أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَصْدَرٌ، مِنْ قولكَ: دَعَوتُ الشيْء، أدعوه، دُعَاءً. أقَامُوا المَصدَرَ مُقَامَ الاسْمِ. تَقُوْلُ: سَمِعْتُ دُعَاءً كَمَا تَقُوْلُ: سَمِعْتُ صَوْتًَا، وكما (١٠) تقُوْلُ: اللهم اسْمَعْ دُعَائي. وَقَدْ يوضع المصدر مَوْضِعَ الاسم. كقولهم: رجل عَدْل، وَهَذَا (١١) دِرْهَم ضرب الأمير، وَهَذَا ثوب نَسج اليَمَنِ.
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) في (م): "ذحظ". وفي القاموس: "دحض" بمعنى زلق.
(٣) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٤) في (م): "الجد".
(٥) في (م): "يؤمن منه الفتان".
(٦) ليست في (م).
(٧) عبارة (م): "من ذلك أكرمكم الله" على التقديم والتأخير.
(٨) في (م): "الإنجاز".
(٩) زيادة من (م).
(١٠) "كما" ليست في (م).
(١١) "هذا" ليست في (م).
[ ٣ ]
وَمَعْنىَ الدعَاءِ: استدعَاء العَبْدِ رَبهُ -﷿- العِنَايَةَ واستمداده إياه المَعُوْنَةَ.
وَحَقِيْقَته: إظْهَارُ الافْتِقَارِ إلَيهِ، والتبَرُّؤ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوة، وَهوَ سِمَةُ العبودية، واسْتِشْعَارُ الذِّلةِ البَشَرِيةِ، وَفيهِ مَعْنَى الثنَاءِ عَلى الله [﷿] (١)، وإضَافَةُ الجود، وَالكَرَمِ إليه؛ وَلذَلِكَ
[١] قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "الدعَاءُ هُوَ العِبادة".
حَدثَنَا: ابنُ الأعْرَابي، قَالَ: حَدثَنَا: بَكْرُ بن فَرقَدٍ التمِيْمِي قَالَ: حَدثَنَا: أبو دَاود قَالَ: حَدثَنَا شُعْبَة، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الحَضْرَمي، عَنِ النعْمَانَ بنِ بَشِيْر: أن النبِي - ﷺ - قَالَهُ، وَحَدثَنِيْهِ: محمد بن الحسن بْنِ عَاصِمٍ. قَالَ: حَدثَنَا: محمد بنُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم /٢٩٦٩/ وبرقم /٣٢٤٧/ تفسير، وبرقم /٣٣٧٢/ دعوات، وأبو داود برقم/١٤٧٩/ صلاة، وابن ماجه برقم /٣٨٢٨/ فضل الدعاء، والإمام أحمد ٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦، وجامع الأصول ٢/ ٢٤ و٩/ ٥١١، وابن أبي شيبة في المصنف برقم /٩٢١٦/، والبخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٨ برقم /٧١٤/، والحديث عند الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩١، وقال حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان برقم /٢٣٩٦/ موارد، وقد خرجناه في رياض الصالحين ص ٥٥٤ بسند صحيح. قال ابن حجر في شرح الفتح ١١/ ٩٤، في أول كتاب الدعوات: أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم. وقال العجلوني في الكشف ١/ ٤٠٣: رواه مسلم. ولم أجده فيه.
(٢) زيادة من (م).
[ ٤ ]
إسْحاقَ بن خُزَيمةَ قَالَ: حَدثَنَا: أبو مُوْسَى، قَالَ: حَدثَنَا: عَبْدُ الرحْمَنِ -[يعني (١) -] ابنَ مهدي- قَالَ: حَدثَنَا شُعْبَةُ: عَن مَنْصُور، عَنْ ذر، عن يُسَيعٍ، عَنِ النعْمَانَ بنِ بشير، عَنِ النبِي - ﷺ -[أنه] (٢) قَالَ: "إن الدعَاءَ هِيَ العبادة"، وَقَرأ: (وَقَالَ ربكم ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُم) [غافر/ ٦٠]. [قَالَ أبو سُلَيمَانَ:] (٣)
هَكَذَا قَالَ في روَايَةٍ: "إن الدعَاءَ هِيَ العِبَادةُ"، وإنما أنَّثَ عَلَى نيةِ الدعوة، أوِ المَسألَةِ، أوِ الكَلِمَةِ، أوْ نَحْوَهَا، وَقَوْلُهُ: "الدعاء هُوَ العِبَادَةُ" مَعْنَاهُ أنهُ مُعْظَمُ العِبَادَةِ، أوْ أفْضَلُ العِبَادةِ، كَقَوْلهم: الناس بنو (٤) تَميْمٍ، وَالمَالُ الإبِلُ، يُرِيْدُوْنَ: أنهم أفْضَلُ الناس، أو أكْثرُهُمْ عَدَدًَا أوْ مَا أشبَهَ ذَلِكَ (٥)، وَإن الإبِلَ أفْضَلُ أنوَاعِ الأموَالِ، وَأنبَلُهَا. وَكَقَولِ النبِي - ﷺ -:
[٢] "الحَج عَرَفَةُ". يُرِيْدُ: أن مُعْظَمَ الحَجِّ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم /٨٨٩/ حج، وأبو داود برقم /١٩٤٩/ مناسك، والنسائي ٥/ ٢٦٤ باب "في من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة"، وابن ماجه برقم /٣٠١٥/ مناسك، والإمام أحمد ٤/ ٣٠٩، ٣١٠، وصححه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٤، ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارمي ٢/ ٥٩، وابن حبان في صحيحه برقم /١٠٠٩/ موارد، وفي جامع الأصول ٣/ ٢٤١ بإسناد صحيح. كلهم من حديث عبد الرحمن =
(٢) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٣) زيادة من (م).
(٤) زيادة من (م).
(٥) سقطت "بنو" من (م).
(٦) "ذلك" ليست في (م).
[ ٥ ]
وذلك؛ لأنه إذَا أدرَكَ عَرَفَةَ، فَقَدْ أمِنَ فَوَاتَ الحَج. ومثله في الكلام كثير.
وَقَد اخْتَلَفَت مَذَاهِبُ الناسِ فِي الدعَاءِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا مَعْنَى للدعاء وَلَا طَائِلَ لَهُ لأن الأقْدَارَ سَابِقَةٌ والأقْضِيَةُ مُتَقَدمَةٌ، وَالدعَاءُ لَا يَزِيدُ فِيْها، وَتَرْكُهُ لَا يُنقِصُ شَيْئًَا منها وَلاَ فَائِدَةَ في الدعَاءِ والمسألةِ.
[٣] وَقَد قَالَ - ﷺ -: "قَدرَ اللهُ المَقَاديْرَ، قَبلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، بِكَذَا وَكَذَا عَامًَا".
[٤] ورُويَ عَنْهُ - ﷺ -: أنهُ قَالَ: "جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائن".
_________________
(١) = ابن يعمر الديلي، ووقع في الموارد "معمر" وهو تحريف. قال أبو عيسى الترمذي: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج.
(٢) أخرجه مسلم برقم /٢٦٥٣/ قدر (١٦)، والترمذي برقم /٢١٥٦/ قدر (١٨)، والإمام أحمد ٢/ ١٦٩. ولفظ مسلم والترمذي: "كتب الله بخمسين ألف سنة"، وعند أحمد: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة".
(٣) أخرجه الإمام أحمد ٢/ ١٩٧ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص آخر حديث طويل بلفظه وفي ص ١٧٦ منه بلفظ "جف القلم على علم الله ﷿"، وفي مجمع الزوائد ٧/ ١٨٩ من حديث عبد الله بن جعفر وفي ص ١٩٣ منه من حديث ابن عمرو كما هو في المسند. قال الهيثمي: رواه أحمد بإسنادين والبزار والطبراني ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات. =
[ ٦ ]
[٥] ورُوِيَ [عَنْهُ - ﷺ -] (١): "أرْبَعٌ قَدْ فَرَغَ [الله] (٢) مِنْهَا: العُمر، والرزْقُ، والخَلْقُ والخُلُقُ]. أو كما قال.
وقالت [طائفة] (٣) أخْرَى: الدعاء وَاجِبٌ. وَهُوَ يَدْفَعُ البَلَاءَ، ويرُدُّ القَضَاءَ.
[٦] وَاحْتَجوا بِمَا رُوِيَ [عن النبي - ﷺ - أنهُ] (٤): "لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إلا الدُّعَاء".
_________________
(١) = وقال ابن حجر في شرح الفتح ١١/ ٤٩٢ أثناء شرحه لحديث أبي هريرة؛ "جف القلم بما أنت لاقٍ": ووقع لفظ "جف القلم" أيضًا في حديث جابر عند مسلم، وفي آخر حديث ابن عباس الذي فيه "احفظ الله يحفظك" ففي بعض طرقه: "جفت الأقلام وطويت الصحف" وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني في حديث: "واعلم أن القلم قد جف بما هو كائن" وانظر كشف الخفاء ١/ ٣٠٧، ٣٣٢.
(٢) في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٥ "باب فيما فرغ منه" من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: "أربع قد فرغ منهن: الخُلقُ والخَلْقُ والرزق والأجل " وللحديث شواهد في الصحيحين عند البخاري ٦/ ٣٠٣ حديث رقم /٣٢٠٨/، ومسلم قدر رقم /٢٦٤٣/، وعند الترمذي ٦/ ٣١٠، وأبي داود ٥/ ٨٢، وابن ماجة ١/ ٢٩، من حديث عبد الله بن مسعود من حديث طويل: " ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ".
(٣) أخرجه الترمذي من حديث سلمان الفارسي ﵁ ٤/ ٤٤٨ برقم /٢١٣٩/، وعند ابن ماجه مقدمة رقم ٩٠ وفتن رقم /٤٠٢٢/ من =
(٤) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (م).
(٧) عبارة (م): "أنه - ﷺ - قال: لا يرد ".
[ ٧ ]
[٧] وَ[بِمَا رُوِيَ] (١): "أن الدعَاءَ، والقَضَاءَ، يَلْتَقِيَانِ فَيَعْتَلِجَانِ (٢) مَا بينَ السمَاءِ والأرْضِ".
وَقالَ آخَرُونَ: "الدعَاءُ وَاجِب، إلا أنه لَا يُسْتَجَابُ مِنْهُ إلا مَا وَافَقَ القَضَاء". وَهَذَا المَذْهَبُ هو الصحيح، وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ السنة وَالجَمَاعَةِ، وفيه الجَمْعُ بين الأخْبَارِ المَرْوِيةِ عَلَى اخْتلَافِهَا والتوفيق بينها.
فَأمْا مَنْ ذهب إلَى إبْطالِ الدعَاءِ، فَمَذْهَبُهُ فَاسِدٌ؛ وذلك أن الله. سُبْحانَهُ- أمَر بالدعَاءِ، وَحَضَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (ادْعُوني أسْتَجبْ لَكُمْ) [غافر/٦٠] وَقَالَ [﷿] (٣): (ادْعُوا رَبكم تَضَرُّعًَا وَخُفْيَة) [الأعراف/٥٥]. وَقالَ [تعالى] (٣): (قُلْ مَا يَعْبأ بِكُم رَبي
_________________
(١) = حديث ثوبان والإمام أحمد ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، وفي الداء والدواء ص ٨ والحاكم ١/ ٤٩٣ بإسناد صحيح ووافقه الذهبي والحديث بتمه: "لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وانظر كشف الخفاء ١/ ٤٠٤.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٢، والهيثمي في الزوائد ١٠/ ١٤٦، من حديث عائشة ﵂، وفي سنده زكريا بن منظور قال عنه الذهبي: مجمع على ضعفه وقال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، وفيه زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات، ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة -وهو عند البزار- وفي سنده إبراهيم بن خيثم بن عراك وهو متروك. وانظر كشف الخفاء ١/ ٤٠٤، وذكره الخطابي في غريب الحديث ٢/ ١٤٥.
(٣) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٤) على حاشية (ظ): "أي: يصطرعان".
(٥) زيادة من (م).
[ ٨ ]
لَوْلَا دُعاؤُكم) [الفرقان/٧٧] في آيٍ ذوات (١) عدد في القرآن.
وَمَنْ أبْطَلَ الدعاء (٢)، فَقَدْ أنْكَر القُرآنَ، وَرَدَّهُ. وَلَا خَفَاءَ بِفسَادِ قَوْلهِ، وَسُقُوطِ مَذْهَبِهِ.
فَإنْ قِيْلَ: فَإذَا كَانَ الأمْر على مَا ذَكَرتمُوهُ مِنْ أن الدعاء: لَا يَدْفَعُ ضَررًَا، وَلَا يَجْلِبُ نَفْعًَا، لَمْ يَكُنْ جَرَى بِهِ القَضَاءُ، فَمَا فَائِدَتُهُ؟ وَمَا مَعْنى الاشْتِغَالِ بهِ؟ فَالجَوَابُ: إن هَذَا مِنْ جُمْلَةِ البَاب الذِي وَقَع التعَبُّدُ فِيْهِ بِظَاهِر مِنَ العِلْم، يَجْرِي مَجْرَى الأمَارَةِ المُبَشِّرَةِ، أوِ المُنْذرَةِ، دون العِلة الموجبة، وَذلِك -والله أعْلَمُ- لِتَكُوْنَ المُعَامَلَةُ فِيهِ عَلَى مَعْنَى الترَجي، والتعَلُّقِ بالطمَعِ البَاعِثين عَلَى الطلَبِ دون اليَقين الذي يَقَعُ مَعَهُ طُمَأنِيْنَةُ النفْسِ، فَيُقْضَى بِصَاحِبِهِ إلَى ترك العَمَلِ والإخْلَاد (٣) إلَى دَعَةِ العُطْلَةِ. فَإن العَمَلَ (٤) الدائرَ بَينَ الظفَرِ، بالمَطْلُوبِ (٥) وبْينَ مَخَافَةِ فَوتهِ، يُحرك عَلَى السعي لَهُ، وَالدأبِ فِيْهِ، وَاليَقينُ يُسْكِنُ (٦) النفْسَ، [وُيرِيْحُهَا] (٧)، كَمَا اليَأسُ [يُبَلِّدُهَا وَيُطْفِئُهَا] (٧)، وَقَدْ قَضَى اللهُ -سُبْحَانَهُ- أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُمتحَنًا، وَمُسْتَعْمَلًا، وَمُعَلَّقًَا بينَ الرجَاءِ، والخَوْفِ اللذَينِ هُمَا مَدْرَجَتَا
_________________
(١) في (ظ): "ذات" وعلى حاشيتها وفي (م): "ذوات".
(٢) في (م): "فمن إبطال الدعاء".
(٣) في (ظ): "الإخلا" وصوابه من (م).
(٤) في (ظ): "الأمر".
(٥) في (ظ): "والمطلوب".
(٦) في (ظ): "تسكين".
(٧) في (م) "يربحها" و"ببلهما وبطفئها".
[ ٩ ]
العبودية؛ لِيُستَخْرَجَ (١) مِنْهُ بِذَلِكَ الوَظَائِفُ المَضْرُوبَةُ عَلَيْهِ، التي هِيَ سِمَةُ كُل عَبْدٍ، وَنصْبَةُ كُل مَربُوب، مُدَبَّرٍ (٢)، وَعَلَى هَذا بُني الأمْرُ فِي مَعَاني مَا نَعْتَقِدُهُ فِي مَبَادِيءِ الأمُورِ التي هِيَ الأقْدارُ، وَالأقْضِيَةُ، مَعَ التِزَامِنَا الأوَامِرَ التي تُعُبِّدْنَا (٣) بِهَا، ووُعِدْنا عَلَيْهَا فِي المَعَادِ، الثوابَ وَالعِقَابَ.
ولمَاْ عَرَضَ فِي هَذَا مِنَ الإشْكَالِ، مَا سَألَتِ الصحَابَةُ: رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالُوا:
[٨] "أرَأيتَ أعْمَالَنَا هَذِهِ أشيْءٌ قَدْ فُرغَ مِنْه، أمْ أمْرٌ نَسْتَأنفُهُ؟ فَقال: بَلْ هُوَ أمْرٌ قدْ فُرغ مِنْهُ. فَقَالُوا: فَفِيْمَ العَمَلُ إذًَا؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَكُل مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. قَالُوا: فَنَعْمَلُ إذًا".
ألَا تَرَاهُ كيْفَ عَلَّقَهُمْ بينَ الأمْرينِ، فَرَهَنَهُمْ (٤) بِسَابِقِ القَدَرِ المَفرُوْغِ مِنْهُ، ثُم ألزَمَهُم العَمَلَ الذِي هُوَ مَدْرَجَةُ التعَبدِ، لِتَكُونَ تِلْكَ الأفْعَالُ أمائر (٥) مُبَشِّرَة، وَمُنْذرَة، فَلمْ يُبْطِلِ السبَبَ -الذِي هُوَ
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه برقم /٢٦٥٠/ بلفظ قريب من هذا عن أبي الأسود الدقلي، وابن حبان من حديث عمر بن الخطاب ﵁ برقم /١٨٠٧/، ومن حديث جابر برقم /١٨٠٨/ في الموارد.
(٢) في (م): "يستخرج".
(٣) في (ظ): "ومدبَّر" بزيادة واو العطف.
(٤) في (م): "يعبدنا".
(٥) في (م): "فدهنهم".
(٦) في حاشية (ظ): "في: أمارة" قلت: وهذا جمع قياسي من صيغ منتهى الجموع فكل ما كان منه على وزن فعالة فجمعه فعائل. مثل سحابة وسحائب.
[ ١٠ ]
كَالفَرْعِ- بالعِلةِ التي هي لَهُ كَالأصلِ، وَلم يَتْرُك أحَدَ الأمْرَينِ لِلآخَرِ. وَأخْبَرَ مَعَ ذلِكَ أن فَائِدَةَ العَمَلِ هُوَ القَدَرُ المَفْرُوغُ مِنْهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلهِ [- ﷺ -] (١): "فكل ميسرٌ لما خُلِقَ له". يُرِيدُ: أنه مُيَسر فِي أيامِ حَيَاتِهِ لِلْعَمَلِ الذِي سَبَقَ لَهُ القَدَرُ بِهِ قَبلَ وَقْتِ وُجُودهِ، وَكَونهِ، إلا أن الوَاجِبَ. [عَلَيْك هَا هُنَا] (٢) أنْ تَعْلَمَ فَرْقَ (٣) مَا بَيْنَ المُيَسرِ، والمُسَخرِ (٤)، فَتَفَهَّمْ.
وَكَذَلِكَ القَولُ فِي بَاب الرزقِ، وَفِي التسَبُّب إليه بِالكَسْبِ، وَهُوَ أمْر مَفْرُوْغ مِنْهُ فِي الأَصْلِ، لا يَزِيدُهُ الطلبُ، وَلَا ينقِصُهُ التركُ.
وَنَظيرُ ذلِكَ؛ أمرُ العُمْرِ، وَالأجَلِ المَضْرُوبِ فِيْهِ فِي قَوْلهِ [﷿] (٥): (فَإذَا جَاءَ أجَلُهُم لَا يَسْتَأخِرُوْنَ سَاعَة وَلاَ يَستقدمُونَ) [الأعراف/ ٣٤].
ثُم قدْ جَاءَ فِي الطِبِّ (٦)، والعِلَاجِ، مَا جَاءَ، وَقَدْ اسْتَعمَلَهُ عَامةُ أهْلِ الدين مِنَ السَّلَفِ، والخَلَفِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بأن مَا تَقَدمَ مِنَ الأقْدارِ، والأقْضِيَةِ لَا يَدْفَعُها التعَالُجُ بِالعَقَاقِير (٧)، وَالأدوِيَةِ.
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) عبارة (م): "هنا عليك ".
(٣) في (م): "فوق" وهو خطأ واضح.
(٤) في اللسان (سخر- يسر): يسره الله لليسرى، أي: وفقه لها، والميسر المعَدُّ- والمسخر: كل مقهور مدبر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر.
(٥) في (م): "تعالى".
(٦) في (م): "الطلب" وهو خطأ لعله من الناسخ.
(٧) في (ظ): "والعقاقير".
[ ١١ ]
وإذَا تأملْتَ هَذِه الأمُورَ، عَلِمتَ أن -الله سُبحَانَهُ- قَدْ لَطَفَ بعباده؛ فَعَلَّلَ طِبَاعَهُم البَشَرِيةَ بِوَضْع هَذِهِ الأسْبَابِ؛ لِيأنَسوا (١) بِهَا، فَيُخَففُ (٢) عَنْهم ثِقَلَ الامْتِحانِ التي تَعَبدَهُم بهِ، وَليَتَصَرفُوا بِذَلِكَ بَيْنَ الرجَاءِ، والخَوْفِ، وَليَسْتَخْرِجَ مِنْهُم وَظَيْفَتَيْ الشكْرِ، والصبرِ فِي طَورَيْ السَّرَّاءِ، والضراءِ، والشدةِ، والرخاءِ، وِمْن ورَاءِ ذلِكَ عِلْمُ اللهِ [تَعَالَى] (٣) فِيْهِمْ، ولله عَاقِبَةُ الأمُوْرِ، وَهُوَ العَلِيْمُ الحكيم، لا مُعَقبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا راد لِقضَائِهِ (لا يُسألُ عَما يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْألون) [الأنبياء/٢٣].
فَإن قِيلَ فَمَا تأوِيلُ قَوْلهِ [سُبْحَانَه] (٤): (ادعُوني أسْتَجِبْ لَكم) [غافر/٦٠]، وَهُوَ وَعْدٌ مِنَ الله [جل وعز] (٤) يَلْزَمَُ الوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يجوْزُ وُقُوْعُ الخُلْفِ فِيْهِ؟ قِيلَ هَذَا مُضْمَرٌ فِيْهِ المَشِيْئَةُ [كَقَوْله: (بل إياهُ تدعُونَ فَيَكشِفُ مَا تَدْعُونَ إليه إنْ شَاءَ)] (٤) [الأنعام/ ٤١]، وَقَدْ يَرِدُ الكَلَامُ بِلَفْظٍ عَام، مُرَادُهُ خَاصٌّ، وَإنما يُسْتَجابُ مِن الدعَاءِ مَا وَافَقَ القَضَاءَ، وَمَعْلُومٌ أنهُ لَا تَظْهرُ لِكُل داع اسْتِجَابَة دعائِهِ؛ فَعَلمتَ أنهُ إنما جَاءَ في نوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ بِصِفةٍ مَعْلوْمَةٍ. وقد قِيْلَ: مَعْنَى الاسْتِجَابَةِ: أن الداعِي يُعَوَّضُ مَن (٥) دُعَائِهِ عِوَضًَا مَا، فَرُبما كَانَ ذلِكَ [(٦) إسعافًا بطلبتِهِ الَتى
_________________
(١) في (م): "ليتأنسوا".
(٢) في (م): "فخفف".
(٣) زيادة من (م).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٥) في (ظ): "عن".
(٦) بداية سقط كبير من (م) ينتهي في ص ٥٦ وقبل المعقوف كلمة: "بمعنى".
[ ١٢ ]
دَعَا لَهَا، وذلك إذَا وَافَقَ القَضَاءَ. فَإنْ لَمْ يُساعِدْهُ القَضَاء، فإنه يُعْطَى سَكِيْنَة في نَفْسِه، وانشراحًا في صدرِهِ، وصبْرَا يَسْهُلُ معهُ احتمالُ ثِقَلِ الوارداتِ عليه، وعلى كل حالٍ فلا يَعْدَمُ فائدةَ دعائِهِ، وهو نوع من الاستجابةِ.
[٩] وَقَدْ رَوَى: أبو هُرَيْرَةَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله، ﷿، يَسْألهُ مَسْألَة إلا أعْطَاهُ إياهُ إما عَجَّلَهَا لَهُ في الدنيا، وإما ادَّخَرَها لَهُ في الآخِرةِ، ما لم يَعْجَلْ، قالوا: وَمَا عَجَلَتُهُ؟ قال: يقولُ: دَعَوْتُ، دَعَوْتُ، فَلَا أرَاهُ يُسْتَجَابُ لِي".
قال الشيخ -﵁-: وإذا ثبتَ معنى الدعاء، ووجوبُ العملِ بِهِ؛ فإن من شرائِطِ صِحتِهِ، أنْ يكونَ ذلك مِنَ العَبْدِ بإخلاصِ نِيَّتهِ، وإظهارِ فَقْرٍ، وَمَسْكَنَةٍ، وعلى حالِ ضَرْعٍ، وخُشوعٍ، وأنْ يكون على طهارةٍ من الداعي، واستقبالٍ للقِبْلَة، وأنْ يُقَدمَ الثناءَ على الله -﷿- والصلاةَ على رسول الله - ﷺ - أمَامَ دُعَائِهِ، ومِنْ سُنتِهِ أن يَرْفَعَ إلى الله -﷿- يَدَيهِ، باسِطًَا
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٤٤٨ من حديث أبي هريرة إلى قوله: "يدخرها له" وطرفه الأخير خرّجناه في رياض الصالحين ص ٥٦٣ - ٥٦٤ من حديث أبي هريرة أيضًا عند البخاري بشرح الفتح برقم /٦٣٤٠/ دعوات، ومسلم برقم /٢٧٣٥/ ذكر، والترمذي برقم /٣٣٨٤/ دعوات، وأبي داود برقم /١٤٨٤/ صلاة، وابن ماجه برقم ٣٨٥٣/ دعاء، والموطأ ١/ ٢١٣ برقم ٢٩، والحاكم ١/ ٤٩٧ ما عدا طرفه الأخير بسند صحيح ووافقه الذهبي.
[ ١٣ ]
كفيهِ، غيرَ ساتِرٍ لَهُما بثوبٍ، أو غطاءٍ، ويُكْرَهُ فيهِ الجهْرُ الشديدُ بالصوتِ، وتكْرَهُ الإشارةُ فيهِ بأُصبُعين، وإنما يشيرُ بالسبابَةِ من يَدِهِ اليُمنى فقط.
[١٠] وقد رأى رسولُ الله - ﷺ - رجلا يُشيرُ بأصْبُعَينِ، فقال له: "أحِّدْ أحِّدْ".
وُيسْتَحبُّ الاقتصارُ على جوامعِ الدعاء، ويُكرَهُ الاعتداءُ فيهِ، وليس معنى الاعتداءِ الإكثارَ منْهُ.
[١١] فقد رُوي عنه - ﷺ - أنهُ قَال: "إن الله يُحبُّ المُلِحِّينَ في الدعاءِ". وقال:
[١٢] "إذَا دَعَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتكثِرْ، فإنما يَسألُ رَبَّهُ". وإنما هو مثل ما روي عن سعد: أنه سَمِعَ ابنًا لَهُ يقول:
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم /١٤٩٩/ صلاة، والترمذي برقم /٣٥٥٧/ دعوات، والنسائي ٣/ ٢٨ سهو، والحاكم ١/ ٥٣٦، وكنز العمال ٢/ ٦١٧، وأخرجه الشيخ ناصر في صحيح الجامع الصغير ١/ ١١٤ بسند صحيح، وخرجه الحافظ العراقي في الإحياء ١/ ٣٠٥ وقال: أخرجه النسائي وقال: حسن وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد. قلت: لم أجده في سنن ابن ماجه، ولعل الحافظ العراقي -﵀- توهّم حديث بلال الذي يقول فيه: أحدٌ أحدٌ. انظر ابن ماجه مقدمة برقم ١٥٠.
(٢) الحديث في الداء والدواء ص ٨، وشرح عين العلم ١/ ١٠٥.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم ٢٤٠٣ (موارد) من حديث عائشة ﵂.
[ ١٤ ]
[١٣] "اللهم إني أسألُكَ الجنةَ، ونعيمَهما، وبَهْجَتَها، وكذا، وكذا، وأعوذُ بكَ مِنَ النارِ وسلاسِلِهَا وأغلالِهَا وكذا وكذا، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنهُ سَيَكُونُ قوم يَعْتَدونَ في الدعاءِ" فإيَّاكَ أنْ تكونَ منهم، فإنكَ إذا سَألْتَهَا، فَأُعْطِيْتَها، أُعْطِيْتَهَا وَمَا فِيها، وإذا تَعَوَّذْتَ من النارِ، فَأُعِذْت مِنْها، أُعِذْتَ مِنْها ومما فِيْها من الشر".
ويُكْرَهُ في الدعَاءِ السَجع، وتَكَلفُ صنعةِ الكلامِ لَهُ، ولا يجوزُ أنْ يُدْعا بالمُحال، وأنْ يطلب ما لا مَطْمَعَ فيه، كَمَنْ يدعُو بالخلودِ في الدنيا، وقد علم، أن الله -سبحانهُ- استأثَرَ بالبقاءِ، وكتَبَ الفناءَ على جميعِ خَلْقِهِ. ولا يدعو بمعصيةٍ، ولا بقطيعةِ رَحمٍ، ونحوها من الأمورِ المحظورةِ، وَلْيَتَخيَّرْ لدُعائهِ، والثناءِ على ربهِ، أحسنَ الألفاظِ، وأنبَلَها، وأجمعَها للمعاني، وأبينَها؛ لأنهُ مناجاةُ العبدِ سَيِّدَ الساداتِ الذي ليس لهُ مثل، ولا نظيرٌ، ولو تقدم بعضُ خَدَم ملوكِ أهل الدُنيا إلى صاحِبِه، ورئيسِهِ في حاجةٍ، يرْفَعُها إليهِ، أو معُوْنَةٍ يطلبُها منْهُ، لَتَخَير لهُ محاسِنَ الكلامِ، ولَتَخَلَّصَ إليه بأجودِ ما يقدرُ عليه من البيانِ، ولئن لم يستعملْ هذا المذهبَ في مخاطبَتِهِ إيَّاهُ، ولم يَسْلُك هذهِ الطريقةَ فيها معهُ، أوشَكَ أن ينبوَ سمْعُهُ عن كلامِهِ، وأنْ لا يحظى بطائلٍ من حاجَتِهِ عندَهُ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم ٩٦ طهارة، وابن ماجه برقم ٣٨٦٤ دعاء، وابن حبان برقم ١٧١ موارد، ورواه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٨٦، ٨٧، و٥/ ٥٥، والحاكم ١/ ٥٤٠ من حديث عبد الله بن مغفل بسند صحيح ووافقه الذهبي.
[ ١٥ ]
فما ظنُّكَ برَبّ العِزةِ -سُبحانَهُ- وبمقامِ عبدِهِ الذَّلِيْلِ بينَ يَدَيْهِ، ومَنْ عَسَى أنْ يبلغَ بجهدِ بَيَانِهِ كُنْهَ الثناءِ عليهِ؟ وهذا رسولُهُ، وصفيُّهُ - ﷺ - قد أظهرَ العَجْزَ، والانقطاعَ دونَه؛ فقالَ في مناجاتِهِ:
[١٤] "وأعوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عليكَ أنْتَ، كما أثنيتَ على نفسك". فسبحانَ من جَعَل عَجْزَ العاجِزِينَ عن شُكْرِهِ، والثناء عليه شكرًا لهم، كما جَعَل معرفة العارفينَ بأنهم لا يُدْركُونَ كُنْهَ صِفَتِهِ إيمانًا لهم، وقد أُولعَ كثيرٌ من العامَّةِ بأدْعِيَةٍ مُنْكَرةٍ اختَرَعُوها، وأسماءٍ سَمَّوْها، ما أنزلَ الله بِها من سُلطانٍ وقد يوجَدُ] (١) في أيديهمْ دستورٌ من (٢) الأسماء، والأدعيةِ يُسَمَّوْنَه: "الألفَ الاسم" (٣). صَنَعَهَا لهُمْ بعضُ المُتكَلِّفِين مِن أهل الجَهْلِ، والجُرأةِ على الله، عزَّ، وجل (٤)، أكثرُها زورٌ، وافتراء على اللهِ، عز، وجل (٥)، فَلْيَجتنبْهَا (٦) الدَّاعي إلا ما وافقَ منها الصوابَ. إنْ شاء الله، تعالى (٧).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم ٢٢٢ صلاة وسيأتي الحديث برقم (٨٨) فلينظر تخريجه هناك.
(٢) نهاية سقط (م) المشار إليه في ص ١٢ وقد جاء في نهايته سطران ونصف السطر لا علاقة لهما بما بعدهما.
(٣) في (م): "في" بدل "من".
(٤) في (م): "ألف اسم".
(٥) في (م): "تعالى".
(٦) في (م): "سبحانه".
(٧) في (م): "فليجنبها".
(٨) في (م): "﷿".
[ ١٦ ]
ومما يُسْمَعُ على ألسنَةِ العامة وكثيرٍ من القُصاصِ، قولُهُم: يا سبحانُ -يا بُرهانُ- يا غُفْرانُ- يا سلطانُ، وما أشْبَهَ ذلك.
وهذه الكلماتُ، وإنْ كان يَتَوَجهُ بَعْضُها في العربيةِ على إضْمَارِ النسبةِ بِذِي، فإنهُ مستهْجَن، مهْجورٌ، لأنهُ لا قدوةَ فيهِ، ويغلطُ كثيرٌ منهُمْ في مِثلِ قولهمْ: يا رَبَّ طهَ - ويس، ويا رَبَّ القرآنِ العظيمَ.
وأولُ من أنْكَرَ ذلك ابنُ عباسٍ -﵀ (١) - فإنهُ سَمِعَ رَجُلًا، يقولُ عنْدَ الكَعْبَةِ: "يا ربَّ القرآن". فقال:
[١٥] "مَهْ! إنَّ القرآنَ لا رَب لَهُ، إن كُل مربوبٍ مخلوقٌ".
فأما أغَاليطُ منْ جَمَح بِهِ اللسانُ، واعتَسَف أوْديَةَ الكلام من الأعرابِ، وَغَيرِهم، الذين لم يُعنَوْا بمعرفةِ الترتيبِ، ولم يقوِّمْهم ثِقافُ التأدِيبِ، كقول بَعْضِهِم في استسقاءِ الغَيْثِ:
رَبَّ العبادِ مَا لَنَا وما لَكا
قَدْ كُنْتَ تَسْقِيْنَا فَمَا بَدَا لَكَا
أنزلْ عَلينا الغيثَ لا أبَا لكا (٢)
وكقولِ القائِلِ من قريشٍ حينَ هَدَمُوا الكَعْبَةَ في الجَاهليةِ،
_________________
(١) لم أجده.
(٢) ليست: "﵀" في (م).
(٣) الأبيات في مجمع الأمثال ١/ ١٣٣.
[ ١٧ ]
وأرادوا بناءهُ (١) على أساسِ إبراهيمَ -صلواتُ الله عليه (٢) - فَجَاءَتْ حيةٌ عظيمةٌ، فحملتْ عليهم، فارْتَدَعُوا. فعندَ ذلكَ قال شيخ منهم كبيرٌ (٣):
"اللهم لا تُرَعْ، ما أرَدنَا إلا تَشْييدَ بيتِكَ، وتشريفَهُ"
وكقولِ بعْضهم -وإنْ كان مِنَ المذكورينَ في الزهَادِ-: "نعم المرءُ ربُّنَا، لو أطعناهُ لم يَعْصِنا" فإنَها في أخواتِها، ونظائِرِها عجرفية في الكلامِ، وتهورٌ فيه، والله -سبحانَهُ- مُتَعَالٍ عن هذه النعوتِ، وذكرُهُ مُنَزَّهٌ عن مثلِ هذِهِ الأمورِ، وقد رَوَيْنا عَنْ عَونِ بنِ عبد الله، أنهُ كانَ يقولُ:
"ليعظِّمْ أحدكُم رَبَّهُ، أن يذكرَ اسمه في كل شيء، حتى يقولَ: أخْزَى اللهُ الكلبَ، وفعل الله بِهِ كذا". وكانَ بعضُ من أدْرَكْنَاهُ (٤) مِنْ مَشَايخنَا قَلَّ ما يذكر اسم الله -جل وعز- إلا فيما
_________________
(١) في (م): "بناءها". قلت: ذكَّرهُ هنا على معنى: البيت.
(٢) في (م): "﵇".
(٣) القائل هو الوليد بن المغيرة، وفي خبر هدم قريش الكعبة وبنائها: أنه كانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتتشرق -أي تبرز للشمس- على جدار الكعبة، لا يدنو منها أحد إلا كشت وفتحت فاهًا وكانوا يهابونها، ويزعمون أنها تحفظ الكعبة وهداياها. وقال ابن عيينة: فبعث الله تعالى طائرًا فاختطفها وذهب بها؛ فقالت قريش: نرجو أن يكون الله تعالى رضي لنا بما أردنا فعله! فأجمع رأيهم على هدمها وبنائها اهـ. كذا جاء الخبر في أخبار مكة ٣/ ٥٠ وتاريخ الطبري ٢/ ٢٨٧، ٢٨٨ وسيرة ابن هشام ١/ ١٩٣، والكامل في التاريخ ٢/ ٤٤ والسيرة لابن كثير ١/ ٢٧٥.
(٤) في (م): "أدركنا".
[ ١٨ ]
يَتَّصلُ (١) بطاعةٍ، أوَ قُربةٍ، وكانَ يقولُ للرجلِ إذا جزاه خيرًا: جُزيتَ خيرًا، وقل ما يقولُ: جزاكَ اللهُ خَيرًا، إعظامًا للاسم أن يُمتَهَنَ في غيرِ قُرْبَةٍ، أو عِبادةٍ.
ومما يجبُ أنْ يُراعَى في الأدعِيَةِ، الإعرابُ الذِي هو عماد الكلامِ، وِبهِ يستقيم المعنى، وِبعَدَمِه يَخْتلُّ، ويَفْسُدُ، وربما انْقلبَ المعنَى باللَّحنِ حتى يصيرَ كالكُفْرِ، إنْ اعتَقَدَهُ صاحبُهُ. كدُعاءِ مَنْ دَعَا، أو قراءَةِ من قرأ: (إياكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين) بِتَخْفِيْفِ اليَاءِ من إياك، فإن الأيَا ضياءُ الشمس، فيصيرُ كأنهُ يقولُ شَمْسَكَ نَعْبد. وهذا كفرٌ.
وأخبرَني محمد بنُ بحرٍ (٢) الزُّهَني، قال: حدثَني الشاهُ بنُ الحَسَن قالَ: قالَ: أبو عثمانَ المازني لبعضِ تلامِذَتِهِ: عَلَيْكَ بالنحوِ؛ فإن بني إسرائيل كفَرَت بحرفٍ ثقيلٍ خَفَّفُوهُ، قال
_________________
(١) سقطت كلمة "يتصل" من (م).
(٢) في (م): "يحيى" بدل "بحر" وفي (ظ) "الذهني" بالدال. وكلاهما تحريف. وفي المصادر معجم الأدباء ١٨/ ٣١ والوافي بالوفيات ٢/ ٢٤٣. محمد بن بحر الرهني، أبو الحسن، وكان عالمًا بالأنساب وأخبار الناس، شيعي المذهب غاليًا فيه. والرهني -بالراء المهملة والنون- منسوب إلى "رُهنة" من أرض كرمان. وجاء في لسان الميزان اسمه محمد بن بحر بن سهل، روى عنه الخطابي في غرائب الحديث، مات قبل الثلاثين والثلاثمائة. ولا يفوتني أن أذكر هنا أنه وقع -في اللسان- تحريف شنيع في مذهبه وقريته. فقال: "شيخ من شيوخ السنة"، "وسكن بعض قرى كومابة".
[ ١٩ ]
الله -عزّ-وجلَّ- لِعِيْسَى: (إني ولَّدتُكَ) فقالوا: "إني وَلَدتُكَ" فَكَفَرُوْا (١).
وأخْبَرني (٢) أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ، قال: حدثَنَا ابنُ المَرْزُبانِ عَنِ الريَاشِيِّ، قالَ: مرَّ الأصمعيُّ برجلٍ يقول في دُعائِهِ: "يا ذُو الجلالِ والإكرام" فقال: ما اسمكَ؟ قال: ليثٌ. فأنشأ يقول:
يُنَادِي رَبَّهُ باللحنِ لَيْثٌ لِذَاكَ إذَا دَعَاهُ لا يُجيبُ
[قال أبو سليمان] (٣):
وإذْ قَدْ أتَيْنَا بِمَا قَدْ (٤) وَجَبَ تقديمُهُ من شرائطِ صِحةِ الدُّعاءِ، فَلْنَعْمِد (٥) لتفسيرِ ما جاءَ مِنهُ مأثُورًا عنْ رسولِ الله - ﷺ -.
_________________
(١) في اللسان (ولد): وحكى أبو عمرو عن ثعلب قال: ومما حرفته النصارى أن في الإنجيل يقول الله تعالى مخاطبًا لعيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- أنت نبييِّ وأنا وَلَّدتك؛ أي: ربيتك. فقال النصارى: أنت بني وأنا ولدتك خففوه.
(٢) في (م): "أخبرنا"، وابن المرزبان: هو محمد بن خلف، تاريخ بغداد ١٠/ ٤٢٠. والرياشي: أبو الفضل عباس بن الفرج، توفي سنة / ٢٥٧ هـ/ نزهة الألباء ص ١٩٩. والأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب توفي/٢١٣ هـ/ أو (٢١٦) أو (٢١٧). النزهة ص ١١٢، ١٢٣، وتاريخ بغداد ١٠/ ٤٢٠.
(٣) زيادة من (م).
(٤) سقط "قد" من (م).
(٥) على حاشية (ظ): فلنفرد. وفي (م): "فلنعتمد".
[ ٢٠ ]
وَلْنَبْدَأ بتفسير أسماءِ الله -جلَّ، وعزَّ- التي هي تسعة وتسعون اسمًا. قال الله سبحانَهُ: (وللهِ الأسْمَاءُ الحسنى فادْعُوْهُ بِهَا) [الأعراف/ ١٨٠]. ثُم قالَ: (وَذَرُوا الذينَ يُلْحِدُوْنَ في أسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف/ ١٨٠]. فَكانَ (١) دَلالةُ الآيَةِ أن [الغَلَطَ فيها والزيْغَ عَنْها إلحادٌ] (٢). ونحنُ نَسْألُ الله التوفيق لِصَوابِ القَوْلِ فيها بِرَحْمتِهِ.
_________________
(١) في (م): "فكانت".
(٢) ما بين المعقوفين نقله أبو حيان في تفسيره ٤/ ٤٣٠ عن الخطابي.
[ ٢١ ]