٣/ ٢٨٧، وديوان المعاني ١/ ١٣٤، =
[ ٦٣ ]
لا يُدرِكُ المَجدَ أقوَامٌ وإنْ كَرُمُوا حَتى يَذِلُّوا وَإن عَزُّوا لأقوَام
وَيُشْتَموا فَتَرى الألْوَانَ مُسْفِرَةً لَا صَفْحَ ذُلٍّ وَلَكِنْ صَفْحَ أحْلَامِ
ويقال: لم يَصِفِ اللهُ -سُبحَانَهُ- أحَدًَا مِنْ خَلقِهِ بِصِفَةٍ أعَز من الحِلْم، وذلك حينَ وَصَفَ إسمَاعِيلَ بِهِ. وَيُقَالُ: إن أحَدَا لَا يَسْتَحِقُّ اسمَ الصَّلَاحِ حَتى يَكُونَ مَوصُوفَا بِالحِلمِ، وذلك أن إبرَاهِيْمَ -صَلَوَاتُ الله عَلَيهِ (١) - دَعَا رَبهُ فَقَالَ: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحيْنَ) [الصافات/ ١٠٠] فَأجِيْبَ بقَوْلهِ: (فَبَشرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم) [الصافات/١٠١] فَدَل عَلَى أَن الحِلمَ أعْلَى مآئر (٢) الصلاَحِ -وَاللهُ أعلَمُ- وَيقَال: حَلُمَ الرَّجُلُ يَحلُمُ حُلْمًا، بضم اللاَّمٍ في المَاضِي والمُستَقْبَلِ، وحَلَم في النومِ، بِفتْحِ اللامِ يحلُم حلْمًا، اللام في المُستَقْبَل، والحاءُ في المَصَدَرِ مِنه، مَضمُومَتَانِ.
٣٤ - العَظِيمُ: هُوَ ذو العَظَمةِ والجَلَالِ، وَمَعْنَى العِظَم فِي هَذَا منْصَرِفٌ إلَى عِظَمِ الشأنِ، وَجَلَالَةِ القَدْرِ دون العِظَم الذِي هُوَ مِنْ
_________________
(١) = وفي العقد الفريد ٢/ ١٢٠، وفي البيت الثاني اختلاف في الرواية عما هنا. والبيت الأول في المصادر السابقة برواية "لن يدرك" وهما في ذيل أمالي القالي ص ٤١، قال البكري في ذيل اللآلىء ص ٢٢: "البيتان رواهما ثعلب في أماليه، قال: أنشدنا عبد الله بن شبيب قال: أنشدني ابن عائشة لأبي عبيد الله بن زياد الحارثي "؛ قلت: لم أجدهما في مجالسه.
(٢) في (م): "﵇".
(٣) في المغربية: "أمائر"، وفي اللسان (مار): "ماءره، مماءرة: فاخره" فعلى هذا؛ المآثر: المفاخر.
[ ٦٤ ]
نُعُوتِ الأجْسَامِ لِمَا يُوجَدُ فِيْها مِنْ زِيَادةِ الأجْزاءِ وَيُقَالُ للرجُلِ السَيدِ: هُوَ عَظِيْمُ قَوْمِهِ.
وَقَالَ [الله] (١) -سُبْحَانَهُ- حِكايَةً عَنِ الكُفارِ: (وَقَالُوْا: لَوْلَا نُزلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجلٍ مِنَ القَرْيَتَين عَظِيْم) [الزخرف/٣١]. وَيُقَالُ: أعْظَمْتُ الرَّجُلَ أُعْظِمُهُ (٢) إعْظَامًَا: إذَا جَلَلْتَهُ، وَأكْبَرتَهُ. وَهُوَ أعلَى مِنْ قَوْلكَ: عَظمْتُهُ تَعْظِيمًا.
٣٥ - الغَفُوْرُ: هُوَ الذي تَكْثُرُ منْهُ المَغْفِرَةُ. وَبِنَاءُ فَعُولٍ: بِنَاءُ المبالَغَةِ فِي الكَثرَةِْ. كقُولكَ: صَبُوْرٌ، وَضَرُوْبٌ، وَأكُوْلَ. وَمَا أشْبَهَها مِنَ النعُوتِ. وَقَد تَقَدمَ الكَلَامُ فِي تَفْسير: الغَفارِ، وَمَعْنَى اشْتِقَاقِهِ في اللغَةِ، وَسَبِيلُ الِاسمَيْن مِنْ أسماء الله -جل وعز (٣) - المذكورينِ عَلَى بِنَاءَيْنِ مُخْتَلِفين- وإنْ كَانَ اشْتِقَاقُهُمَا مِنْ أصْل وَاحِد -أن تطلب لكل واحد منهما فائدة مُسْتَجَدة، وَأنْ لَا يُحمَلَا عَلَى التكْرَارِ.
فَيَحْتمِلُ -والله أعْلَمُ- أنْ يَكُوْنَ الغَفارُ، مَعْنَاهُ: السَّتَّارُ لِذُنُوبِ عِبَادهِ فِي الدنيَا بِأنْ لَا يهتِكَهُم وَلَا يُشِيْدهما عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ مَعْنَى الغَفُورِ: مُنْصَرِفًَا إلى مَغْفِرَةِ الذنُوبِ فِي الآخِرَةِ، والتَّجَاوزِ عَنِ العُقوَبةِ فِيْها.
٣٦ - الشكوْر: هُوَ الذِي يَشْكُر اليَسِيرَ مِنَ الطاعَةِ فَيثيْبُ عَلَيْهِ الكَثيرَ مِنَ الثوَابِ، وَيُعطِي الجَزِيلَ مِن النعْمةِ، فَيَرْضَى بِاليَسير مِن الشكْرِ. كقَوْلهِ -سُبحَانَهُ-: (إن رَبنَا لَغَفورَ
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) ليست في (م).
(٣) في (م): "تعالى".
[ ٦٥ ]
شَكورٌ) [فاطر/٣٤]. وَمَعْنَى الشكْرِ المُضَافِ إلَيْهِ: الرِّضَى بِيَسير الطاعَةِ مِنَ العَبْدِ وَالقَبُوْلُ لَهُ. وَإِعْظَامُ الثوَابِ عَلَيْهِ -وَالله أعْلَمُ- وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُوْن مَعْنَى الثنَاءِ عَلَى اللهِ -جل وعز (١) - بالشكُوْرِ تَرْغِيْبُ الخَلْقِ فِي الطاعَةِ. قَلَّتْ أو كثُرَتْ لِئَلا يَسْتَقِلُّوا القَلِيْلَ مِنَ العَمَلِ فَلَا (٢) يَتْرُكُوا اليَسيرَ مِنْ جُمْلَتِهِ إذَا أعْوَزَهُمْ الكثيرُ مِنْهُ.
٣٧ - العَليُّ: هُوَ العَالي القَاهِرُ. فَعِيْلٌ بِمَعْنَى فَاعلٍ، كالقَدِيْرِ وَالقَادرِ والعَلِيْمِ والعَاِلم، وَقَدْ يكُونُ ذَلِكَ مِنَ العُلُوِّ الذِي هُوَ مَصْدَرُ: عَلَا، يَغلُو، فَهوَ عَالٍ. كَقُوْلهِ: (الرحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) [طه/٥]. وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عَلَاءِ المَجْدِ والشرَفِ. يُقَالُ مِنهُ: عَليَ يَعْلَى عَلَاءً. وَيَكُونُ: الذي عَلَا وجل أنْ تَلْحَقَهُ صِفَاتُ الخَلْقِ (٣)، أوْ تُكَيِّفَهُ أوْهَامُهُمْ (٤).
٣٨ - الكبيرُ: هُوَ المَوْصُوفُ بِالجَلَالِ، وَكبَرِ الشأنِ، فَصَغُرَ دون جَلَالِه كلٌّ كبير. وَيُقَالُ: هُوَ الذِي كبُر عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقينَ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُصَلي (اللهُ أكْبَرُ) مِنْ هَذَا كَأنه يَقُوْلُ: الله أكْبَرُ مِنْ كُل شَيْء. وَقُدِّمَ هَذَا القَوْلُ أمَامَ أفْعَالِ الصَّلَاةِ تَنْبِيْهًَا
_________________
(١) "جل وعز" ليست في (م).
(٢) سقطت من (م).
(٣) في (م): "المخلوقين".
(٤) قال الزجاج في تفسير الأسماء ص ٤٨: "فالله -تعالى- عالٍ على خلقه، وهو عليٌّ عليهم بقدرته، ولا يجب أن يذهب بالعلو ارتفاع مكان. إذ قد بينا أن ذلك لا يجوز في صفاته -تقدست- ولا يجوز أن يكون على أن يتصور بذهن، أو يتجلى لطرف، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا".
[ ٦٦ ]
لِلمصلي. كيْ يخطره بِبَالِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ إلَى الصلاةِ فَلَا يَشْغَل خَاطِرَة بِغيرهِ، وَلَا يعلق قَلْبَهُ بِشَيْءٍ سِوَاهُ. إذَا (١) كَانَ يَعْلَم أنه أكبَرُ مِما يَشْتَغِل بِهِ. وَكَانَ أبو العَباسِ، محمد بن يزيد النحوِي (٢) لَا يَرْتَضِي هَذَا القول. ويَقُول: "لَيسَ يَقَعُ هَذَا عَلَى مَحْضِ الرؤيةِ لأنه ﵎: (لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ) [الشورى/١١] وَمِثلُ هَذَا إنما يَكُونُ فِي الشيْئَين يَكونَانِ مِنْ جِنْس [واحد] (٣). فَيقَال: هَذَا أكبَر مِنْ هَذا: إذَا شَاركَهُ فِي بَابٍ" (٤)، وَقَالَ أبو عُبَيدَةَ: الله أكْبَر مَعْنَاه: الله (٥) كبِيرٌ. وَأنشَدَ لِلفَرَزْدقِ (٦):
إن الذِي سَمَكَ السمَاءَ بَنَى لَنَا بَيتًَا دَعَائِمه أعَزُّ وَأطوَلُ
[أي: عزيزة طَويلة] (٧).
٣٩ - الحَفِيظُ: هوَ الحَافِظ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٍ. كَالقَدِيرِ وَالعَلِيمِ. يَحْفَظ السَمَوَاتِ والأرْضَ وَمَا فِيهِمَا؛ لِتَبْقَى مدةَ بَقَائِهَا؛ فَلَا تَزْول وَلَا تُدْثَر. كَقَوْلهِ -﷿ (٨) -: (وَلاَ يَؤودُهُ
_________________
(١) في (م): "إذ".
(٢) محمد بن يزيد النحوي: هو المبرد، أبو العباس، صاحب "الكامل" و"المقتضب" وإمام العربية ببغداد في زمنه (٢١٠ - ٢٨٦ هـ) الأعلام ٨/ ١٥.
(٣) زيادة من (م).
(٤) انظر كامل المبرد ص ٦٩٦، ٦٩٧.
(٥) لفظ الجلالة ليس في (م).
(٦) ديوانه ٢/ ٧١٤ مطلع قصيدة، والبيت في الكامل ص ٦٩٧.
(٧) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٢١، وما بين معقوفين زيادة منه على الأصل.
(٨) في (م): "تعالى".
[ ٦٧ ]
حِفْظُهُمَا) [البقرة/٢٥٥]. وَقَالَ: (وَحِفْظًَا مِنْ كل شَيْطَانٍ مَارِدٍ) [الصافات/ ٧] أيْ: حَفِظْنَاهَا حِفظًَا. والله أعْلَمُ.
وَهُوَ الذي يَحْفَظُ عَبْدَهُ مِنَ المَهَالِكِ (١) والمَعَاطِبِ، وَيَقِيْهِ مَصَارِعَ السْوءِ. كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (لَهُ مُعَقبَات مِنْ بين يَدَيْهِ وَمِنْ خَلفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللهِ) [الرعد/١١] أيْ: بِأمْرِهِ (٢) وَيَحْفَظُ عَلَى الخَلْقِ أعْمَالَهُمْ، وَيُحصِي عَلَيْهِمْ أقْوَالَهُمْ، وَيَعلَمُ نِيَّاتِهم وَمَا تُكِنُّ صُدورُهُمْ، وَلَا (٣) تَغِيْبُ عَنْهُ غَائِبَة، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة، وَيَحْفَظُ أؤليَاءَهُ، فَيَعْصِمُهُم عَن مُوَاقَعَةِ الذْنوبِ، وَيَحْرُسُهُمْ عَنْ مُكَايَدَةِ (٤) الشيطَانِ، لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرهِ، وَفِتْنَتِهِ.
٤٠ - المُقِيْتُ: هُوَ المُقْتَدِرُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَباسٍ -[﵁] (٥) - في قَوْلهِ: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُقِيْتًَا) [النساء/٨٥] قَالَ: مُقْتَدِرَا. وَقَالَ: ألم تَسْمَعْ قَوْلَ الشاعِرِ:
وَذِيْ ضِغْنٍ كَفَفْتُ النفْسَ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقيْتَا (٦)؟
_________________
(١) في (م): "الهلاك".
(٢) في (م): "بأمر الله".
(٣) في (م): "فلا".
(٤) في هامش (ظ): "مكابد" وفي (م): "مكايد" بدون التاء.
(٥) ما بين المعقوفين في (م).
(٦) قال السيوطي -﵀- في الدر المنثور ٢/ ١٨٧: "أخرج أبو بكر بن الأنباري في الوقف والابتداء، والطبراني في الكبير، والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: "مقيتًا" قال: قادرًا مقتدرًا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أحيحة بن الأنصاري؟! =
[ ٦٨ ]
والمقِيْتُ أيْضًَا: مُعْطِي القوْتِ. قَالَ الفَرَّاءُ: يُقَال: قَاتَهُ، وَأقَاتَه بِمَعْنى وَاحِدٍ.
٤١ - الحَسِيْبُ: هو المَكافِىءُ. فعِيْلٌ بِمعْنَى: مُفْعِلٍ، كقَوْلكَ (١): ألِيْمٌ بمَعْنَى مُؤْلم. تَقُولُ العَرَبُ: نزَلْتُ بِفُلَانٍ فَأكْرَمَني وَأحْسَبَني، أيْ: أَعْطَانِي مَا كَفَانِي حَتى قُلْتُ: حَسْبِي. وَمِنْهُ قَوْل الشاعِرِ (٢):
وَنُقْفِي وَليْدَ الحَيِّ إنْ كَانَ جَائِعًَا وَنُحْسِبُهُ إنْ كَانَ لَيْسَ بِجَائِع
وَأخْبَرَنَا ابْنُ الأعْرَابي قَالَ: حَدثَنَا: العَبَّاسُ الدُّورِي عَنْ يَحْيىَ بنِ مَعين قَالَ: قَالَ [شعْبَة] (٣): سَمِعْتُ سِمَاك بَن حَرْبٍ يَقُولُ
_________________
(١) = وأنشد البيت. ولكن الطبري في تفسيره ج ٥/ ١٨٨ نسبه للزبير بن عبد المطلب، ونسبه البحتري في حماسته ص ٢٧٢ لعمرو بن قيس، ولكن رويه بالراء أي: "قديرًا". بدل: "مقيتًا".
(٢) في (م): "كقولهم".
(٣) البيت مع آخر قبله: أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى أشرنا إلى خيراتها بالأصابع في السمط ص ٨٨٥، وذيله ص ٦٨ منسوبان إلى أبي يزيد العقيلي، ونسبه في اللسان مادة (حسب)، و(دوا) إلى امرأة من قشير. وفي الأساس (قفو) بدون نسبة. وإصلاح المنطق ص ٢٦٣، والعقد الفريد ٨/ ٤. وفي غريب القرآن ص ١٧، ٥١٠، أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي. وانظر أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٤٩.
(٤) زيادة من (م).
[ ٦٩ ]
فِي كَلَام لَهُ: "ما أحسَبُوا ضَيفَهُم" (١). أي: مَا أكْرَمُوهُ. قُلْتُ (٢): وَهَذَا راجِعٌ إلَى المَعْنَى الأولِ لأنهم إذَا كفَوهُ المُؤونَةَ وَأحسَبُوا القِيَامَ -عافهُ (٣) -، فَقَد أكْرَمُوهُ. وَالحَسِيبُ أيْضًا بِمَعنَى المُحَاسِبِ (٤) كقَولهم: وَزِير، وَنَدِيمٌ: بِمَغنَى مُوَازِرٍ وَمُنَادمٍ. وَمِنهُ قَوْلُ الله (٥) -سُبْحَانَهُ-: (كفَى بِنَفسِكَ اليوم عَلَيكَ حَسِيبًَا) [الإسراء/ ١٤] أيْ: مُحَاسِبًَا -والله أعْلَمُ-.
٤٢ - الجَلِيل: هُوَ مِنَ الجَلَالِ، والعظَمَةِ. وَمَعْنَاه: مُنْصَرِفٌ إلى جَلَالِ القُدرَةِ وَعِظَمِ (٦) الشأنِ فَهُوَ الجَلِيلُ الذي يَصغُرُ لُوْنَهُ كل جَلِيْلٍ، وَيَتضعُ مَعه كُلُّ رَفِيعٍ.
٤٣ - الكَرِيم: قالَ بَعْضُ أهْل اللْغَةِ: الكَريمُ .. الكَثيرُ الخير.
والعَربُ تسَمي الشىءَ النافِعَ الذِي يَدوْم نَفْعُه ويسْهُل تَنَاوُلهُ: تَكْرِيمًا (٧). وَلذَلِكَ قيلَ لِلناقَةِ الحُوار (٨): كريمة، وذلك لِغَزَارَةِ لَبَنِهَا،
_________________
(١) على حاشية (ظ): "حسبوا". وحديث سماك في النهاية لابن الأثير ١/ ٣٨٢، وفي اللسان ١/ ٣١٦ (حسب) برواية: "ما حسَّبوا ضيفهم" أي: ما أكرموه، وفي النهاية: أحسبته وحسَّبته -بالتشديد- أعطيته ما يرضيه حتى يقول: حسبي. وهذه الرواية تنسجم مع حاشية (ظ) التي صوبت اللفظة بـ "حسبوا".
(٢) في (م): "قال أبو سليمان ﵀".
(٣) كلمة: "عافه" ليست في (م) وعبارة (م): "وأحسنوا القيام".
(٤) في (م): "الحاسب".
(٥) في (م): "قوله".
(٦) في (م): "عظيم".
(٧) في (م): "كرمًا".
(٨) في (م): "الخوارة".
[ ٧٠ ]
وكثرَةِ دَرِّهَا. وَللنخْلَةِ التي لَا يُخْلِفُ حَملُهَا، وَكانَتْ مَعَ ذَلِكَ غيرَ مُرْقِلَةٍ يَصْعُبُ الرُقَى فيهَا: هَذِهِ نَخْلَة كَريمَةٌ. وَقيْلَ لِشَجَرةِ العِنَب: كَرْمَةٌ، بِمَعْنَى: كَريمَة. وَذَلِكَ لِكَثرَةِ خَيْرِها وَقُرْب جَنَاهَا. وَقَدْ يُسَمى الشىءُ الذِي لَهُ قَدْرٌ وَخَطَرٌ: كَرِيمَا، وَمِنْه قوله -سُبحَانَهُ- في قِصَّةِ سلَيمَانَ [﵇] (١) وَبَلْقِيسَ: (إني أُلقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كرِيمٌ) [النمل/٢٩]. جَاءَ في تَفْسِيرهِ: كِتَابٌ جَلِيْل، خطِيرٌ، وَقِيلَ: وَصَفته بِذَلِكَ؛ لأنه كَانَ مَخْتوْمًَا. وَقِيلَ كَانَ حَسَنَ الخَطِّ، وَقِيلَ لأنهَا وَجَدَت فِيْهِ كَلَامَا حَسَنَا. وَقَالَ بَعْضُ الأعْرَابِ، وَبَاعَ ناقَة لَهُ:
وَقَدْ تَنْزِعُ الحَاجَاتُ يَا أمَّ مَالِكٍ كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بِهن ضَنينُ
وِمِنْ كرَمِ اللهِ -سُبْحَانَهُ-[أنْ يَبْدأ بِالنعْمَةِ قَيْلَ استحْقَاقٍ، ويتَبَرعُ] (٢) بالإحْسَانِ مِنْ غير استِثابةٍ، وَيَغْفِرُ الذنبَ، وَيَعْفُو (٣) عَنِ المُسِيءِ، وَيَقُولُ الداعي فِي دُعَائِهِ. يَا كَرِيمَ العَفْوِ، فَقِيلَ: إن مِنْ كَرَمِ عَفْوِهِ، أن العَبْدَ إذَا تَابَ عَنِ السيئَةِ، مَحَاهَا عَنْهُ وَكَتَبَ لَهُ مَكَانَهَا حسَنَة.
٤٤ - الرقيب: قَالَ الزَّجَّاجُ (٤): الرَّقِيْبُ، الحَافِظُ الذي لا يَغِيْبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى (٥) -: (ما يلفظ
_________________
(١) زيادة من (م) وسقط منها كلمة: "بلقيس".
(٢) في (م): "أنه يبتدى من غير استحقاق ويبرع ".
(٣) في (م): "ويغفر".
(٤) انظر تفسير الأسماء له ص ٥١ بتحقيقنا.
(٥) في (م): "ومنه قوله سبحانه".
[ ٧١ ]
مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْد) [ق/١٨]. قَالَ الشيْخُ (١) أبو سُلَيْمَانَ، وَهُوَ فِي نُعُوتِ الآدميينَ، المُوَكَّلُ بِحِفْظِ الشيْءِ، والمَتَرَصِّدُ لَهُ، المُتَحَرِّزُ عَنِ الغَفْلَةِ فِيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَقَبْتُ الشيْءَ أرْقُبُهُ رِقْبَة.
٤٥ - المُجيْبُ (٢): هُوَ الذِي يُجيْبُ المُضطرَ إذَا دَعَاهُ، وُيغِيْثُ المَلْهُوفَ إذَا نَادَاهُ. فَقَالَ: (ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر/ ٦٠]، [و] (٣) قَالَ: (وَإذَا سَألَكَ عِبَادي عَني فَإني قَرِيْبٌ أجِيْبُ دَعْوَةَ ْالداعي إذَا دَعَاني) [البقرة/١٨٦] وَيُقَالُ: أجَابَ وَاسْتَجابَ بِمَعْنى وَاحِدٍ.
٤٦ - الوَاسِعُ: الوَاسِعُ [هو] (٤) الغَنِّي الذي وَسِعَ غِنَاهُ مَفَاقِرَ عباده وَوَسِعَ رِزْقه جَميْعَ خَلْقِهِ. والسَّعَةُ في كَلاَمِ العَرَبِ: الغِنَى.
وَيُقَالُ: اللهُ يُعْطِي عَنْ سَعَة، أيْ: عَنْ غِنَى، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشاعِرِ:
رَعَاك ضمَانُ الله يَا أُمَّ مَالكٍ وَللهُ عن يُشْقِيْكِ أغْنى وَأوْسَعُ (٥)
_________________
(١) سقطت كلمة الشيخ من (م).
(٢) من هنا تبدأ النسخة التيمورية. وجاء في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم قرأت على الشيخ أبي مسلم عمر بن علي الليثي، أخبركم الشيخ العالم أحمد القاسم بن عبد الوهاب بن محمد بن محمد بن عيسى بن الخطاب بقراءتك عليه قال: أخبرنا الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطاب قال في تفسير المجيب:
(٣) سقطت الواو من (ظ).
(٤) زيادة من (م).
(٥) البيت في أسماء الله الحسنى للزجاج ص ٥٢. ومع آخر بعده: =
[ ٧٢ ]
٤٧ - الحكيم: هُوَ المُحْكِمُ لِخَلْقِ الأشْيَاءِ. صُرِفَ عَنْ مُفْعِلٍ إلَى فَعِيْلٍ، كَقَوْلهم: ألِيْمٌ بِمَعْنى: مُؤْلم، وَسَمِيْعٌ بِمَعْنَى: مُسْمِعٍ؛ كَقَوْلهِ -جَلَّ وَعَزَّ-: (آلر، تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيْمِ) [يونس/١] وَقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) [هود/ ١]. فَدَلَّ عَلَى أن المرادَ بالحَكِيْمِ هُنَا الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، صُرف عن مُفْعَل إلَى فَعِيْلٍ. وَمَعْنَى الإحْكَامِ لِخَلْقِ الأشْيَاءِ، إِنما يَنْصَرِفُ إلَى إتْقَانِ التَّدْبِيْر فِيْها، وَحُسْن التقْدِيْرِ لَهَاْ. إذْ لَيْسَ كُل الخَلِيْقَةِ مَوْصُوْفَا بِوَثَاقَةِ البِنْيةِ، وَشِدَّةِ الأسْرِ كَالبَقَّةِ، والنمْلَةِ، وَمَا أشْبههَما مِنْ ضِعَافِ الخَلْقِ، إلا أن التدبيرَ فِيْهِمَا، والدِّلَالَةَ بهمَا عَلَى كَوْنِ الصانِع وإثبَاتِهِ، لَيسَ بِدُوْنِ الدِّلَالَةِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السمَواتِ والأرْضِ والجبَالِ وَسَائِرِ مَعَاظِمِ الخَلِيْقَةِ، وَكَذلِكَ. هَذَا في قَوْلهِ -جَلَّ وَعزَّ-: (الذي أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ) [السجدة/٧] لَم تَقَعِ (١) الإشَارَةُ بِهِ إلَى الحُسْنِ الرَّائِقِ فِي المَنْظَرِ، فَإن هَذَا المَعْنَى مَعْدُوْمٌ فِي القِرْدِ، والخِنْزيْرِ، والدُّبِّ، وَأشْكَالِهَا مِنَ الحَيَوَانِ، وإنما يَنْصَرِفُ المَعْنَى فِيْهِ
_________________
(١) = يذكرنيك الخير والشر والذي أخاف وأرجو والذي أتوقع في الحماسة بشرح المرزوقي ٣/ ١٣١٦، والتبريزي ٣/ ٢٧٠، وفي البيان والتبيين ٣/ ٣٣٠، والحيوان ٧/ ١٤٨، نسبهما لأعرابي من هذيل. ولم أجدهما في أشعارهم والبيت الشاهد يروى: يسقيك، من السقيا. ويشقيك: من الشقاء. وجاء الرواية في المرزوقي بالفاء -من الشفاء- وأظنها تصحيف لأن التبريزي نقله عنه بالسين المهملة. ويروى أيضًا: "أن، وعن يشقيك" وإبدال الهمزة عينًا لغة معروفة لبني تميم، وتسمى هذه اللغة: عنعنة تميم. قال ذو الرمة: أعن ترسمت من خرقاء منزلة ماء الصبابة من عينيك مسجوم انظر ديوانه ١/ ٣٧١، والبيت مطلع قصيده طويلة أبياتها (٨٤) بيتًا.
(٢) في (ظ): "يقع" وليست خطأ، وأثبت ما في (ت) و(م).
[ ٧٣ ]
إلى حُسنِ التدبير فِي (١) إنشَاءِ كل شَىء مِنْ خَلقِهِ على ما أحبَّ أنْ ينشِئَهُ عَلَيهِ وإبرازه عَلى الهَيئَةِ التي أرَادَ أنْ يهيِّئَهُ عَلَيها. كقَوله [تعالى] (٢): (وخَلَقَ كُل شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًَا) [الفرقان/٢].
٤٨ - الوَدوْد: هُوَ اسْم مأخُوذ مِنَ الوُد وفيه وَجْهان، أحدهمُا: أنْ يكون فعُوْلًا في محل مَفْعُولٍ. كَما قيل: رَجُل (٣) هَيُوْبٌ بمعْنى: مَهيْبٍ، وَفرَسٌ ركوبٌ بمعْنَى: مركوب -والله (٤) سبحانهُ- مودود في قُلوبِ أوليائهِ لما يتعَرَفُونهُ منْ إحسانه إليهم وكثرة عَوَائدِه عندهم، والوجه الآخَر: أنْ يَكون الوَدودُ بمعنى: الوادّ، أيْ: أنهُ يوَدُّ عباده الصالِحين بمعنى أنْ يَرْضَى عَنهُم ويتقبل أعمَالهُم، وقد يكون معناه أنْ يُوَدِّدَهُم إلى خَلقه؛ كقوله -جل وعَزَّ (٥) -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهمُ الرحمنُ وُدًَّا) [مريم/٩٦].
٤٩ - المجيد: المجيد [هو] (٦) الوَاسع الكرم، وأصل المجد في كَلامهمْ: السَّعَةُ. يُقالُ: رَجُل مَاجِدٌ إذا كان سخِيًَّا واسِعَ العَطَاء، وفي بعْضِ الأمْثالِ: "في كلِّ شجر نارٌ واستَمْجدَ المَرْخُ
_________________
(١) في (ت): "من" بدل "في".
(٢) زيادة من (ت) وفي (م): "جلّ وعزّ".
(٣) سقطت كلمة "رجل" من (ت).
(٤) في (م): "فالله".
(٥) في (م): "جل وعلا".
(٦) زيادة من (م).
[ ٧٤ ]
والعَفَارُ" (١) أيْ: استَكْثرَا مِنهَا. وَقيلَ (٢) فِي تفسير قوْلهِ -[جل وعز] (٣) -: (ق، وَالقُرآنِ المَجِيدِ) [ق/ ١] إن مَعْنَاهُ: الكَرِيمُ، وَقيلَ: الشرِيفُ.
٥٠ - البَاعِث: هُوَ الذي يَبْعَثُ الخَلْقَ بَعْدَ المَوتِ، أيْ: يحييهِم فَيَحْشُرُهُم لِلحِسَابِ لِيَجْزِيَ (٤) الذين أسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَيَجْزيَ الذين أحْسَنوا بِالحُسنَى. وَيُقالُ: هُوَ الذي يَبْعَثُ عِبَاده عِنْدَ السَّقطَةِ وَيَنعَشُهُم بَعْدَ الصَّرْعَةِ.
٥١ - الشهِيْدُ: هُوَ الذي لَا يَغِيْبُ عَنْهُ شيءٌ. يُقَالُ: شَاهِدٌ وَشهيدٌ كعَاِلم، وَعَلِيم. أي: كأنهُ الحَاضِرُ الشاهِدُ الذِي لَا يعْزبُ عَنْه شَيءٌ. وَقَدْ قَالَ -سُبحَانَهُ (٥) -: (فَمَنْ شَهِدَ منكُم الشهْرَ
_________________
(١) المثل في غريب الحديث للخطابي ٢/ ١٤٧، وجمهرة الأمثال ٢/ ٩٢، والتلخيص ١/ ٤٨٢، وكتاب الأمثال لأبي عبيد ص ٣٦١، وفصل المقال ص ٢٠٢، ومجمع الأمثال ٢/ ٧٤، والمستقصى ٢/ ١٨٣، وفي اللسان (مرخ- عفر)، قال الأزهري: وقد رأيتها في البادية، والعرب تضرب بهما المثل في الشرف العالي. اهـ منه. قال الزمخشري في المستقصى: هما شجرتان من أسرع الشجر خروج نار. وفي الميداني استمجد المرخ والعفار، أي: استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما. شُبِّها بمن يكثر العطاء طلبًا للمجد. قال أبو زياد: ليس في الشجر كله أورى زنادًا من المَرْخ، قال: وربما كان المرْخ مجتمعًا ملتفًا، وهبت الريح فحك بعضه بعضًا فأورى فاحترق الوادي كله والزند الأعلى يكون من العفار، والأسفل من المرخ. انظر تفسير الأسماء للزجاج ص ٥٣.
(٢) سقطت كلمة: "قيل" من (ت).
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (ظ): "فيجزي".
(٥) في (م): "تعالى".
[ ٧٥ ]
فَلْيَصُمْهُ) [البقرة/١٨٥]. أيْ: مَنْ حَضر مِنْكُم فِي الشهْرِ [فليصمه] (١)، وَيكُونُ الشهِيْدُ، بِمَعْنَى: العَلِيْم. كَقُولهِ: (شَهِدَ الله أنهُ لَا إلهَ إلا هُو) [آل عمران/١٨] قيْلَ: مَعْنَاهُ: عَلِمَ اللهُ. وَقَالَ أبو العباسِ أحْمدُ بْن يحْيىَ مَعْنَاهُ: بَيَّن الله أنهُ لا إلهَ إلا هُو، وَهوَ أيْضًُا الشاهِدُ للمظلوم الذِي لَا شَاهِدَ لَهُ وَلَا نَاصِرَ عَلَى الظاِلم المتعَدِّيْ الذي لَا مَانِعَ لَهُ في الدُّنْيَا؛ لِيَنْتَصِفَ (٢) لَهُ مِنْهُ.
٥٢ - الحَق: هُوَ المُتَحَقِّقُ كَوْنُهُ وَوُجُوْدُهُ وكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وجُودُهُ وَكوْنُهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ (٣) -: (الحآقةُ. مَا الحآقةُ) [الحاقة/ ١ - ٢] مَعْنَاهُ: -والله أعلم- الكَائِنَةُ حَقًَّا لَا شَكَّ في كَوْنِهَا، وَلَا مَدْفَعَ لِوُقُوعِهَا، وَيُقالُ: الجَنةُ حَقٌّ والنارُ حَقٌّ والسَّاعَة حَق. يُرَادُ ان هَذِهِ الأشْيَاءَ كَائِنَة لَا مَحَالَةَ. والعَرَبُ تَقُولُ: [إن] (٤) فُلَانًَا الرجُلُ حَق الرجُلِ. والشجَاعُ حَق الشُّجَاعِ، وحاقَّ الشجَاعِ، وَحَاقَّةَ الشجَاعِ، إذَا أثْبَتُوا لَهُ الشجَاعَةَ وَحَقِيقَتَهَا، وَقَدْ تَكونُ الحَق أيْضًَا بِمَعْنَىْ الوَاجِبِ؛ كَقَولِ أبِي محمد الأنْصَارِي: "إن الوِتْرَ حَقٌّ" (٥). فَقَالَ عُبَادةُ بنُ الصَّامِتِ: كَذَبَ أبو محمد،
_________________
(١) زيادة من (ت).
(٢) في (م): "لينتصفه".
(٣) في (ت): "تعالى".
(٤) زيادة من (م).
(٥) الحديث في أبي داود ٢/ ١٢٩، قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال ٣/ ١٦٤٤ - من مصورة دار المأمون للتراث-: أبو محمد الأنصاري المذكور في حديث المخدجي عن عبادة بن الصامت في حديث الوتر: اسمه مسعود بن زيد بن سبيع من بني النجار، قاله أبو سليمان الخطابي. وقيل اسمه قيس بن =
[ ٧٦ ]
يُرِيْدُ (١): أن الوتْرَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِن الأوْلَ في شَيْءٍ.
٥٣ - الوَكيْلُ: قَالَ الفَرَّاءُ: الوَكِيْلُ: الكَافي، وَيُقَالُ مَعْنَاهُ: أنَّهُ الكَفِيلُ (٢) بِأرْزَاقِ العِبَادِ، والقَائِمُ عَلَيْهِم بِمَصَالِحَهِمْ، وَحَقِيْقَتُهُ أنهُ الذي يَسْتَقِل بِالأمْرِ المَوكُوْلِ إلَيْهِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ المُسْلِمِيْنَ: (حَسْبُنَا اللهَ ونعْمَ الوَكِيلُ) [آل عمران/١٧٣] أيْ: نِعْمَ الكَفِيْلُ بِأمُوْرِنَا وَالقَائِمُ بِهَا.
٥٤ - القَوِي: القَوِيُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى القَادرِ. وَمَنْ قَوِيَ عَلَى شَيْءٍ فقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وًيكُوْنُ مَعْنَاهُ: التام القُوةِ الذي لَا يَسْتوْليْ عَلَيهِ العَجْز فِي حَالٍ مِن الأحْوَالِ. وَالمَخْلُوْقُ وإنْ وُصِفَ بِالقُوةِ فَإن قُوته مُتَنَاهِيَة. وعَنْ بَعْضِ الأمُورِ قَاصِرَة.
٥٥ - المَتِين: وَالمَتِين: الشدِيْدُ القَوي (٣) الذي لَا تَنْقَطِعُ قُوتُهُ، وَلاَ تَلْحَقُهُ في أفْعَالِهِ مَشَقة وَلَا يَمَسه لُغُوبٌ. وَقَد رَوَاهُ (٤) بَعْضُهُمْ:
_________________
(١) = عباية بن عبيد بن الحارث الخولاني، حليف بني حارثة بن الحارث بن الأوس، وقيل غير ذلك. سكن الشام بدمشق، وقيل بداريا، يقال: إنه ممن شهد بدرًا، ومات بالمغرب. وفي الإصابة ٩/ ١٨٤، ١٨٧ ترجمة وافية له، وفيها: هو أبو محمد الذي زعم أن الوتر واجب، فكذبه عبادة في وجوب الوتر. أما حديث: "الوتر حق" فهو عند أبي داود ٢/ ١٢٩ من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، وعند النسائي ٣/ ٢٣٩، وابن ماجه برقم (١١٩٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(٢) كلمة: "يريد" ليست في (م).
(٣) في (ظ): "الوكيل".
(٤) في (ت): "القوة".
(٥) في (ت): "روى".
[ ٧٧ ]
المبين مَكَانَ المَتين. وَمَعْنَاهُ: البَيِّن (١) أمْرُهُ فِي الوَحْدَانِيةِ، وأنه لَا شَرِيكَ لَه، يُقَالُ: بانَ الشيْءُ وَأبَانَ، وَبين، واسْتَبَانَ. بمَعْنَىً وَاحِدٍ، والمَحفوظ هُوَ الأولُ؛ كقَوْلهِ -جَلَّ وَعَزَّ (٢) -: (إن الله هَوَ الرزاق ذوْ القوةِ المُتينُ) [الذاريات/٥٨].
٥٦ - الوَلي: هُوَ الناصِرُ. يَنْصُرُ عِبَادهَ المُؤْمِنينَ.
كقوْلهِ -سبْحَانَه-: (الله وَلِي الذِيْن آمَنوا يخرجهم مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النور) [البقرة/٢٥٧]، وَكقَوْلهِ [تعالى] (٣): (ذلِكَ بِأن الله مَوْلَى الذينَ آمَنوا، وَأن الكَافِرِيْنَ لاَ مَوْلَى لهمْ) [محمد/١١] المَعْنىَ (٤): لَا نَاصِرَ لهم. -والله أعْلَمُ-. والوَلِي (٥) أيضًَا المتوَلي لِلأمْرِ والقَائِم بِهِ.
كَوَلِيِّ اليَتيْمِ، وَوَلي المَرأةِ فِي عَقْدِ النكَاحِ عَلَيْهَا، وَأصْلُهُ مِنَ الوَلْي؛ وَهوَ القُرْبُ.
٥٧ - الحَمِيدُ: هو (٦) المَحْمُود الذِي اسْتَحَق الحَمْدَ بِفَعَالِهِ، وَهوَ فَعِيْل بِمَعْنَى مَفْعولٍ، وَهوَ الذِي يُحمَدُ في السَّراء (٧) والضَّرَّاءِ، وَفي الشِّدةَ والرَّخَاءِ، لأنه حَكِيْم لَا يَجْرِي (٨) في أفْعَالِهِ الغَلَط، وَلاَ يعترِضُهُ الخطأ؛ فهو محمودٌ عَلى كل حَالٍ.
_________________
(١) في (ت): "المبين".
(٢) سقطت: "جل وعز" من (ت).
(٣) زيادة من (ت) وفي (م): "كقولك" وهو خطأ واضح.
(٤) في (ت): "أي" بدل "المعنى".
(٥) في (ظ): "وللولي" وما أثبته من (ت) و(م).
(٦) سقطت: "هو" من (ت).
(٧) في (ظ): "السراة".
(٨) في (ظ): "لا يرى" و"ولا تعترضه".
[ ٧٨ ]
٥٨ - المُحْصِي: هوَ الذي أحْصَى كل شَيْءٍ بِعِلْمِهِ؛ فَلَا يَفُوته مِنْهَا دقِيْقٌ وَلَا يُعْجِزة جَلِيْلٌ، وَلَا يُشْغِلُهُ شَيْءٌ مِنهَا عَما سِوَاهُ.
أحْصَى حَرَكَاتِ الخَلقِ، وَأنفَاسَهم ومَا عَمِلوه مِنْ حَسَنَةٍ، واجْترَحُوْهُ مِنْ سَيئةٍ. كقَوْلهِ [تعالى] (١): (مَا لِهَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادر صَغِيْرَةً وَلَا كَبيْرَة إلا أحْصَاهَا) [الكهف/٤٩]. وَقَالَ -[﷿] (٢) -: (أَحْصَاهُ الله، وَنَسَوْهُ) [المجادلة/ ٦].
٥٩ - ٦٠ - المبدي المُعِيْدُ: المبدِيء الذِي أبْدَأ الأشْيَاءَ، أيْ: ابتَدَأهَا مختَرِعًَا فَأوْجَدَهَا (٣) عَنْ عَدَمٍ. يقال: بَدَأ وَأبدأ (٤)؛ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
والمعيد: [هو] (٥) الذي يُعِيْدُ الخلْقَ بَعْدَ الحَيَاةِ إلَى المَمَاتِ ثم يعيدهم بَعْدَ المَوتِ إلَى الحَيَاة كَقَوْلهِ: (وَكُنتمْ أمْوَاتًَا فَأحياكمْ ثم يُميتكُم ثم يُحيِيْكمْ ثُم إلَيه تُرجَعُونَ) [البقرة/٢٨]، وَكَقَوْلهِ [تعالى] (٦): (إنه هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيْدُ) (٧) [البروج/١٣].
٦١ - ٦٢ - المُحْيي المميت: المُحْيِيْ (٨) هو الذِي يُحيي النُّطْفةَ الميِّتَةَ
_________________
(١) زيادة من (ت) وفي (م): "سبحانه".
(٢) زيادة من (ت) وفي (م): "تعالى".
(٣) في (م): "بأن وجدها" وهذا تحريف.
(٤) في (م): "ابتدأ".
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (م).
(٧) في (ظ): "وهو يبديء ويعيد".
(٨) "المحيي" ليست في (ت).
[ ٧٩ ]
فَيُخْرج مِنْها النسَمَةَ الحَيةَ وَيُحْيي الأجْسَامَ البَالِيَةَ بِإعَادة الأرْوَاح إلَيهَا عِنْدَ البَعْثِ وَيُحْيي القُلُوبَ بِنُوْرِ المَعْرِفَةِ، وَيُحْيي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِإنْزَالِ (١) الغَيْثِ، وإنْبَاتِ الرزْقِ.
[و] (٢) المُمِيْتُ: هُوَ الذِي يميت الأحْيَاءَ وُيوْهِن بِالمَوْت قوةَ الأصِحاءِ الأقْوَياءِ (يُحيِي وَيميْتُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْر) [الحديد/٢]. تَمَدّحَ سُبْحَانَهُ بِالإمَاتَةِ كَمَا تَمَدَّحَ بِالإحْيَاءِ لِيُعْلَمَ أن مَصْدَرَ الخَيْر وَالشرِ وَالنفْعِ وَالضر مِنْ قِبَلِهِ وَأنه لَا شَريكَ لَهُ في الملكِ اسْتَأثَرَ بِالبَقَاءِ وَكَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الفَنَاءَ.
٦٣ - الحَيُّ: [و] (٣) الحي مِنْ صِفَةِ الله -تَعَالَى (٤) - هو الذِي لم يَزَلْ مَوْجوْدًَا، وَبالحَيَاةِ مَوْصوْفًَا، لم تحْدث لَهُ الحَيَاة بَعْدَ مَوْتٍ، وَلَا يَعْتَرِضه المَوت بَعْدَ الحَيَاةِ. وسَائر الأحْيَاءِ يَعْتَوِرهمْ المَوْت أو العَدَمُ فِي (٥) أحَدِ طَرَفَيْ الحَيَاةِ (٦) أو فِيْهِمَا مَعًَا (٧) و(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكَ إلا وَجهَهُ) [القصص/ ٨٨].
٦٤ - القَيومُ: هو القَاِئم الدَّائِم بِلا زَوَالٍ، وَوَزْنهُ (٨)،
_________________
(١) في (م): "بأنزل" وهو سهو من الناسخ.
(٢) الواو زيادة من (ت).
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (ت): "سبحانه" وفي (م): "﷾".
(٥) في (ت): "من".
(٦) في (ظ) رسم كلمة: "الحيو" زيادة بعد كلمة "الحياة".
(٧) سقطت كلمة: "معًا" من (م).
(٨) في (م): "وزنه".
[ ٨٠ ]
فَيْعُولٌ. مِن القِيَامِ وَهُوَ نَعْتُ المُبَالَغَةِ فِي (١) القِيَام عَلَى الشىءِ وَيُقَالُ: هُوَ القَيِّمُ عَلَى كُل (٢) شَيْء بِالرعَايَةِ لَهُ [و] (٣) يُقَالُ قُمْتُ بِالشىءِ (٤) إذَا وَليْتَهُ بِالرِّعَايَةِ وَالمَصْلَحَةِ.
٦٥ - الوَاجِدُ: هُوَ الغَني الذِي لَا يَفْتَقِرُ، والوُجْدُ وَالجِدَةُ: الغِنَى، يُقَالُ: رَجُلٌ وَاجِدٌ؛ أي: غَنيٌّ وَمِنْهُ:
[٣١] قَوْلُ النبِي - ﷺ -: "ليُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ" يُرِيْدُ: مَطْلُ الغَني ظُلم. وَيَكُوْنُ الوَاجِدُ أيْضًَا مِنَ الوُجُود، وَهُوَ الذي لَا يَؤوده طَلَبٌ وَلَا يَحُوْلُ بَيْنَهُ وبْينَ المَطْلُوبِ هَرَب. فَالخَلْقُ كُلُّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ (٥) يَتَقَلَّبُونَ وَعَلى مَشِيْئَتِهِ يَتَصَرَّفُوْنَ.
_________________
(١) أخرج البخاري تعليقًا في كتاب الاستقراض ٥/ ٦٢ بشرح الفتح، وأبو داود برقم ٣٦٢٨، والنسائي ٧/ ٣١٦، وابن ماجه برقم ٢٤٢٧، والإمام أحمد ٤/ ٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩ متصلًا من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه بلفظ: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" قال ابن حجر في الفتح: وقع في الرافعي في المتن المرفوع: "لي الواجد ظلم". وهذه الرواية تنسجم مع رواية الخطابي هنا -﵀-. ومثل هذا الحديث في المعنى ما أخرجه البخاري في الفتح برقم ٢٢٨٧ و٢٢٨٨ و٢٤٠٠، من حديث أبي هريرة: "مطْلُ الغني ظلم ".
(٢) سقطت: "في" من (ت).
(٣) سقطت: "كلي" من (م).
(٤) الواو زيادة من (م).
(٥) في (م): "على الشىء".
(٦) في (ظ): "قضيته" وهو سهو وما أثبته من (ت) و(م).
[ ٨١ ]
٦٦ - المَاجِدُ: [و] (١) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسير "المَجِيْدِ" وَبَيَّنَّا مَعْنَى المَجدِ واشْتِقَاقَهُ وَأن أصْلَهُ فٍى الكَلَامِ: السَّعَةُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُوْنَ إنمَا أُعِيْدَ هَذَا (٢) الِاسْمُ ثَانِيًا، وَخُوْلفَ بَيْنَهُ في البِنَاءِ وَبينَ المَجِيْدِ؛ لِيُؤكَّدَ (٣) بِهِ مَعْنَى الوَاجدِ الذي هُوَ الغني، فيدلُّ بِهِ عَلَى السَّعَةِ والكَثرَةِ في الوُجْدِ، وَليَأَتَلِفَ الاسْمَانِ (٤) أيْضًَا ويتَقَارَبَا في اللَّفْظِ؛ فإنهُ قَدْ جَرَتْ عَادةُ العَرَبِ بِاسْتِحْسَانِ هَذَا النَمَطِ مِنَ الكلَامِ وَهُوَ مِنْ بَابِ مُظَاهَرَةِ البَيَانِ.
٦٧ - الوَاحِد (٥): هُوَ الفَرْدُ الذِي لم يَزَلْ وَحْدَهُ؛ [و] (٦) لم يَكنْ مَعَهُ آخَرُ. وَقيْلَ هُوَ المُنقَطِعُ القَرِيْنِ، المَعْدُوْمُ الشرِيْكِ، والنظير، وَلَيْسَ كَسَائِرِ الآحَادِ مِنَ الأجْسام المُؤلَّفَةِ؛ إذْ كل شَيْءٍ سِوَاهُ يُدَعْى وَاحِدًَا فَهوَ وَاحِدٌ مِنْ جِهَةٍ غير وَاحِدٍ مِنْ جِهَاتٍ.
وَالله -سُبْحَانَهَ- الوَاحِدُ الذِي لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ، وَالوَاحِدُ لَا يُثَنَّى مِنْ لَفْظِهِ وَلَا يُقَال وَاحِدَانِ (٧).
٦٨ - الأحَدُ: قَالَ النَحْوِيُّوْنَ: أصْلُهُ فِي الكَلاَمِ: الوَحَدُ
_________________
(١) الواو زيادة من (ت).
(٢) في (م): "هذه".
(٣) في (م): "ليذكر".
(٤) في (ت): "اسمان" بدون "أل" التعريف.
(٥) قال الزجاج في تفسير الأسماء ص ٥٧: "وفائدة هذه اللفظة في الله -عزّ اسمه- إنما هي تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها أحد. والله -تعالى- هو الواحد في الحقيقة ومن سواه من الخلق آحاد تركبت.
(٦) زيادة من (م).
(٧) في (م): "وحدان".
[ ٨٢ ]
[و] (١) يُقالُ: وَحُدَ الشيءُ يَوْحَدُ فَهُوَ وَحَدٌ. كَمَا يُقَالُ: حَسُنَ [الشيءُ] (٢) يَحْسُنُ فَهُوَ حَسَن. ثُم أبْدَلُوا عَنِ الوَاوِ الهَمزَةَ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الوَاحِدِ، وَالأحَدِ [أن الواحد] (٣) هُوَ المُنْفَرِدُ [بالذَّاتِ لا يضامُّهُ آخر، والأحد: هو المنفرد] (٣) بِالمَغنَى لَا يُشَارِكُهُ فِيْهِ أحَدٌ (٤) ولذَلِكَ قيل لِلْمُتَنَاهِي فِي العلْمِ والمَعرِفَةِ هُوَ أحَدُ الأحَدَينِ. وَمما يَفْتَرِقانِ بِهِ فِي مَعَانِي الكلَام: أن الوَاحِدَ فِي جِنْس المعْدُوْدِ، وَقَدْ يُفْتَتَحُ بِهِ العَدَدُ. والأحَدُ يَنقَطِعُ مَعَهُ العَدَدُ.
وإنَّ الأحَدَ يَصلُحُ فِي الكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الجُحُودِ. وَالوَاحِدُ فِي مَوْضِع الإثبَاتِ. تَقُوْلُ: لَمْ يَأتِني مِنَ القَوْمِ أحَدٌ. وجَاءَنِي مِنْهُم وَاحِدٌ. وَلَا يُقَال: جَاءني مِنْهم أحَدٌ.
فَأما الوَحِيْد فَإنما يُوصَفُ بِهِ، في غَالِبِ العُرْفِ، المنفَرِدُ عَنْ أصْحَابِهِ (٥)، المنقطِعُ عَنْهُم [(٦) وإطلَاقُهُ فِي صِفَةِ الله -سُبْحَانَهُ- لَيسَ بالبيِّن عِندي (٧) صَوابُهُ. وَلَا أستَحْسِنُ التسْميةَ بِعَبدِ الوَحِيْدِ كَمَا أسْتَحْسِنُهَا بِعَبْدِ الوَاحِدِ، وَبعَبْدِ الأحَدِ. وَأرَى كَثِيرًَا مِنَ العَامةِ قَد
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) زيادة من (م).
(٣) سقط ما بين المعقوفين من (ظ) في المكانين.
(٤) قال الزجاج في تفسير الأسماء ص ٥٩: "وقال بعض أصحاب المعاني: الفرق بين الواحد والأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات، والأحد: يفيده بالذات والمعاني".
(٥) في (ظ): "أنجابه".
(٦) من هنا بداية سقط من النسخة المغربية ينتهي عند شرح: "المقدم والمؤخر".
(٧) في (ظ): "عند" وصوابه من (ت).
[ ٨٣ ]
تَسَمَّوْا بِهِ. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ اللهِ -عَزوجل (١) -: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيْدَا) [المدثر/١١] وَادَّعَى أنهُ مِنْ صِفَةِ الله -جل وعز (٢) - قِيْل: بَلْ هُوَ مِن صِفَةِ المَخْلُوقِ. والآيَة إنما نزلت (٣) في الوَليْدِ بنْ المُغِيْرَةِ المَخْزُومِي، وَالمَعْنَى: ذَرْني وَمَنْ خَلَقتُهُ وَحِيْدَا فَرْدًا فقِيْرَا، لا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُم جَعَلْتُ لهُ مَالا مَمدُوْدًَا وَبَنِيْن شُهُودَا وَقدْ رُوِيَ أن الوَليْدَ كَانَ يسمَّى الوَحِيْدَ في قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُهُ وَحْدِيْ. أيْ (٤): فَإني أتَوَلى عَذَابَهُ يَوْمَ القِيامة وحْدِي كَمَا تَفَرّدْتُ بخَلْقِيْ إياهُ وَحْدِيْ. وَالأوّلُ: أصْوَبُ القَوْلَيْن -والله أعلم- قَالَ أبو سُلَيْمَانَ [﵀] (٥) وَقَدْ يَقَع الغَلَطُ كَثِيْرًَا في بَاب التسْمِيَةِ. وَأعْرِفُ رَجُلا مِنَ الفُقَهَاءِ كَانَ سَمى وَلَدَهُ: عَبْدَ المُطلِبَ. فَهو يُدْعَى بِهِ إلَى اليَوْمِ، وذلك أنهُ سَمِعَ بِعَبْدِ المُطلِب، جَدِّ رَسُولِ الله - ﷺ - فَجَرَى في التسْمِيَةِ بِهِ (٦) عَلَى التقْلِيْدِ وَلَمَ يَشْعُرْ أن جَدَّ رَسُولِ الله - ﷺ - إنمَا دُعيَ بِهِ لأن هَاشِمًَا أبَاهُ كَان تَزَوجَ أُمَّهُ بالمَدِيْنَةِ، وَهِيَ امْرَاة مِن بَني النَّجَّار، فَوَلَدَتْ لَهُ هَذَا الغُلامَ، وَسَمَّاهُ شَيْبَةَ. وَمَاتَ عَنْهُ وَهُوَ طَفْل فَخَرَجَ عَمه المُطلِب بن عَبْدِ مَنَافٍ أخُو هَاشم فِي طَلَبِهِ إلَى المَدِيْنَةِ فَحَمَلَهُ إلَى مَكةَ فَدَخَلَهَا، وَقَدْ أرْدَفَهُ خَلْفَهُ، فَقِيْلَ لَهُ: مَنْ هَذَا الغُلامُ؟
_________________
(١) في (ت): "بقوله سبحانه".
(٢) في (ت): "تعالى".
(٣) في (ت): "أنزلت".
(٤) سقطت: "أي" من (ت).
(٥) زيادة من (ت).
(٦) سقطت لفظه: "به" من (ت).
[ ٨٤ ]
فَقَالَ: هَذَا عَبْدِي، وَذَلِكَ لأنهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَسَاهُ، وَلَا نَظَّفَهُ، فَيَزُوْلَ عَنْهُ شَعَثُ السَّفَرِ؛ فَاسْتَحْيَا أنْ يَقُوْلَ: ابْنُ أخِي. فَدُعِي بِعَبْدِ الُمطلِبِ بَاقِي عُمْرِهِ. عَلَى أنهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَذَاهِبِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا، فَقَدْ تَسَمَّوْا: بِعَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدِ الدَّارِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الأسَامِي.
٦٩ - الصَّمَدُ: هو السَّيِّدُ، الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ (١) في الأمُوْرِ، وَيُقْصَدُ فِي الحَوَائِجِ والنوَازِلِ، وَأصْلُ الصَّمْدِ: القَصدُ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: اِصْمِد صَمْدَ فُلَان. أيْ: اِقْصِدْ قصْدَهُ، وَجَاءَ فِي التفْسير: أن الصَّمَدَ [الذي قَدِ انْتَهَى سُؤدَدُهُ. وَقيْلَ: الصَّمَدُ] (٢): الدَائِمُ.
وَقِيْلَ: البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الخلق. وَأصَحُّ هذِهِ الوُجُوْهِ مَا شَهِدَ لَهُ مَعْنَى الاشْتِقَاقِ. والله أعْلَمُ (٣).
٧٠ - القَادِرُ: هُوَ من القُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ. يُقَالُ: قَدَرَ يَقْدِرُ قُدْرَةً فَهُو قَادِرٌ وَقَدِيْرٌ، كَقَوْلهِ [تَعَالى]: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْء قَدِيرًا) [الأحزاب/٢٧] وَوَصَفَ الله نَفْسَهُ بِأنهُ قَادر عَلَى كُل شَيْء، أرَاده: لَا يَعْتَرِضهُ عَجْزٌ وَلَا فُتوْرٌ، وَقَدْ يَكُوْنُ القَادرُ بِمَعْنَى المُقَدِّرِ لِلشيْءِ، يُقَال: قَدرْت الشيْءَ وقَدَرْتُه بِمَعْنَى وَاحِد كَقَوْلهِ: (فقَدَرْنا فَنِعْمَ القَادروْنَ) [المرسلات/٢٣] أيْ: نِعْم المُقَدِّرُوْنَ. وَعَلَى هَذَا يتَأوَّلُ قَوْلُه -سبْحَانَه-: (فَظَن أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء/٨٧] أيْ: لَنْ نقَدِّرَ عَلَيْهِ الخَطِيئَةَ (٤) أو العُقُوبة إذْ لَا يَجُهْزُ عَلَى نَبِي اللهِ
_________________
(١) سقطت كلمة: "إليه" من (ت).
(٢) جاء ما بين المعقوفين في (ت) في آخر شرح المادة.
(٣) لم تذكر عبارة: "والله أعلم" في (ت).
(٤) في (ظ): "الخطيَّة" وهي صحيحة. وآثرت أن أثبت ما في (ت) لمشاكلة الرسم =
[ ٨٥ ]
أنْ يَظُن عَدَمَ قُدْرَةِ الله -جل وعز- عَلَيْهِ فٍى حَالٍ مِنَ الأحْوالِ.
٧١ - المُقْتَدرُ: هُوَ التامُّ القُدْرَةِ الذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شيْءٌ وَلَا يَحْتَجِزُ عَنْهُ بِمَنَعَةٍ وَقُوة، وَوزْنُهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ القُدْرَةِ إلا أن الاقْتِدَار أبْلَغُ وَاعَم لأنهُ يَقْتَضِيْ الإطْلاَقَ. وَالقُدْرَةُ قَدْ يَدْخُلُهَا نَوْعٌ مِنَ التضْمِيْن بالمَقْدُوْرِ عَلَيْهِ، قَالَ الله- سُبْحَانَهُ (١) -: (عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر/٥٥] أيْ: قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ.
٧٢ - ٧٣ - [٣٢] المُقَدِّمُ المؤخِّرُ: هُوَ المُنْزِلُ الأشْيَاءَ مَنَازِلَهَا يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا وُيؤَخرُ مَا شَاء] (٢)، قَدَّمَ المَقَادِيْرَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ وَقَدَّمَ مَنْ أحَبَّ مِنْ أوْليَائِهِ عَلَى غَيْرِهِم مِنْ عَبِيْدِهِ وَرَفَع الخَلْقَ بَعْضَهُمْ
_________________
(١) أخرج البخاري في الفتح برقم ١١٢٠ تهجد، و٦٣١٧ و٦٣٩٨ دعوات، ومسلم برقم ٧٧١ مسافرين وبرقم ٢٧١٩ ذكر، والحاكم ١/ ٥١١ من حديث أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدِّي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير" وعند ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٦٦ من حديث علي، من قوله: "اللهم اغفر لي ما " ونهاية الحديث: "لا إله إلا أنت" بدل "وأنت على كل شيء قدير". = الحديث. وجاء بعدها في (ظ) أيضًا ما رسمه: "أو متر العقوبة". وليست في (ت) ولم أهتد لمعناها.
(٢) في (ت): "تعالى".
(٣) هنا نهاية سقط النسخة المغربية الذي أشرت إليه ص ٨٣ وفيها: "قدر المقادير" بدل: "قدم ".
[ ٨٦ ]
فَوْقَ بَعْضٍ درَجَاتٍ وَقَدَّمَ مَنْ شَاءَ بالتوْفيْقِ إلَى مَقَامَاتِ (١) السابِقينَ، وَأخَّرَ مَنْ شَاءَ عنْ مَرَاتِبِهِمْ، وَثَبَّطَهُمْ عَنْهَا، وَأخَّرَ الشَيْءَ عَنْ (٢) حين تَوَقُّعِهِ لِعِلْمِهِ بِمَا في عَوَاقِبِهِ مِنَ الحِكْمَةِ لَا مُقَدمَ لِمَا أخرَ وَلاَ مُؤَخَرَ لِمَا قَدَّمَ.
وَالجَمْعُ بينَ هَذَيْنِ الاسْمين أحْسَنُ مِنَ التَّفْرِقَةِ كَمَا قُلْنَاهُ في بَعْضِ مَا تَقَدمَ مِنَ الأسْمَاءِ.
٧٤ - الأولُ: هُوَ السَّابِقُ لِلأشْيَاءِ كُلِّها، الكَائِنُ [الذي] (٣) لَمْ يَزَلْ قَبْلَ وُجُودِ الخَلْقِ فَاسْتَحَق الأوّليَّةَ إذْ كَانَ مَوْجُوْدًَا وَلَا شيْءَ قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ وَكَانَ رَسُوْلُ الله - ﷺ - يَقُوْلُ فِي دُعَائِهِ:
[٣٣] "أنْتَ الأولُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأنْتَ الآخِرُ فَلِيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ".
_________________
(١) قطعة من حديث: أخرجه مسلم برقم ٢٧١٣ ذكر، وأبو داود برقم ٥٠٥١ أدب، والترمذي دعوات برقم ٣٤٠٠، وابن ماجه برقم ٣٨٣١ و٣٨٧٣، والحاكم ١/ ٥٢٤، ٥٤٦، وابن السني ص ٢٦١، ٢٧١ في عمل اليوم والليلة. من حديث أبي هريرة وعاثشة ﵄. والحديث بتمامه كما في مسلم: من حديث سهيل. قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أرادَ أحدُنا أن ينام، أن يضطجع على شقِّه الأيمن. ثم يقول: "اللهمَّ ربَّ السماوات وربَّ الأرض وربَّ العرش العظيم. ربنا وربَّ كل شيءٍ. فالقَ الحَب والنّوى. ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شرِّ كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللهمّ أنت الأول فليس قبلك شيء، =
(٢) في (م): "مقام".
(٣) في (م): "على".
(٤) زيادة من (م).
[ ٨٧ ]
٧٥ - الآخِرُ: هُوَ البَاقِيْ بَعْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الآخِرِ مَا لَهُ الانْتِهاءُ. كَما لَيْسَ مَعْنَى الأولِ مَا لَهُ الِابْتِداءُ؛ فَهُوَ الأولُ وَالآخِرُ (١) وَلَيْسَ لِكَوْنهِ أوَّلٌ وَلَا آخِرٌ.
٧٦ - الظَّاهِرُ: هُوَ الظَّاهِرُ بِحُججِهِ البَاهِرةِ، وَبَرَاهِيْنِهِ (٢) النَّيِّرَةِ وَبِشوَاهِدِ أعْلَامِهِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِ رُبُوِبيَّتِهِ، وَصِحَّةِ وَحْدَانيتِهِ وَيَكونُ الظَّاهِرُ فَوْقَ كُل شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، وَقَدْ يَكُوْنُ الظهُوْرُ بمَعْنَى العُلُوِّ، وَيَكُوْنُ بِمَعْنَى الغَلَبَةِ.
[٣٤] وَكَانَ - ﷺ - يَقُوْلُ في دُعَائِهِ: "أنْتَ (٣) الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأنتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دونكَ شَيْءٌ".
٧٧ - البَاطِنُ: هُوَ المُحْتَجِبُ عَنْ أبصَارِ الخَلْقِ، وَهُوَ الذِي لَا يَسْتَوْلِيْ عَلَيْهِ تَوَهُّمُ الكَيْفِيَّةِ، وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَى الظُّهُورِ وَالبُطُوْنِ احْتِجَابُهُ عَنْ أبْصَارِ الناظِريْنَ، وَتَجَلِّيه لِبَصَائِرِ المُتَفَكرِيْنَ. ويكونُ مَعْنَاهُ: العَاِلمُ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الأمُوْرِ وَالمُطَّلِعُ عَلَى مَا بَطَنَ مِنَ الغُيُوْبِ.
_________________
(١) = وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقضِ عنَّا الدين وأغننا من الفقر" وكان يروي ذلك عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وعند ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٣٩٦٢، ٩٣٩٤ من حديث أبي هريرة وفاطمة بنت النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قال الحديث. إلا أن رواية ابن أبي شيبة: " من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ".
(٢) سبق تخريجه برقم (٣٣).
(٣) في (م): "الأرض" بدل "الآخر" وهو سهو واضح من الناسخ.
(٤) في (م): "بارهينه" وهو خطأ واضح.
(٥) سقطت "أنت" من (م).
[ ٨٨ ]
٧٨ - الوالي (١): هُوَ المَالِكُ لِلأشْيَاءِ، وَالمتولي لَهَا، والمُتَصَرِّفَةُ (٢) مَشِيْئتهُ فِيْهَا، يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ، يَنْفُذُ فِيْها أمْرُهُ، وَيَجْرِيْ عَلَيْهَا حُكمُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الوَالِي بِمَعْنَى المُنْعِمِ، عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، وَمِنْ هَذَا (٣) قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ (٤):
لِني وَليَة تُمْرِعْ جَنَابيْ فَإنني لِوَسْميِّ مَا أوْلَيْتَني منك شاكرُ
[وأصله من الوَلْي الذي يلي الوسمي] (٥) وهُوَ أوَّلُ مَطرِ يَسِمُ وَجْهَ الأرضِ.
٧٩ - المتعالي: هو المتنَزِّهُ عَنِ صِفَاتِ المَخْلُوقينَ، تَعَالَى أن يُوْصَفَ بِهَا، وَارْتَفعَ عَنْ مُسَاوَاتِهم في شَيْءٍ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بِمَعْنَى العَالِي فَوْقَ خَلْقِهِ.
٨٠ - البَرَّ: هو العَطوفُ عَلَى عِبَادهِ، المُحْسِنُ إلَيْهِم، عَمَّ بِبِرِّهِ جَميْعَ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْخَلْ عَلَيْهِم بِرِزْقِهِ، وَهُوَ البَرُّ بِأوْليَائه، إذْ خَصَّهُمْ
_________________
(١) في (ظ): "الوارث" وهو سهو من الناسخ لأنه سيذكر الوارث فيما بعد. والشرح منصب على الوالي لا الوارث.
(٢) في (ت): "المتصرف".
(٣) في (م): "ومنه" بدل "ومن هذا".
(٤) ديوانه ٢/ ١٠٤٦ البيت الحادي والسبعون من قصيدة طويلة، ورواية (ظ): إني وليةً تمرع جنابي فإنني لوسمي وهي من الوأي: أي: الوعد. وتمام البيت من (ت) و(م)، وفي (م): "لك" بدل "منك" ورواية الديوان واللسان (ولي): لني ولية يمرع جنابي فإنني لما نلت من وسميِّ نعماك شاكر
(٥) سقط ما بين المعقوفين من (ظ).
[ ٨٩ ]
بِوِلاَيتهِ وَاصْطَفَاهُم لِعِبَادَتِهِ، وَهُوَ البَّرُ بِالمُحْسِنِ فِي مُضَاعَفَةِ الثَّواب لَهُ وَالبَرُّ بِالمُسِيْءِ فِي الصَّفْحِ، وَالتجَاوُزِ عَنْهُ. وَفِي صِفَاتِ المَخْلُوْقينَ: رَجُلٌ بَرٌّ وَبَارٌّ إذَا كَانَ ذَا خير وَنَفْعٍ، وَرَجُل بَرٌّ بِأبَويهِ وَهُوَ ضِدُّ العَاقِّ.
٨١ - التَّوَّابُ: هُوَ الذي يَتُوْبُ عَلَى [عبدِهِ، ويقْبَلُ توبته] (١) كُلَّمَا تَكرَّرَتْ التَوبةُ تكَرَّرَ القَبُوْلُ وَهُوَ حَرْفٌ يَكُوْنُ لَازِمًَا وَيَكُوْنُ مُتَعَدِّيَا. يُقَالُ: تَابَ الله عَلَى العَبْدِ: بِمَعْنَى وَفَّقَهُ لِلتوْبَةِ. فَتَابَ (٢) العَبْدُ كَقوْلهِ [تعالى] (٣): (ثُم تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبوا) [التوبة/١١٨] وَمَعْنَى التوبةِ: عَوْدُ العَبْدِ إلَى الطاعَةِ بَعْدَ المَعْصِيَةِ.
٨٢ - المنتَقِمُ: هُوَ الذِي يُبَالِغُ فِي العُقُوَبةِ لِمَن شَاءَ كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): (فَلَما آسَفُوْنَا انْتَقَمْنَا مِنهِم فَأغْرَقْنَاهُم أجْمَعينَ) [الزخرف/٥٥]. والاِنْتِقَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ نقَم يَنْقُمُ إذَا بَلَغَتْ بِهِ الكَرَاهَةُ حَدَّ (٤) السَخَط.
٨٣ - العَفُو: وَزْنُهُ فَعُولٌ مِن العَفْوِ، وَهُوَ بِنَاءُ المُبَالَغَةِ. والعَفْوُ: [الصَّفْحُ عن الذنوبِ، وترك مُجَازَاةِ المُسِيءِ وقيل: إن العَفْوَ] (٥)
_________________
(١) رواية (ظ) في المتن: "عباده، عبيده ويقبل توبتهم" ثم وضع الناسخ خطًا صغيرًا على كلمة: "عباده" توحي بشطبها، ثم صوب على الهامش ما أثبته من (ت) و(م).
(٢) في (م): "وتاب".
(٣) زيادة من (م) في المكانين.
(٤) في (م): "حتى".
(٥) سقط ما بين المعقوفين من (ظ).
[ ٩٠ ]
مَأخوْذٌ مِنْ عَفَتِ الريْح الأثَرَ إذا درَسَتْهُ (١) فَكَانَ العَافِي عَنِ الذنْبِ يَمْحُوهُ بِصَفْحِهِ عَنْهُ.
٨٤ - الرَّؤُوْف: هُوَ الرحِيْمُ العَاطِفُ (٢) بِرَأفَتِهِ عَلَى عِبَاده، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرأفَةُ أبلَغُ الرَّحْمَةِ وَأرَقُّهَا. وَيُقَالُ: إن الرافَةَ أخَصُّ، وَالرَّحْمَةَ أعَمُّ، وَقَدْ تَكُونُ الرحْمَةُ فِي الكَرَاهَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَلَا تَكادُ الرَّأفَةُ تَكُونُ فِي الكَرَاهَةِ؛ فَهَذَا مَوْضِعُ الفَرْقِ بَيْنَهُما.
٨٥ - مَالِكُ المُلْكِ: مَعْنَاهُ أن المُلْكَ بِيَدِهِ يُؤْتيْهِ مَنْ يَشَاءُ كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): (قُلِ اللهم مَالِكَ المُلْكِ، تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الملك ممنْ تَشَاءُ [وتعز من تشاء] (٣» [آل عمران/٢٦].
وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَاهُ: مَالِكَ المُلُوْكِ، كَمَا (٤) يقَالُ: رَبُّ الأرْبَابِ. وَسَيِّدُ السَّادَاتِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَارِثُ المُلْكِ يَوْمَ لَا يَدَّعِي المُلْكَ مُدَّعٍ وَلَا يُنَازِعُهُ مُنَازِعٌ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرحْمنِ) [الفرقان/٢٦].
٨٦ - ذو الجَلاَلِ والإكرَامِ: الجَلَالُ: مَصْدَرُ الجَلِيْلِ. يُقَال: جَلِيْلٌ بَيِّنُ الجَلَالَةِ وَالجَلَالِ. والإكرام: مَصْدَرُ أكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرَامًَا وَالمَعْنَى: أن الله -جَلَّ وَعَزَّ- مُسْتَحِقٌّ أنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ فَلَا يُحْجَدَ، وَلَا يُكْفَرَ بِهِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنَى أنهُ يُكْرِمُ أهْلَ وَلَايَتهِ، ويرْفَعُ
_________________
(١) في (ظ): "درسه".
(٢) في (م): "العطوف".
(٣) زيادة من (م) في المكانين.
(٤) لفظة: "كما" ليست في (م).
(٥) زيادة من (م) وسقطت كلمة: "الملك منها".
[ ٩١ ]
دَرَجَاتِهم بالتوفيْقِ لِطَاعَتِهِ فِي الدنيا، وَيُجلُّهُمْ بِأنْ يَتَقَبَّلَ أعْمَالَهُمْ ويرْفَعَ في الجنَانِ درَجَاتِهم، وَقَدْ يَحْتَمِلُ [أن يَكُوْنَ] (١) أحَدُ الأمْرَيْنِ، وَهُوَ الجلَالُ، مُضَافًَا إلَى اللهِ -سُبْحَانهُ (٢) - بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُ، والآخَرُ مُضَافًَا إلَى العَبْدِ بِمَعْنَى الفِعْلِ مِنْهُ، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ: (هُوَ أهْلُ التقْوَى وَأهْلُ المَغْفِرَةِ) [المدثر/٥٦] [فَانْصَرَفَ أحَدُ الأمْرَيْنِ وَهُوَ المَغْفِرَةُ إلَى الله سُبْحَانَه] (٣) والآخَرُ إلَى العِبَادِ (٤) وَهُوَ التَّقْوى. والله أعْلَمُ.
٨٧ - المُقْسِطُ: هُوَ العَادِلُ في حُكْمِهِ وَلَا يَحيْفُ وَلَا يَجُورُ.
يُقَالُ: أقْسَطَ فَهُوَ مُقْسِطٌ، إذَا عَمَلَ في الحُكْمِ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (وَأقْسِطُوْا إن اللهَ يحبُّ المُقْسِطينَ) [الحَجرات/٩] وَقَسَطَ فَهُوَ قَاسِطٌ؛ إذَا جَارَ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (وَأمَّا القَاسِطُوْنَ فَكَانُوا لِجَهَنمَ حَطَبًَا) [الجن/ ١٥].
٨٨ - الجَامِعُ: هُوَ الذِي يَجْمَعُ الخَلَائِقَ لِيَوْم لَا رَيْبَ فِيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الأرْوَاحِ الأبْدَانَ، وَبَعْدَ تَبَدُّدِ الأوْصَالِ، والأقْرَانِ لِيَجْزِيَ الذِيْنَ أسَاؤُوْا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الذِيْن أحْسَنُوا بِالحُسْنَى. وَيُقَالُ: الجَامِعُ هُوَ الذي جَمَعَ الفَضَائِلَ وَحَوَى المآثِرَ والمَكَارِمَ.
٨٩ - الغَنيُّ: هُوَ الذِي اسْتَغْنَى عَن الخَلْقِ وَعَنْ نُصْرَتِهمْ
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) ليست في (ت) كلمة: "سبحانه"، وفي (م): "﷿".
(٣) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٤) في (م): "العبد".
(٥) زيادة من (م) في المكانين.
[ ٩٢ ]
وَتَأيِيْدِهِم لِمُلْكِهِ فليْسَتُ بِهِ حَاجَة إلَيْهم، وَهُمْ إلَيْهِ فُقَرَاءُ. مُحْتَاجُونَ كَمَا وَصَفَ نفْسَه [تعالى] (١) فَقَالَ [عز من قَائل] (٢): (وَاللهُ الغَنيُّ وَأنْتُم الفُقَراءُ) [محمد/ ٣٨].
٩٠ - المُغْنيْ: هُوَ الذِي جَبَرَ مَفَاقِرَ الخَلْقِ وَسَاقَ إلَيْهِمْ أرْزَاقَهُمْ وَأغْنَاهُمْ (٣) عَمَّنْ سِوَاهُ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وأنهُ هُوَ أغْنَى وَأقْنَى) [النجم/٤٨]. وَيَكُوْنُ المُغْني بِمَعْنَى الكَافي مِنَ الغَنَاءِ، مَمْدُوْدًَا مَفْتُوْحَةَ الغين، وَهْوُ الكِفَايَة.
٩١ - المَانعُ: هُوَ النَّاصِرُ الذي يَمنعُ أوْليَاءَهُ، أي (٤): يَحُوْطُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمُ وَيُقَالُ: فُلَان فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، أيْ: في جَمَاعةٍ تَمْنَعُهُ وَتَحُوْطُهُ. ويكُونُ المَانِعُ مِنَ المَنْعِ، وَالحِرْمَانُ لَمنْ لَا يَسْتَحِقُّ العَطَاءَ.
[٣٥] كَقَوْلهِ [- ﷺ -] (٥): "لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا
_________________
(١) هذا طرف من حديث المغيرة عند البخاري بشرح الفتح برقم ٨٤٤ أذان وبرقم ٦٦١٥ دعوات وبرقم ٧٢٩٢ اعتصام، ومسلم برقم (١٣٧، ١٣٨)، وأبي داود برقم ١٥٠٥، والترمذي برقم ٢٩٩، صلاة ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٣٠٩، وعند ابن ماجه برقم ٨٧٩ إقامة، من حديث أبي عمر. قال عنه الهيثمي مجهول لا يعرف حاله. والدارمي ١/ ٣١١، والإمام أحمد ٤/ ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٥٠، ٢٥٤، =
(٢) زيادة من (ت).
(٣) زيادة من (م) في المكانين.
(٤) في (م): "فأغناهم".
(٥) في (ظ): "أن" والمثبت من (ت) و(م).
(٦) ما بين المعقوفين ليس في (م) وكلمة: "وسلم" زيادة على الأصل.
[ ٩٣ ]
مَنَعْتَ" فَهوَ -سبْحَانَهُ- يَمْلِكُ المَنْعَ وَالعَطَاءَ، وَلَيْسَ مَنْعُهُ الشيْءَ بُخْلًا (١) بِهِ، لَكِن مَنْعَهُ حِكْمَةٌ، وَعَطَاؤه جُودٌ وَرَحْمَةٌ.
٩٢ - ٩٣ - الضَّارُ النَّافِعُ: وَهَذَانِ الِاسْمَانِ (٢) مما يَحْسنُ القِران في الذكْرِ بَيْنَهُما لأن فِي اجْتِمَاعِهِمَا وَصْفًَا لَه بِالقُدْرَةِ عَلَى نَفْع مَنْ شَاءَ، وَضَرِّ مَنْ شَاءَ، وذلك أن مَنْ لم يَكُنْ عَلَى النفْعِ وَالضَّرِّ قَادرًا لم يَكنْ مَرْجُوًا وَلَا مخوْفَا. وفيه إثْبَاتٌ أن الَخْيرَ والشَّرَ مِنْ قِبَلِ الله -جَل وعَز (٣) - وَقَدْ يَكون مَعْنَاهُ أيْضًَا: أنه يَقْلِبُ الضارَّ بِلَطِيْفِ
_________________
(١) = ٢٥٥، وتمام الحديث كما في البخاري ومسلم: أن النبي - ﷺ - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع إلى آخر الحديث"، وزاد الترمذي: "يحيى ويميت". بعد قوله: "وله الحمد". وللحديث رواية ثانية عند مسلم برقم (١٩٤، ٢٠٥، ٢٠٦) صلاة من حديث شعبة عن الحكم وأبي سعيد الخدري وابن عباس، وعند أبي داود برقم ٨٤٧ من حديث أبي سعيد الخدري: وهي، واللفظ لمسلم: كان رسول الله - ﷺ -: "إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت " وعند الإمام أحمد ٤/ ٩٣، ٩٥، ٩٧، ٩٨، ١٠١ من حديث معاوية بلفظ: "اللهم لا مانع من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". وانظر كنز العمال ٢/ ٦٤٢، ٦٤٣، ٦٤٦. والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٣٥، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص ٥١، وابن خزيمة ١/ ٣٦٧.
(٢) في (ت): "لحاجة" بدل "بخلًا به"، وسقطت كلمة: "به" من (م).
(٣) في (م): "الاسمين" وهو سهو واضح.
(٤) في (ت): "تعالى" وفي (م): "ﷻ".
[ ٩٤ ]
حِكْمَتِهِ مَنَافِعَ؛ فَيَشْفِي بِالسُم القَاتِلِ إذَا شَاءَ، كَمَا يُميْتُ بِهِ إذَا شاءَ؛ ليُعلمَ أن الأسْبَابَ إنمَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ إذا اتصَلَتْ المَشِيْئَةُ بِهَا.
٩٤ - النُّورُ: هُوَ الذِي بِنُورِهِ يُبْصِرُ ذو العَمَايَةِ وَبهدَايتهِ يَرْشُدُ (١) ذو الغَوَايَةِ وَعَلَى مِثل هَذَا يُتَأوَّلُ، قَوْلُه [جَل وَعَزَّ] (٢): (اللهُ نُوْرُ السمَوَاتِ والأرْضِ) [النور/٣٥] أي: مِنْهُ نوْرُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ. وَلَا يَجُوزُ أنْ يتَوَهَّمَ أنْ الله -تَعَالَى (٣) - نُوْرٌ مِنَ الأنْوَار، وأنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِيْهِ -سُبْحَانَهُ-؛ فَإنَّ النورَ تُضَادُّهْ الظُلْمَةُ، وَتُعَاقِبُهُ فَتُزِيْلُهُ (٤)، وَتَعَالَى الله (٥) أنْ يَكُونَ لَهُ ضدٌّ أو ندٌّ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ذو النورِ، إلا أنهُ لَا يصِح أنْ يَكُونَ النورُ صِفَةَ ذاتٍ لَهُ، كَمَا يَصِح ذَلِكَ مِن اسْمِ السلاَمِ، إذَا قُلْنَاهُ (٦)، إنهُ ذو السلَامَ.
وإنَّما يَكُوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ فِعْل عَلَى مَعْنَى إضَافَةِ الفِعْلِ إلَيه إذْ هُو خَالِق النُّورِ وَمُوْجِدُهُ (٧).
٩٥ - الهَادي: هُوَ الذِي مَن بِهُدَاهُ عَلَى مَنْ أرَادَ مِنْ عِبَاده، فَخَصَّهُ بهدَايَتهِ، وَأكْرَمَهُ بِنُورِ تَوْحِيْدِهِ، كَقوْلهِ [تعالى] (٨): (وَيَهْدِي
_________________
(١) في (ت): "ترشد".
(٢) زيادة من (ت) وفي (م): "قول الله ﷾".
(٣) في (ت) و(م): "سبحانه".
(٤) في (م): "وتزيله".
(٥) لفظة الجلالة ليست في (م).
(٦) في (م): "قلنا".
(٧) في (م): "موجودة" وهو خطأ واضح.
(٨) زيادة من (م).
[ ٩٥ ]
مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم) [يونس/٢٥] وَهُو الذِي هَدَى سَائِرَ الخَلْقِ مِنَ الحَيْوَانِ إلَى مَصَالِحهَا وَألْهَمهَا كَيْفَ تَطْلُبُ (١) الرزْقَ، وَكَيْفَ تَتَّقِي المَضَارَّ، وَالمَهَالِكَ، كَقُوْلهِ [تعالى] (٢): (الذي أعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُم هَدَى) [طه/٥٠].
٩٦ - البدِيْعُ: هُوَ الذِي خَلَقَ الخَلْقَ، وَفَطَرَهُ مُبْدِعًَا (٣) لَهُ مُخْتَرِعًَا، لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ (٤)، وَوزْنُهُ فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِل، كقَوْلكَ (٥): ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم.
٩٧ - البَاقِيْ: هُوَ الذِي لاَ تَعْترِضُ عَلَيهِ عَوَارِضُ الزوَالِ وَهُوَ الذِي بَقَاؤه غيرُ مُتَنَاهٍ، وَلَا مَحْدُوْدٍ، وَلَيْسَتْ صِفَةُ بَقَائِهِ وَدوَامِهِ كَبَقَاءِ الجَنةِ والنارِ وَدوَامِهِمَا؛ وَذَلِكَ أن بَقَاءَهُ أزَليٌّ أبَدِيٌّ (٦) وَبَقَاءُ الجَنةِ وَالنارِ أبَدِيٌّ غير أزَليٍّ، وَمَعْنَى الأزَلِ: مَا لَمَْ يَزَلْ. وَمَعْنَى الأبَدِ: مَا لَا يَزَالُ، وَالجَنةُ والنَارُ مَخْلوقَتَانِ كائِنَتَانِ بَعْدَ أنْ لَم تَكُونَا، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الأمْرَيْنِ. والله أعْلَمُ.
٩٨ - الوَارِثُ: هُوَ البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ، والمُسْتَرِدُّ أمْلَاكَهُمْ وَمَوارِثَهُم (٧) بَعْدَ مَوْتِهم، وَلَمْ يَزَلِ الله باقيًا مَالِكًَا لأصُولِ الأشْيَاءِ
_________________
(١) في (ت): "طلب".
(٢) زيادة من (ت) و(م).
(٣) في (ت): "هو الذي فطر بالخلق مبتدعًا " وفي (م): "هو الذي فطر الخلق مبدعًا ".
(٤) سقطت: "سبق" من (م).
(٥) في (م): "كقوله".
(٦) سقطت: "أبدي" من (م).
(٧) في (ت): "مواريثهم".
[ ٩٦ ]
كُلها، يُوَرِّثُها مَنْ يشاءُ وَيَسْتَخْلِفُ فِيها مَنْ أحَبَّ. [قَالَ أبُو سُلَيمَانَ -﵀-] (١) وَأخْبَرَني أبو عُمَرَ عَنْ أبي العَباسِ قَالَ: قَالَ أبو عَمرِو بنُ العَلَاءِ: أوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الجَاهِلِيةِ فِي الزهْدِ قَوْل يَزِيْدَ بن خَذَّاق (٢):
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلَا تُولَعْ بِإشفَاقِ فَإنما مَالُنَا لِلْوَارِثِ البَاقي
[في أبْيَاتٍ أنْشَدَنَاهَا] (٣).
٩٩ - الرَّشِيْدُ: هُو الذِي أرْشَدَ الخَلْقَ إلَى مَصَالِحهِمْ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مُفْعِلٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الحَكِيْمِ فِي الرُّشدِ لاِسْتِقَامَةِ تَدْبِيْرِهِ، وإصَابَتِهِ فِي أفْعَالِهِ.
١٠٠ - الصَّبُوْرُ: هُوَ الذِي لَا يُعَاجِلُ العُصَاةَ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى أجَلٍ مُسَمَّى وَيُمْهِلُهُم لِوَقْتٍ مَعْلُوْم. فَمَعْنَى
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (ت) و(م).
(٢) هو البيت الخامس من المفضلية رقم (٨٠) وأبياتها ستة، ومطلعها: هل للفتى من بنات الدَّهرِ من واقِ أَمْ هلْ لهُ من حمام الموت من راقٍ والقصيدة منسوبة إلى الممزق العبدي كما في المفضليات وشرحها ص ٦٠١، وقد نقل شارحها، الأنباري ذلك عن ثعلب، كما نقل عن أبي عبيدة: أنها ليزيد ابن خذاق. قلت: والغريب هنا أن أبا عمر -وهو غلام ثعلب- يروي عن شيخه ثعلب عن أبي عمرو بن العلاء أن القائل هو يزيد بن خذاق. فكيف يستقيم للأنباري أن يروي عن ثعلب أنها للممزق العبدي؟! أظنه وَهَم في ذلك. مثلما وهم المفضل، وثعلب برىء من هذا. وأن القائل هو يزيد بن خذاق مثلما نقل عنه تلميذه، وهو الذي ينسجم مع بقية المصادر وانظر السمط ٧١٣، ٧١٤.
(٣) سقط ما بين المعقوفين من (ت).
[ ٩٧ ]
الصبورِ فِي صِفَةِ الله -[سبْحَانَهُ] (١) - قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الحَلِيم إلا أن الفَرْقَ بَين الأمْرَيْنِ: أنهم لَا يَأمَنُونَ العُقُوْبَةَ فِي صِفَةِ الصبورِ، كمَا يَسْلَمُونَ مِنْهَا فِي صِفَةَ الحَلِيْمِ، -والله أعْلَمُ-[بالصواب] (٢).
قَالَ [الشيْخُ] (٣) أبُو سُلَيْمَانَ -[﵀] (٣) - فَهَذَا تَفْسيرُ الأسْمَاء التِسْعَة والتِّسْعينَ التي رَوَاهاْ محمد بْنُ إسْحقَ [بن خزيمة] (٤) -﵀- فِي المأثوْرِ مِنْ طَرِيْقِ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَة عَنْ أبي الزِّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. حَدثَنِيْهِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِنَا مِنْهُم. مُحَمدُ بْنُ الحُسين بْنِ عاصِم. قَالَ: حَدثَنَا مُحَمدُ بْنُ إسْحقَ قَالَ: حَدثَنَا إبْرَاهِيْمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزَجَاني قَالَ: حَدثَني صفْوَانُ بْنُ صَالِح قَالَ: حَدثَنَا الوَليْدُ بْنُ مُسْلِم قَال: حَدثَنَا شُعَيْبٌ، وَحَدثَنِيْهُ أحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ بْن مَالِكٍ، قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدثَنَا صفْوَانُ بْنُ صَالِح مِثلَه سَوَاء.
[٣٦] وَقَدْ رَويتُ هَذِهِ الأسْمَاءَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبي
_________________
(١) سبق تخريج الحديث برقم [١٦] وأشير هنا إلى أن هذه الرواية من هذا الطريق عند الحاكم ١/ ١٧، ولم يذكر في سرد الأسماء: "البادىء، المحيط" وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان المذكور، قال عنه الذهبي: ضعفوه.
(٢) ليست في (ت) و(م).
(٣) زيادة من (م).
(٤) ما بين المعقوفين ليس في (م) في المكانين.
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (ظ).
[ ٩٨ ]
هُرَيْرَةَ بِزِيَادَاتٍ لَيْسَتْ في خَبَر الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) أخْبَرَنَا (٢) ابْنُ الأعْرَابي، قَالَ: حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيْعِ النهْدِيُّ، قَالَ: حَدثَنَا خَالِدُ (٣) بْنُ مَخْلَدٍ القَطَوانيُّ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بْنُ الحُصين، قَالَ: حَدثَنَا أيُّوْبُ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبِي هُرَيْرَة عَنِ النبِي - ﷺ - قَالَ: إن للهِ تِسْعَة وَتسْعينَ اسْمًَا مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنةَ فَذَكَرَهَا، وَعَدَّ مِنْها:
الرَّبُّ -[الحنان] (٤) المَنّانُ - البَاديِءُ (٥) - الكَافي- الدَّائِمُ- المَوْلَى- النَّصير- الجَمِيْلُ- الصادِق- المُحِيْطُ (٥) - المُبينُ- القَرِيْبُ- الفَاطِر- العَلامُ- المَلِيْكُ- الأكْرَم- المُدَبِّرُ- الوِتْرُ- ذو المَعَارِجِ-[ذُو الطَّوْلِ] (٦) - ذُو الفَضْلِ.
إلا أن رِوَايَةَ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ الحُصين لَيْس بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ. قَالَ مُحَمد بْنُ إسْمَاعِيْلَ [البخاري] (٧): عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الحصين بن التَرجمانِ: لَيْسَ بِالقَوِي عِنْدَهمْ، غيرَ أن أكْثر هَذِهِ الأسْمَاءِ مَذْكوْرَة في القُرْآنِ.
فأمَّا الرَبُّ: فَقَدْ رُويَ عَنْ غير وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ التَّفْسير
_________________
(١) تكررت في (ظ) عبارة: "بزيادات ليست في خبر الأعرج عن أبي هريرة".
(٢) في (ت): "حدثنا".
(٣) في (م): "خليد" وهو خطأ ووقع في المستدرك: "القطوني" ولعله خطأ من الطبع انظر تقريب التهذيب.
(٤) زيادة من الحاكم سقطت من الأصل، وجاءت في الشرح.
(٥) سقط: "الباديء- المحيط" من خبر سرد الأسماء عند الحاكم ١/ ١٧.
(٦) سقط: "ذو الطول" من (ت).
(٧) زيادة من (م).
[ ٩٩ ]
في قَوْلهِ [تعالى] (١): (الحَمْدُ لله رب العَاَلمْينَ) [الفاتحة/١] أن مَعْنَى الرب: السيد. وهَذَا يَسْتَقيمُ إذَا جعَلْنَا (٢) العَاَلمْينَ مَعْنَاهُ: المُمَيزِيْنَ، دون الجَمَادِ، لأنهُ لَا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ: سَيدُ الشجَرِ والجَبَلِ (٣) وَنَحْوَها، كَمَا يُقَالُ: سَيدُ الناسِ، وَمِنْ هَذا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (اِرْجِعْ إلَى رَبكَ فَاسْألْهُ مَا بَالُ النسْوَةِ) [يوسف/ ٥٠]. أيْ: إلَى سَيدِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ (٤):
بِقَتْلِ بَني مَالِكٍ رَبَّهُمْ ألا كُلُّ شيْءٍ سِوَاهُ جللْ
يُرِيْدُ سَيدَهُمْ.
وَقِيْلَ: إن الرب: المَالِكُ، وَعَلَى هَذَا تَسْتَقِيْمُ الإضَافَةُ عَلَى العُمُوْمِ. وَذهب كَثِيْرٌ مِنْهُمْ إلَى أن اسْمَ العَاْلَمِ يَقَعُ عَلَى جَميْع المُكَونَاتِ. وَاحْتَجُّوا بقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (قَالَ فِرْعَوْنُ، وَمَا رَب العاَلمْينَ قَالَ رب السموَاتِ والأرْض وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُوْقِنِين) [الشعراء/ ٢٣ - ٢٤].
وَأمَّا المنَّانُ: فَهُوَ كَثيرُ العَطَاءِ. وَالمَنُّ: العَطَاءُ لِمَن لاَ
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) عبارة (م): "جعلنا معنى ".
(٣) في (ت) و(م): "الجبال" وفي (م): "الجبال والشجر ".
(٤) البيت لامريء القيس من قصيدة -قالها بعدما جاءه خبر مقتل أبيه- في ديوانه ص ٢٦١، وهو من شواهد المغني بشرح عبد القادر البغدادي ٣/ ٧٩، وفي الشعر والشعراء ١/ ١٠٨، والأغاني ٩/ ٨٦، والهمع ٢/ ٧٢، والدرر ٢/ ٨٨، والرواية في المصادر السابقة: "بقتل بني أسد " بدل: "مالك". ويستشهد به النحاة على أن: "جلل" بمعنى: حقير.
[ ١٠٠ ]
تَسْتَثِيْبُهُ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغير حِسَابٍ) [ص/٣٩].
وَأما البَادي فَمَعْنَاهُ (١): مَعْنَى المبدِي؛ وَهُوَ مَذْكُوْرٌ فِي خَبَرِ أبِي الزِّنَادِ (٢) يقال: بَدَأ وَأبْدَأ بِمَعْنَى وَاحِدٍ؛ وَهُوَ الذِي ابْتَدَأ الأشْيَاءَ مُخْتَرِعًَا لَهَا مِنْ (٣) غَيْر أصْلٍ.
وَأما الكَافي: فَهُوَ الذي يَكْفِي عِبَادَهُ المُهِم، وَيَدْفَعُ عنهم (٤) المُلِمَّ؛ وَهُوَ الذِي يُكْتَفَى بِمَعُوْنَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُسْتَغنَى بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ.
وأما الدَّائِمُ: فَهُوَ المَوْجُودُ لَمْ يَزَلْ، المَوْصُوْفُ بِالبَقَاءِ الذِي (٥) لَا يَسْتَوْلي عَلَيْهِ الفَنَاءُ.
[المولى] (٦): وَالموْلَى: الناصِرُ: وَالمُعينُ (٧)، وَكَذلِكَ النصِيْرُ؛ فَعِيْلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَمَا تَقُوْلُ: قَدِيْر وَقَادر، وَعَلِيْم وَعَاِلمٌ.
كَقَوْلهِ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكمْ فَنِعْمَ المَوْلى ونعْمَ النصِير) [الحج/٧٨].
_________________
(١) في (ظ): "معناه" بدون الفاء. وما أثبته من (ت).
(٢) سبق تخريج الحديث في سرد الأسماء من طرقه المختلفة ص ٩٨ - ٩٩ ولم أجد فيها: "البادئ" في خبر أبي الزناد بل المذكور في خبره: "البارئ" ولعله وَهَم من الشيخ ﵀، ظن "البادئ" "البارئ" فشرحه على هذا الأساس.
(٣) في (ت): "عن" بدل "من".
(٤) في (ظ): "عنه" بدل "عنهم" وما أثبته من (ت).
(٥) كلمة: "الذي" ليست في (ت) ولا في (م).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ت).
(٧) في (م): "الناصر: المعين".
[ ١٠١ ]
وَالجَمِيْلُ: [هُوَ المُجْمِلُ المُحْسِنُ؛ فَعِيْل بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. وَقَدْ يَكُوْن] (١) الجَمِيْلُ مَعْنَاهُ: ذو النُّورِ وَالبَهْجَةِ.
[٣٧] وَقَدْ رُوِيَ فِي الحَدِيْثِ: "إن الله جَميْلٌ يُحبُّ الجَمال".
وَالصادقُ: هُوَ الذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ، ويصْدُقُ وَعْدُهُ.
كقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وَمَنْ أصْدَقُ من اللهِ قِيْلا) [النساء/١٢٢] وَقَوْلُه [تعالى] (٣): (الحمدُ لله الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) [الزمر/٧٤].
[و] (٤) المُحِيْطُ: هُوَ الذي أحَاطَتْ قُدْرَتُهُ بِجَمِيْع خَلْقِهِ، وَهُوَ الذي أحَاطَ بِكُل شَيْءٍ عِلْمَا، وَأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدًَا.
[و] (٤) المُبِيْنُ: هُو البَيِّن أمْرُهُ فِي الوَحْدانيةِ، وَإنه لَا شَرِيْك لَهُ. يُقَالُ: بَانَ الشَيْءُ، وَأبانَ، وَاسْتَبَانَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
[و] (٤) القَرِيْبُ: مَعْنَاهُ: أنهُ قريب بعلْمِهِ مِنْ خَلْقِهِ،
_________________
(١) هذا طرف من حديث أخرجه مسلم برقم ٩١ إيمان، باب تحريم الكبر وبيانه من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يدخل الجنة، من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحقِّ وغمط الناس". وأخرجه الإمام أحمد ٤/ ١٣٣، ١٥١ من حديث أبي ريحانة.
(٢) ما بين المعقوفين سقط من (ت).
(٣) زيادة من (ت) و(م).
(٤) زيادة من (ت).
(٥) زيادة من (ت) في المواطن الثلاثة.
[ ١٠٢ ]
قَريبٌ ممنْ يَدْعُوْهُ بِالإجَابَةِ كَقَوْلهِ [تعالى] (١): (وَإذَا سَألَكَ عِبَادي عَنيْ فَإني قَرِيْبٌ، أُجِيْبُ دَعْوَةَ الداعِي إذَا دَعَانِي) [البقرة/١٨٦].
وَالفَاطِرُ: هُوَ الذِي فَطَرَ الخَلْقَ: أيْ: ابْتَدَأ خَلْقَهُمْ كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أولَ مَرةٍ) [الإسراء/ ٥١] وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: فَطَرَ نَابُ البَعِيْرِ، وَهُوَ أولُ مَا يَطْلُعُ.
[٣٨] وَأخْبَرني الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرحِيْمِ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدَانَ، قَالَ: قَالَ أبُو رَوْقٍ عَنْ ابْنِ عَباسٍ: (لَمْ أكُنْ أعْلَمُ مَعْنَى "فَاطِر السَموَاتِ والأرض" حَتى اخْتَصَمَ أعْرَابِيَّانِ فِي بِئرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أنَا فَطَرْتُهَا). يُرِيْدُ أنَا الذي اسْتَحْدَثْتُ حَفرَهَا.
[و] (٣) العلاَّمُ: بِمَنْزِلَةِ العَلِيْمِ، وَبِنَاءُ فَعَّالٍ بِنَاءُ التكْثير. وَقَدْ تَقَدمَ تَفْسيرُ العَلِيْمِ.
[و] (٣) المَلِيْكُ: هُوَ المَالِكُ، وَبِنَاءُ فَعِيْلٍ لِلْمُبَالَغَةِ في الوَصْفِ، و[قد] (٤) يَكُوْنُ المَلِيْكُ بِمَعْنَى المَلِكِ كَقَوْلهِ [﷿] (٥): (عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِر) [القمر/٥٥].
وَالأكرَمُ: هُوَ أكْرَمُ الأكْرَمينَ لاَ يُوَازِيْهِ كريم، وَلَا
_________________
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية ٣/ ٤٥٧، والزمخشري في الفائق ٣/ ١٢٧ (فطر).
(٢) زيادة من (ت) وفي (م): "جل وعز".
(٣) زيادة من (ت) و(م).
(٤) زيادة من (م) في المكانين.
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (ت)، وفي (م): "سبحانه".
[ ١٠٣ ]
يُعَادِلُه فيه نَظِيرٌ. وَقَدْ يَكُوْنُ الأكْرَمُ بِمَعْنَى الكَرِيْمِ كَما جَاءَ: الأعَزُّ، وَالِأطْوَلُ، بِمَعْنَى العَزِيْزِ وَالطويلِ، وَقَدْ تَقَدمَ تَفْسيرُ الكَرِيْمِ فِيْمَا مَضى.
وَالمُدبر: هُوَ العَاِلم (١) بِأدْبَارِ الأمُوْرِ وَعَوَاقِبِهَا، وَمُقَدِّرُ المَقَادِيْرِ وَمُجْرِيها إلَى غَايَاتِهَا. يُدَبِّرُ الأمُوْرَ بِحِكْمَتِهِ، وَيُصَرِّفُهَا (٢) عَلَى مَشِيئتهِ.
وَالوِتْرُ: هُوَ الفَرْدُ الذِي لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلَا نَظيرُ.
وذو المَعَارج: المَعَارِجُ: الدَّرَجُ، وَاحدُهَا مَعْرَجٌ، وَهُوَ المَصْعَد. يُقَالُ: عَرَجَ يَعْرُجُ عُرُوجًَا بِمَعْنَى: صَعِدَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (يُدَبِّرُ [الأمْرَ] مِنَ السمَاءِ إلَى الأرْضِ ثُم يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ ألفَ سَنَةٍ مما تَعُدُّوْنَ) [السجدة/٥]. وَهُوَ الذِي يُصعَدُ إلَيْهِ بِأعْمَالِ العِبَادِ، وإلَيْهِ يُصْعَد بِأرْوَاحِ المُؤْمِنينَ.
[٣٩] عَلَى مَا جَاءَ فِي الحَدِيْثِ. مِنْ عُرُوْجِ الأرْوَاحِ في المَعَارِجِ، وَهِيَ الطرَائِقُ التي [يُصْعَدُ بِالدَّرَجِ فِيْها] (٣).
وذو الطول [وذو الفضل] (٤): مَعْنَاهُ أهْلُ الطَّوْلِ
_________________
(١) حديث عروج الروح رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٣٦٤ و٦/ ١٤٠ من حديث أبي هريرة وفي ٤/ ٢٩٥، ٢٩٦، من حديث البراء بن عازب. ومن حديث أبي هريرة أيضًا عند ابن ماجه برقم ٤٢٦٢ زهد.
(٢) في (م): "العليم".
(٣) في (م): "يتصرفها".
(٤) عبارة (م): "يصعد بالأرواح".
(٥) سقط: "ذو الفضل" من (ظ) و(ت).
[ ١٠٤ ]
وَالفَضْلِ. وذْو: حَرْفُ النِّسْبَةِ. كَقَوْلهِ (١) [تَعَالى] (٢): (ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامَ) [الرحمن/ ٢٧].
قَالَ أبو سُلَيْمانَ -[﵀] (٣) -: وَمما يَدْعُو بِهِ الناسُ، خَاصُّهُمْ وَعَامُّهُمْ، وَإنْ لم تَثبُتْ بِهِ الروَايَةُ عَنْ رَسُوْلِ الله - ﷺ - قولهم: [الحنَّان والمنَّانُ] (٤).
قوله: الحنان: معناه: ذو الرحْمَةِ والعَطْفِ، والحَنَانُ -[مخففٌ] (٥) -: الرحمة. قال طرفة (٦):
أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بعضَنا حَنانَيْك بعضُ الشرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُم:
(الدَّيَّان): وَهُوَ المُجَازِيْ. يُقَالُ: دِنْتُ الرجُلَ (٧)؛ إذَا جَزَيْتَهُ، أدِيْنُهُ. والدِّيْنُ: الجَزَاءُ. وَمِنْهُ المَثلُ: (كمَا تَدِيْنُ تُدَان) (٨) والدَّيَّانُ أيْضًَا: الحَاكِمُ. وَيُقَالُ: مَنْ دَيَّانُ أرْضِكُمْ؟ أيْ: مَنْ الحَاكِمُ بِهَا؟.
_________________
(١) في (م): "كقولك" بدل "كقوله".
(٢) ليس في (م) قوله: "تعالى".
(٣) ما بين المعقوفين ليس في (ت) و(م).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ت)، وقع في مكانها في (ظ): "ذو الفضل" وعبارة (م): "قولهم الحنان ومعناه ".
(٥) ما بين المعقوفين سقط من (ت).
(٦) ديوانه ص ١٧٢ من قصيدة طويلة أبياتها ستون بيتًا.
(٧) في (م): "فلان" بدل "الرجل".
(٨) مجمع الأمثال ١/ ١٥٥.
[ ١٠٥ ]
[٤٠] وَقَالَ أعْشَى بَنِي مَازِنٍْ لِرَسُولِ الله - ﷺ - حينَ قَدِمَ عليه:
يَا سَيدَ الناس ودَيَّانَ العرب
ومما جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الحكامِ فِي تَغْلِيْظِ الأيمَانِ وَتَوْكِيْدِهَا، إذَا حَلَّفُوا الرجُلَ لِخَصْمِهِ، أنْ يَقُوْلُوا: باللهِ الطالِبِ الغَالِبِ المهْلِكِ المدرك (١) فِي نَظَائِرِهَا، وَلَيْسَ يَسْتَحِق شَيْءٌ مِنْ هَذِه الأمُوْرِ أنْ يُطْلَقَ في بَاب صِفَاتِ الله -جَل وَعَز- وَأسْمَائِهِ، وإنمَا اسْتَحْسَنُوا ذِكرَهَا فِي الأيمَانِ لِيَقَعَ الرَّدْعُ بِهَا فَتَكُونَ أدنى (٢) لِلْحَالِفِ أنْ لاَ يَسْتَحِل حَق أخِيْهِ بِيَمِيْن كَاذِبَةٍ لأنه إذَا تُوُعِّدَ بِالطالِبِ والغَالِبِ، استشْعَرَ الخَوْفَ، وَارْتَدَع عَنِ الظلْمِ، إذْ كَانَ يَعْلَمُ أن الله [تعالى] (٣) سَيُطَالِبُهُ بِحَق أخِيْهِ، وأنه سَيَغْلِبُهُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ، وَيَقْهَرُهُ عَلَيْهِ. وَإذَا قَالَ: المُهْلِكُ المُدْرِكُ، عَلِمَ أنهُ يُدْرِكهُ إذَا طَلَبَهُ، وَيهلِكهُ إذَا عَاقَبَهُ. وَإنما إضَافَةُ هَذِهِ الأفْعَالِ إلَيْهِ عَلَى مَعْنَى المُجَازَاةِ مِنْهُ لِهَذَا الظاِلم عَلَى مَا يَرْتَكِبُهُ مِنَ الإثمِ، وَعَلَى مَا يَستبِيْحهُ مِنْ حق أخِيْهِ المُسْلِمِ. وَلَو جَازَ أنْ يُعَد ذلِكَ في أسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَجَازَ أنْ
_________________
(١) البيت من أرجوزة أخرجها الإمام أحمد في المسند ٢/ ٢٠١، ٢٠٢ من حديث أعشى بني مازن (واسمه عبد الله بن الأعور) يذكر فيها قصة نشوز زوجه للنبي - ﷺ -.
(٢) في (ت): "تقدم المدرك على المهلك".
(٣) في (م): "أدب".
(٤) زيادة من (ت) وفي (م): "سبحانه".
[ ١٠٦ ]
يُعَدُّ في أسْمَائِهِ: المُخْزِي، والمضِلُّ؛ لأنهُ (١) قَال: (وَأن الله مُخْزِي الكَافِرِيْنَ) [التوبة/٢]. وَقَال كَذَلِكَ: (يُضِل اللهُ (٢) مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ) [المدثر/٣١] فَإذَا لَمْ يَصِح أنْ يُدْخَلَ مِثلُ هَذَا فِي صِفَاتِهِ؛ لأنه كَلَامٌ لَم يُرْصَدْ (٣) لِلْمَدْحِ وَالثنَاءِ بِهِ عَلَيْهِ، لم يَصِح كَذَلِكَ (٤) أنْ يُعَدَّ مِنْهَا سَائِرُ مَا تَقَدمَ ذِكْرُهُ -والله أعلم-.
[قَالَ الشيْخُ] (٥): ومما (٦) جَاءَ فِي الحَدِيْثِ مما لَا يُؤْمَنُ وُقوعُ الغَلَطِ فِيهِ:
[٤١] قَوْلُهُ - ﷺ -: "لَا يَسُبَّنَّ (٧) أحَدُكمُ الدَّهْرَ، فَإن الله هُوَ
_________________
(١) أخرجه مسلم ج ٤/ ١٧٦٣ من حديث أبي هريرة، ألفاظ، برقم (٥) و(٦) برواية: "لا يسبُّ أحدكم الدهر؛ فإن الله هو الدهر، ولا يقولنَّ أحدكم للعنب: الكرم؛ فإن الكرم الرجل المسلم" وفي رواية للإمام أحمد ٢/ ٤٩٦: "لا تسبوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك" وانظر المسند ٢/ ٣٩٥، ٤٩١، ٤٩٩، و٥/ ٢٩٩، ٣١١، فقد أخرجه من حديث أبي هريرة وابن أبي قتادة عن أبيه. وانظر غريب الحديث للهروي ٢/ ١٤٥، والفائق ١/ ٤٤٦.
(٢) في (م): "لأن الله تعالى".
(٣) في (م): "وكذلك قال يضل من يشاء ".
(٤) في (ظ) زيادة لفظ "يُرْض" ولا يستقيم معها المعنى، ثم ضبط: "يرصَدَ" بالنصب وكأنه أراد العبارة أن تكون: "لم يرض أن يرصد للمدح" والمثبت من (ت) و(م).
(٥) في (م): "كذلك لا يصح".
(٦) ما بين المعقوفين ليس في (ت) وفي (م): "قال أبو سليمان" بدلًا منها.
(٧) في (ظ): "وما ".
(٨) في (م): "تسبَّنَّ" بالتاء.
[ ١٠٧ ]
الدَّهْرُ" إذْ لَسْتُ أُبْعِدُ أنْ يَظُن بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أنَّ الدَّهْرَ مِنْ أسْمَاءِ الله -سُبْحَانَهُ (١) -. وَذَلِكَ مَا (٢) لَا يَجُوزُ، وَلَا يَسُوْغُ تَوَهمُهُ بِحَالٍ. وإنما مَعْنَى هَذَا الكَلَامِ أن أهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانَ منْ عَادَاتِهم، إذَا أصَابَ الوَاحِدَ مِنْهُمْ مَكْرُوْهٌ، أو نَالَهُ ضَرَرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِ مُصيْبَةٌ أنْ يُضِيْفَهَا [إلَى الدَّهْرِ] (٣)؛ فَيَقُوْلُ: (يَا خَيْبَةَ الدَّهْر) [ويا سوءة الدهر] (٤) وَنَحْوَهَا مِنَ الكَلَامِ، يَسُبُّونَ الدَّهْرَ عَلَى أنهُ الفَاعِلُ لِهَذَهِ الأمُوْرِ وَلَا يَرَوْنَهَا صَادِرَة مِنْ قِبَلِ اللهِ -[جَل وَعَز] (٥) - وَكَائِنَة بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَنَهَاهُم عَنْ هَذَا القَوْلِ وَأعْلَمَهُمْ أن جَميْعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الله -سُبحَانهُ- وَأنَّ مَصْدَرَهَا مِنْ قِبَلِه وَأنكمْ مَهْمَا سبَبْتُمْ فَاعِلَهَا كَانَ مَرْجِعُ السَّبِّ إلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ-[وتعالى] (٦) وَكَانَ أبو بَكْرِ بْنُ دَاودَ الأصْبَهَاني لَا يَرَى أنْ يُرْوَى هَذَا الحَدِيْثُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَكَانَ يَزْعُمُ أنهُ إنما اخْتَصَرَهُ بَعضُ الرُوَاةِ ثِمنْ (٧) لَا بَصَرَ لَهُ بِمَعَانِي الكَلَامِ. وَكَانَ يَرْويهِ مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ بِزِيَادةِ ألفاظٍ (٨) مُحْتَمِلَةٍ لِلْتأويلِ (٩)، وَقَدْ حدثناه أحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيْمَ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوْسَى، قَالَ: حَدثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) في (ت): "من أسمائه تعالى".
(٢) في (م): "مما".
(٣) ما بين المعقوفين سقط من (م).
(٤) ما بين المعقوفين ليس في (ظ).
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (ت) وفي (م): "﷿".
(٦) في (ت): "تعالى" فقط وفي (ظ): "سبحانه" فقط.
(٧) في (م): "مما".
(٨) في (ظ): "ألفاظه".
(٩) في (ت): "لتأويل".
[ ١٠٨ ]
حَدثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدثَنَا الزهْرِي عَنْ سَعِيْدِ بْنِ المُسَيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
[٤٢] قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ (١) -: "قَالَ الله تَعَالَى: يُؤْذِيْني ابْنُ آدم، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأنَا الدهرُ، بِيَدِي الأمْرُ، أقَلبُ الليْلَ وَالنهارَ"، كَانَ أبو بَكْرٍ يَرْويهِ وَأنَا الدهْرَ، مَفْتُوْحَةَ الراءِ، مَنْصوبًا عَلَى الظرْفِ أيْ: أنَا طُولَ الدهْرِ، بِيَدِي اْلأمْرُ، اقلِّبُ الليْلَ والنهَارَ. وَكَانَ يَقُولُ: لو كانَ مَضْمُومًَا لانقلَبَ الدهرُ اسْمًَا مِنْ أسْمَاءِ الله -جلَّ وعزَّ وَعَلا (٢) -. قُلْتُ (٣): وَوَجهُ الحَدِيْثِ وَمَعنَاهُ مَا ذَكَرْتُهُ أولًا [والله أعلَمُ] (٤) وَهَاهُنَا حَرْفٌ يُروَى عَنْ مُجَاهِدٍ، أنَا مُرتَابٌ بصحته (٥) أبَدًَا- وَهُوَ مَا يُروَى عَنْهُ (٦) مِنْ قَوْلهِ:
[٤٣] "لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جَاءَ رَمَضَانُ، وذَهَبَ رَمَضَانُ فَلَعَلَّهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٤٨٢٦ تفسير وبرقم ٧٤٩١ توحيد، ومسلم برقم ٢٢٤٦ ألفاظ، وأبو داود برقم ٥٢٧٤، والإمام أحمد ٢/ ٢٣٨، ٤٩١، ٤٩٦، ٤٩٩، ٥٠٦ وغريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩٠.
(٢) نقل الإمام الطبري في التفسير ٢/ ١٤٤: عن مجاهد أنه كره أن يقال: "رمضان" ويقول: لعله اسم من أسماء الله، لكن نقول كما قال الله: "شهر رمضان".
(٣) زيادة من (م).
(٤) كلمة: "وعلا" ليست في (ت) ولا في (م)، وفي (م): "تعالى" بدل: "جل وعز".
(٥) في (ت) و(ك): "قال أبو سليمان".
(٦) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٧) في (ظ): "لصحته".
(٨) سقط: "عنه" كما (م).
[ ١٠٩ ]
اسْم مِنْ أسْمَاءِ الله" (١).
حَدثنا ابْنُ السَّماكِ، قَالَ: حَدثَنَا يَحْيىَ بْنُ أبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ الوَهابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ حُمَيْدٍ الأعْرَج عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ذلكَ. وَهَذَا شَيْءٌ لا أعْرِفُ لَهْ وَجْهًَا بِحَالٍ، وأنَا أرْغَبُ عَنْهُ وَلَا أقُولُ بِهِ.
_________________
(١) = وفي تفسير ابن كثير ١/ ٣١٠ عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: "شهر رمضان"، قال ابن أبي حاتم وقد روى عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك. ورخص فيه ابن عباس وزيد ابن ثابت. ومدار الحديث عنده على أبي معشر، قال ابن كثير: هو نجيح بن عبد الرحمن المدني، إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه عنه فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار؛ فإنه متروك. وقد وهم في رفع هذا الحديث. وقد انتصر البخارى -﵀- في كتابه لهذا فقال: "باب يقال رمضان؛ وساق أحاديث في ذلك منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" ونحو ذلك. اهـ منه. وقال السيوطي في اللآلىء ٢/ ٩٧، وصاحب تنزيه الشريعة ٢/ ١٥٣: عن ابن عدي: إن الحديث موضوع، آفته أبو معشر نجيح. قال ابن معين "ليس بشيء". وتعقب بأن البيهقي أخرجه في سننه من طريقه، واقتصر على تضعيفه، ثم قال: وقد قيل عن أبي معشر عن محمد بن كعب: من قوله. وهو أشبه. ثم رواه بسنده. ثم قال: وقد روى ذلك عن مجاهد والحسن والطريق إليهما ضعيف. انتهى. وفي تذكرة الموضوعات ص ٧٠ قلت: هو ضعيف لا موضوع، وله شاهد قول مجاهد.
(٢) في (ت): "لا تقول جاء رمضان لعله ".
[ ١١٠ ]