[٤٤] [قال] (١): إذَا أصْبَحْتَ فَقُلْ: "الحَمْد لله الذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وَإلَيْهِ النُّشُوْرُ" قَالَ الشيْخُ (٢): مَعْنَى قَوْلهِ (٣) [- ﷺ -] (٤): "أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا" مَعَ إحَاطَةِ العِلْمِ مِنا أن الحَيَاةَ في حَالَتَيْ اليَقَظَةِ وَالنوْمِ قَائمةٌ غيرُ زَائلةٍ، هُوَ أنهُ جَعَلَ النوْمَ الذِي يَكوْن مَعَهُ زَوَالُ العَقلِ، وَسُكْوُنُ الحَرَكَاتِ بِمَنْزلَةِ المَوْتِ الذِي يَكُوْنُ بِهِ عَدَمُهَا وَبُطلَانُهَا، وَهَذَا (٥) عَلَى سَبِيْل التشْبِيْهِ، والتمْثِيْلِ لَا عَلَى وَجْهِ التحقيقِ. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ اللغة أصْلُ المَوْتِ فِي الكَلَامِ السُّكُوْنُ
_________________
(١) طرف حديث أخرجه البخاري في الفتح برقم ٦٣١٢، ٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٦٣٢٥، دعوات وبرقم ٧٣٩٤، ٧٣٩٥ توحيد، ومسلم برقم ٢٧١١ (٥٩) ذكر، وابن ماجه برقم ٣٨٨٠ دعاء، والدارمي ٢/ ٢٩١ استئذان، والإمام أحمد ٤/ ٢٩٤، ٣٠٢، و٥/ ١٥٤، ٣٨٥، ٣٨٧، ٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٧. (من حديث حذيفة، وأبي ذر، والبراء).
(٢) من (ت) و(م).
(٣) في (ت) و(م): "أبو سليمان".
(٤) في (ظ): "قولنا".
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) في (ت): "فهذا".
[ ١١٥ ]
يُقَالُ: مَاتَتِ الريْحُ إذَا رَكَدَتْ، وَأنْشَدَ (١):
يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَمُوْتُ .. الريْحُ فَأسْكُنُ اليَوْمَ وَأسْتَرِيْحُ
ثُمَ عَقبَهُ (٢) بِقَوْلهِ [- ﷺ -] (٣): "وَإلَيْهِ النشُورُ" لِيَدُلَّ بِإعَادَةِ اليَقَظَةِ بَعْدَ النوْمِ عَلى إثْبَاتِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. وَالنشُوْرُ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: أنشَرَ الله المَيْتَ [إنشارًا: إذا أحياه، فَنَشَرَ الميتُ] (٤) نُشُوْرَا، فَهُوَ نَاشِرٌ بِلَفْظِ فَاعِلٍ. قَالَ الأعْشَى (٥):
حَتى تَقُوْلَ (٦) الناسُ مما رَأوْا يَا عَجَبَا لِلْمَيتِ الناشِرِ
[٤٥] [وقوله] (٧): [وَأصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ الإخْلَاصِ، وَعَلَى ديْنِ نَبِينَا محمد - ﷺ -: مَعْنَى الفِطْرَةِ: ابْتِدَاءُ
_________________
(١) رواه الدارمي ٢/ ٢٩٢، استئذان، وأحمد في المسند ٣/ ٤٠٦، ٤٠٧، و٥/ ١٢٣ كلاهما من حديث ابن أبزي عن أبيه. وانظر كنز العمال ٢/ ٦٣٦.
(٢) البيت في البحر المحيط ٤/ ١٣٧ واللسان والتاج (صوت) برواية: "إني لأرجو أن تموت " ولم ينسبوه لأحد.
(٣) في (م): "عقب".
(٤) زيادة من (م).
(٥) سقط ما بين المعقوقين من (ظ).
(٦) ديوانه ص ١٤١ من قصيدة طويلة يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل مطلعها: شاقتك من قتلة أطلالها بالشطِّ فالوتر إلى حاجر والبيت في تفسير الفراء ١/ ١٧٣، والبحر المحيط ٤/ ٣١٦.
(٧) في (ت) و(م): "يقول".
(٨) زيادة من (م).
[ ١١٦ ]
الخِلْقَةِ، وَهِي إشارة إلى كَلِمةِ التوْحِيْد حِيْنَ أخذَ اللهُ العَهْدُ مِنْ ذريةِ آدمَ، [فقال] (١): (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] [الأعراف/١٧٢] وَقَدْ تَكُوْنُ الفِطْرَةُ بِمَعْنَى السُّنةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ [- ﷺ -] (١):
[٤٦] "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ فَذَكَر السِّوَاكَ وَالمَضْمَضَةَ وَأخوَاتِها" (٢)] (٣).
[٤٧] وَقَوْلُه [- ﷺ -] (٤): "نَسْألكَ مِنْ خير هَذَا اليَوْمِ وَخير مَا
_________________
(١) طرف حديث أخرجه مسلم برقم ٢٦١ طهارة، وأبو داود برقم ٥٣ طهارة، والترمذي برقم ٢٧٥٧ أدب، وابن ماجه برقم ٢٩٣، ٢٩٤ طهارة، والنسائي ٨/ ١٢٦، ١٢٨، زينة، والإمام أحمد ٤/ ٢٦٤، و٦/ ١٣٧. ونص الحديث كما في مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "عشر من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء"، قال زكريا، قال مصعب ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة، قال وكيع: انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء. وقد روي الحديث عن عمار أيضا في المسند وابن ماجه. قال الترمذي: وفي الباب عن عمار ابن ياسر وابن عمر، وأبي هريرة. ثم قال: هذا حديث حسن.
(٢) مجمع الزوائد ١٠/ ١١٤ وكنز العمال ٢/ ١٥٩ وفي أبي داود برقم ٥٠٨٤ والترمذي برقم ٣٣٩٠ بنحو من لفظه.
(٣) زيادة من (م) في الموطنين.
(٤) في (م.): "وأخواتهما".
(٥) جاء ما بين المعقوفين في (ت) متأخرًا بعد قوله: "ما من مسلم يبيت طاهرًا "، ولم يذكر هنا في (م) بل ذكر فيها بعد قوله: "أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر".
(٦) زيادة من (م)، وفي (ت): "أسألك" بدل "نسألك".
[ ١١٧ ]
قَبْلَهُ وَخير مَا بَعْدَه وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذَا اليَوْمِ وَشَرِّ مَا قَبْلَهُ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ". قَدْ (١) يُسألُ عَنْ هَذَا فَيُقَالُ: مَا مَعْنَى اسْتِعَاذَتِهِ مِنْ سُوْءِ (٢) زَمَانٍ قَدْ مَضَى وَقْتُهُ وَتَقضَّى (٣) حكْمُهُ؟ وَالمَعْنَى: أنهُ طَلَبَ عَفْوَ اللهِ عَنْ ذَنْب كَانَ [قد] (٤) قَارَفهُ في أمْسِهِ. وَالوَقْتُ -وإنْ كَانَ قَدْ مَضَى- فَإن تَبِعَتَهُ بَاقِيَةٌ. وَمَعْنَى مَسْألَتِهِ خَيْرَ مَا قَبْلَهُ: قبُولُ الحَسَنَةِ التي كَانَ قَدمَهَا في أمْسِهِ. والزمَانُ -وَإنْ كَانَ فَائِتًَا- فَإن الحَسَنَةَ التي عَمِلَهَا فِيْهِ مَوْجُوْدة وَبَرَكَتُهَا مَرْجُوَّةٌ (٥) وَالخَيْرُ وَالشرُّ لَا يَتَعَلَّقَانِ بِأعْيَانِ الأيامِ، وإنما أُضِيْفَا إلَيْها عَلَى مَعْنَى أنهَا أوْقَاتٌ وَظُرُوْفٌ لَهُمَا يُوْجَدَانِ فِيهَا بِكَسْبِ الفَاعِلِيْنَ لَهُمَا (٦).
[٤٨] وَقَوْلُهُ: "وَأعُوْذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وَالهَرَمِ، وسُوءِ الكبَرِ"؛
_________________
(١) طرف من حديث رواه مسلم برقم ٢٧٢٣ ذكر، وأبو داود برقم ٥٠٧١ أدب، من حديث عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا اله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر، وفتنة الدنيا وعذاب القبر". وأخرج الترمذي برقم ٣٣٩٠ بنحو من لفظهما. وأخرج البخاري في الفتح برقم ٦٣٦٨ دعوات من حديث =
(٢) في (م): "وقد".
(٣) في (م): "من شر".
(٤) في (ت): "فتقضى".
(٥) زيادة من (م).
(٦) في (ظ): "مرجوءة".
(٧) في (م): "لها".
[ ١١٨ ]
الكَسَلُ: خَصْلَةٌ ذَمِيْمَةٌ تَصُدُّ عَنِ الحُقُوْقِ، وتحرِمُ صَاحِبَها خيرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ عَدَمُ انْبِعَاثِ النفْسِ لِلْخير، وَقِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِيْهِ مَعَ وُجُودِ الاِسْتِطَاعَةِ لَهُ. وَالعَجْزُ: عَدَمُ القوةِ والاسْتِطَاعَةِ لَهُ (١)، والعَاجِزُ مَعْذُوْرٌ، وَالكَسْلَانُ غَيْرُ مَعْذُوْرٍ.
[٤٩] وَأخْبَرَنِي (٢) أبو محمد [أحْمَدُ بْنُ محمدٍ] (٣) الكُرَانيُّ، قَالَ:
_________________
(١) = عائشة -﵂- أن النبي - ﷺ - كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونقِّ قلبي من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب". وللحديث روايات عند البخاري برقم ٢٨٢٢، ٢٨٢٣، ٤٧٠٧، ٦٣٦٥، ٦٣٦٧، ٦٣٧٠، ٦٣٧١، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠، ٦٣٧٥، ٦٣٧٧، وعند الترمذي برقم ٣٤٨٥، والنسائي ٨/ ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٩ استعاذة، وابن ماجه برقم ٣٨٣٨ دعاء، وأحمد في المسند ٢/ ١٨٥، ١٨٦، و٣/ ١١٣، ١١٧، ١٢٢ ١٥٩، ٢٠١، ٢٠٥، ٢٠٨، ٢١٤، ٢٢٠، ٢٢٦، ٢٣١، ٢٣٥، ٢٤٠، ٢٦٤، و٤/ ٣٧١ و٦/ ٥٧، ٢٠٧. وفي صحيح ابن حبان برقم ٢٤٤٦ موارد، ومجمع الزوائد ١٠/ ١٤٣، ١٨٨. وقوله: "سوء الكبر" لم ترد في الروايات السابقة جميعها وجاء بمعناها في مواطن كثيرة، وانظر فيض القدير ٢/ ١٧٢.
(٢) قول الأحنف في تهذيب ابن عساكر ٧/ ٢٤ برواية: "فإنك إذا كسلت لم =
(٣) سقط: "له" من (م).
(٤) في (ت): "وأخبرنا".
(٥) ما بين المعقوفين سقط من (ت) و(م).
[ ١١٩ ]
حَدثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُسَيِّب (١)، قَالَ: حَدثَنَا زَكَرَيا بْنُ يحيىَ المِنْقَرِي، قَالَ: حَدثَنَا الأصْمَعِي، قَالَ: قَالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْس: "إياكَ وَالكَسَلَ والضَّجَرَ؛ فَإنكَ إنْ كسِلْتَ. لَمْ تَطْلُبْ حَقًَّا وَإنْ ضجِرْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقًَّا".
وَأما سُوْءُ الكِبَرِ فَإنما اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْ آفَاتِ (٢) طُولِ العُمْرِ، وَمَا يَجْلِبُهُ الكِبَرُ مِنَ الخَرَفِ، وَذهَابِ العَقْلِ وَضَعْفِ القُوَى.
[٥٠] وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النبِي - ﷺ - أنهُ قَالَ: "مَا أنْزَلَ الله
_________________
(١) = تؤدِّ حقًا وإذا ضجرت لم تصبر على حق". والأحنف بن كبار التابعين ولد سنة ثلاث قبل الهجرة ومات سنة اثنتين وسبعين بعدها انظر الأعلام ١/ ٢٦٢.
(٢) في البخاري بشرح الفتح برقم ٥٦٧٨ طب من حديث أبي هريرة: "ما أنزل الله داء إِلا أنزل له شفاء" قال ابن حجر: عن زياد من حديث أسامة بن شريك: "تداووا يا عباد الله؛ فإن الله لم يضع داء إِلا وضع له شفاء إِلا داء واحدًا؛ الهرم". أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم. اهـ منه. انظر الترمذي برقم ٢٠٣٨، وأبو داود برقم ٣٨٥٥، وابن ماجه برقم ٣٤٣٦، وفي الحاكم ٤/ ١٩٧، ٣٩٩، ٤٠٠. قال الذهبي: رواه عشرة من أئمة المسلمين عن زياد. وذكره ابن الجوزي في كتابه مختصر "لقط المنافع" ورقه ٢/أوابن قيم الجوزية في الداء والدواء ص ٣، والطب النبوي ص ٩، وفي الزوائد للهيثمي ٥/ ٨٤، وصحيح ابن حبان برقم ١٣٩٥ و١٩٢٤ موارد. والحديث عند الإمام أحمد بروايات عن ابن مسعود وابن شريك =
(٣) في (م): "شبيب".
(٤) سقطت: "آفات" من (م).
[ ١٢٠ ]
[من] دَاءٍ إلا جَعَلَ لَهُ دوَاء إلا الهَرَمَ"، فَجَعَلَ الهَرَمَ [دَاءَ مَنْ لَا دوَاءَ لَهُ] (١).
[٥١] [قَالَ أبو سُلَيْمَانَ] (٢): وَأخْبَرَني (٣) إبْرَاهِيْم بْنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ العَنْبَرِي، قَالَ: حَدثني ابْنُ أبِي قُمَاشٍ، قَالَ: حَدثَنَا ابْن عَائِشَةَ، قَالَ: حَدثَنَا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "لَوْ لَمْ يَكُن لاِبْنِ آدمَ إلا السَلاَمَةُ والصحةُ لَكَانَ كَفِى بهما دَاءً قَاضِيًا" قَالَ ابن (٤) عَائِشَة: فحدثتُ بِهِ (٥) أبي فَقَالَ: يَا بُني مَاَ عَلِمْتُ أن في هَذَا خَبَرًا، وَإنما كُنْتُ أعْرِفُ فِيْهِ قَوْلَ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ (٦):
أرَى بَصَرِي قدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ وَحَسْبُكَ داءَ أنْ تَصِحَّ وَتَسْلَمَا
_________________
(١) = انظر ١/ ٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٣، ٤٤٦، ٤٥٣، و٣/ ٣٣٥، و٤/ ٢٧٨، ٣١٥، و٥/ ٣٧١. ولمسلم برقم ٢٢٠٤ سلام (٦٩): "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷿، وانظر كشف الخفا للعجلوني ١/ ٣٥٩.
(٢) في الفتح الكبير ٢/ ٣١٧: "كفى بالسلامة داء" في الفردوس من حديث ابن عباس.
(٣) جاء ما بين المعقوفين في (ت) و(م): "داء من الأدواء"وما في (ظ) أصوب من حيث المراد، إذ الهرم لا دواء له بنص الحديث إذ جعله مستثنى من الداء ولكن الناسخ لـ (ظ) أخطأ -في ضبطه للعبارة- بالشكل فرسمها على الشكل التالي: "دَآءَ مَن لأدْوَآ له".
(٤) سقط ما بين المعقوفين من (ت) و(م).
(٥) في (ظ) و(م): "أخبرني" بدون واو.
(٦) في (ظ): "إن عائشة" وهو خطأ واضح، والمثبت من (ت) و(م).
(٧) سقطت: "به" من (م).
(٨) ديوانه ص ٧ من قصيدة مطلعها: =
[ ١٢١ ]
وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُم: مِنْ سُوْءِ الكِبْرِ، سَاكنَةُ البَاءِ. مِنْ كِبْرِ النَّخْوَة. والصَّوَابُ هُوَ الأوَّلُ (١).
[٥٢] وَقَوْلُهُ: "أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيْطَانِ وَشِرْكِهِ" يُرْوَى هَذَا عَلَى وَجْهين. أحَدُهُمَا: الشِرْكُ، بِكَسْرِ الشْين وَسُكْونِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: مَا يَدْعُو إلَيْهِ الشيْطَانُ وُيوَسْوِسُ بِهِ مِن الإشْرَاكِ بِاللهِ -سُبْحَانَهُ-. وَالوَجْهُ الآخَرُ: وَشَرَكِهِ، بِفَتْحِ الشْين والرَّاءِ، يُرِيْدُ: حَبَائِلَ الشيْطَانِ وَمَصَايده.
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم ٣٣٨٩ دعوات، وأبو داود برقم ٥٠٦٧ أدب، والدارمي ٢/ ٢٩٢، وأحمد في المسند ١/ ٩، ١١، ١٤، و٢/ ١٩٦، ٢٩٧، وابن حبان في صحيحه برقم ٢٣٤٩ موارد وصححه الحاكم ١/ ٥١٣ ووافقه الذهبي، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٣٢٣. من حديث أبي هريرة ﵁ عن أبي بكر الصديق ﵁ قال أبو بكر: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: "قل اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه" قال: قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". وانظر كنز العمال ٢/ ١٩٨، ٦٣٤، والإحياء ١/ ٣١٨. = سَلِ الربع أنى يمَّمَتْ أمُّ سالمٍ وهلْ عادة للربعِ أن يتكلَّما وفيه: "حدة" بدل "صحة" والبيت في شرح المفضليات ص ٨٥٠، وعيون الأخبار ١/ ١٩١، والشريشي ١/ ٣٠٧، ٣٧٣، والخزانة ١/ ٣٢٣، وفي شرح ديوان الحطيئة ص ١١١ نسبه لجميل والصواب ما قدمته أو.
(٢) جاء هنا في المخطوطة المغربية قوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام " وقد أشرت إلى ذلك في ص ١١٧.
[ ١٢٢ ]
[٥٣] [وقوله] (١): "وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ" يَحْتَمِلُ وَجْهين مُخْتَلِفَيْ المَحَلَّيْن.
أحَدُهُمَا: إني مُقِيْمٌ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ
مِنَ الإيمَانِ بِكَ والاعْتِقَادِ لِوَحْدَانِيتِكَ لَا أزُوْلُ عَنْهُ مَا اسْتَطَعْتُ، وإنما اسْتثنَى بِقَوْلهِ: مَا اسْتَطَعْتُ مَوْضِعَ القَدَرِ السَّابِقِ في أمره (٢)، يَقُولُ: إنْ كَانَ قَدْ تَقَدمَ القَدَرُ فِي أمْرِي، وَجَرَى القَضَاءُ بِأني انْقُضُ العَهْدَ يَوْمًَا مَا، وَأزوْلُ عَنْهُ فَإني (٣) أفْزَعُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى التنَصُّلِ، والاعْتِذَارِ بِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ لِدَفْعِ مَا قَضيْتَهُ عَلَيَّ وَالامْتِنَاعِ مِنْ وُقوْعِهِ بِي (٤).
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُوْنَ مَعْنَاه: إني متمسكٌ بِمَا عَهِدْتهُ (٥) إليَّ مِنْ أمْرِكَ، وَنَهْيِكَ، ومُبْلٍ العُذْرَ (٦) فِي الوَفَاءِ بِهِ قَدْرَ الوُسْعِ،
_________________
(١) البخاري ٨/ ٨٣ وبشرح الفتح برقم ٦٣٢٣ دعوات، والترمذي برقم ٩٣٩٠ دعوات، وأبو داود برقم ٥٠٧٠ أدب، وابن ماجه برقم ٣٨٧٢ دعاء، وابن حبان في صحيحه برقم ٢٣٥٣ موارد، وانظر كنز العمال ١/ ٤٧٧، ٤٧٨، ٤٨٣، و٢/ ١٤٠، ١٦٧ والإحياء ١/ ٣١٩.
(٢) سقط من (ظ): "وقوله"، وترك الناسخ مكانها بياضًا. وفي (ت): "قوله" بدون الواو.
(٣) في (ظ): "في أمر ويقول " ولعله سبق قلم من الناسخ إذ أبدل الهاء واوًا.
(٤) في (ظ): "وإني".
(٥) سقطت من (م) كلمة: "بي".
(٦) في (م): "مستمسك".
(٧) في (ت): "ومبلي العذر" بإضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، وفي (م): "مثل " وهو خطأ واضح من الناسخ.
[ ١٢٣ ]
والاسْتِطَاعَةِ، وإنْ كُنْتُ لاَ أبْلُغُ كُنْهَ الوَاجِبِ مِنْ حَقكَ وَلاَ أفي بِمَا يَلْزَمُني مِنْ مَوَاجِبِ (١) طَاعَتِكَ. وَنَظيرُ هَذَا.
[١٨ مِكرر] قَوْلُهُ - ﷺ -: "استقِيْمُوا وَلَنْ تُحْصُوا" أيْ: لَنْ تُطِيْقُوا (٢) كُلَّ الاسْتِقَامَةِ. أيْ: فَاجْتَهِدُوا وَأبْلُوا العُذْرَ فيما تُطِيْقُوْنَ مِنْهَا.
[٥٤] وَقَوْلُهُ [- ﷺ -] (٣): "أبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأبوء بِذَنْبِيْ" مَعْنَاهُ: التِزَامُ المِنَّةِ بِحَق النعْمَةِ والاعْتِرَافُ بالتقْصير في شُكْرِهَا وَاحْتِمَال اللاَّئِمَةِ فِيْهِ، وَأصْلُهُ مِنْ قَوْلكَ: بُؤْتُ بِكَذَا، إذَا احْتَمَلْتَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الله (٤) -سبْحَانَهُ-: (فَبَاؤُوْا بِغَضَب مِنَ اللهِ) [آل عمران/١١٢] قَالَ [بَعْضُ] (٥) أهْلِ التفْسير، [مَعْنَاهُ] (٥): احْتَمَلُوْهُ وَرَجَعُوْا بِهِ.
[٥٥] وَقَوْلُهُ (٦): "اللهم احْفَظْني مِنْ بين يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَميْنيِ وَعَن شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وأعُوْذُ بِعَظَمتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ
_________________
(١) تابع الحديث رقم (٥٣) سبق تخريجه في ص ١٢٣.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٩٣٢٧، وقال في آخر الحديث: قال جبير: وهو الخسف. وأبو داود برقم ٥٠٧٤ أدب، والنسائي ٨/ ٢٨٢ استعاذة، وابن ماجه برقم ٣٨٧١ دعاء، والحاكم ١/ ٥١٧ على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٣) في (م): "واجب" والمثبت من (ت) و(ظ).
(٤) في (م): "تسيقوا".
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) في (م): "قوله سبحانه".
(٧) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٨) سقط الواو من: "وقوله" من (ت).
[ ١٢٤ ]
تَحْتي" أقْسَامُ الجِهَاتِ سِتة وَكُلهَا سُبُل لِلآفَاتِ، وَطُرُق لَهَا لَا يُؤمَنُ وُرُوْدُها مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غير وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ التفْسير فِي قَوْلِهِ -جَل وعز-: (ثم لآتِيَنهُم مِنْ بِين أيْدِيْهم [ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف/١٧] قالوا: "من بين أيديهم"] (١): الدنيا. "وَمِنْ خَلْفِهِمْ": الآخِرة. "وَعَنْ أيْمَانِهم": الحَسَنَاتُ. "وَعَن شَمَائِلهِم": السيئَات. وَالمَعْنَى: أنه يُزَيِّنُ: لَهُمْ الدنيا، وَيُثَبِّطُهُم عَنِ الآخِرَةِ، وَيَصُدُّهُم عَنِ الحَسَنَاتِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى السيئَاتِ.
وأما جِهَةُ فَوْق: فَمِنْهَا يَنْزِلُ البَلاَءُ، والعَذَابُ والصَّوَاعِقُ.
وَمِنْ تَحْتُ: تَقَعُ الزلَازِلُ (٢) وَالخَسْفُ، وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَاهُ: أنْ يُستَدْرَجَ، فَيُؤْتَى مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ؛ فَيُغْتَالُ، وَيَهْلِكُ.
[٥٦] وَأخْبَرَنِي أبو عُمَرَ (٣) عَنْ أبي العَباسِ أحْمَدَ بْن يَحْيىَ، قَالَ: العَرَبُ تَقُوْلَُ: "اللهم وَاقِيَةً كَوَاقِيَةِ الوَليْدِ". قَالَ: وَذَلِكَ أن الصَّبِيَّ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلآفَاتِ فَيَقِيْهِ الله، وَيَحْفَظُهُ مِنْ غَيْر حَذَرٍ وَلَا اتِّقَاءٍ.
_________________
(١) هذا من حديث ابن عمر، في كنز العمال ٢/ ١٨٧، رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى وفي الفيض القدير ١/ ١٢٩، قال الهيثمي: فيه راوٍ لم يسم وبقية رجاله ثقات.
(٢) سقط ما بين المعقوفين من (ظ) وفي (م): اكتفى من الآية عند قوله: "وعن شمائلهم".
(٣) في (ظ): "الزلال" وهو سهو من الناسخ.
(٤) أبو عمر هو الزاهد غلام ثعلب سبق ص ٥٤.
[ ١٢٥ ]
[٥٧] وَحدَّثَني فِي إسْنَادٍ لَهُ أن بَعْضَ الأنبِيَاءِ -صَلَوات الله عَلَيهم- كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللهم احفَظْني حِفْظَ الصبي" وَهَذَا قَدْ يَكُوْنُ مِنَ الوَجهِ الذِي ذَكَرنَاهُ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ فِي الدْنيَا مِنْ آفَاتِهَا. وَقَد يُتَأوَّلُ (١) أيضًَا عَلَى مَعْنَى طَلَبِ العِصمَةِ وَأنْ يُحْفَظَ مِنَ الذنُوْبِ كَمَا حُفِظَ الصبي؛ فَلَم يُكْتَبْ عَلَيهِ ذَنْبٌ.
والاغْتِيَالُ: أنْ يُؤْتى المَرْءُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَأنْ يُدْهَى بمَكرُوهٍ لم يَرْتَقِبْهُ، وَيُقَالُ: قُتِلَ فُلَانٌ غِيْلَةً إذَا ظُفِرَ بِهِ في حَالِ غِرَّةٍ، وأوَانِ غَفلَةٍ فَقُتِلَ. وَأصْلُ هَذَا مِنَ الغُوْلِ، الذي (٢) يُقَالُ: إنهَا تَغُولُ الناسَ، وَتَضِلْهُم، وَيُقَالُ: الخَمْر غُولُ العَقْلِ؛ وَذَلِكَ أنهَا تُذْهِبُ العَقْلَ، وَمِنْ هَذَا قولُهُم: غَالَتْ فُلَانًَا غَائِلَة إذَا أصَابَتْهُ دَاهِيَةٌ قَالَ ذو الرُّمَّةِ (٣):
فأيقَنَ (٤) قَلْبِي أنني لَاحِقٌ أبي وَغَائِلَتيْ غُوْلُ الرّجَالِ الأوَائِلِ
يُرِيدُ المَوْتَ.
[٥٨] و(٥) قوله: "اللْهُم عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللهم عَافِنَي فِي
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ وتقدم الحديث (٥٦) بمعناه.
(٢) من حديث بن أبي بكرة، أخرجه أبو داود برقم ٥٠٩٠ أدب، وابن السني ص ٣٦ عن ابن أبي بكرة عن أبيه وابن الأثير في جامع الأصول برقم ٢٢٩٩، وإحياء علوم الدين ١/ ٣١٩.
(٣) في (م): "تناول" وهو تحريف.
(٤) في (ظ) و(ت): "أي" والمثبت من (م).
(٥) ديوانه ٢/ ١٣٥٣ والبيت آخر قصيدة طويلة، أبياتها (٤١) بيتًا.
(٦) رواية: (ت) و(م): "وأيقن ".
(٧) سقط الواو من (ت).
[ ١٢٦ ]
بَصَرِي. لَا إلهَ إلا أنْتَ" قَدْ (١) تَكُوْنُ العَافِيَةُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَرِ بِأنْ يَسْلَمَا مِنَ الآفَاتِ، كَالصَّمَم (٢) وَالعَمَى، وَالرَّمَدِ والأوْجَاعِ، [وتَكُونُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ مما يَسُوءُ السَّامِعَ لَهُ والنَّاظِرَ إلَيْه، وَقَدْ] (٣) تَكُونُ بَمَعْنَى العِصْمَةِ مِنَ المآثِمِ فَلَا يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ (٤) إلَى محظُوْرٍ وَلَا يُصْغِي بِأذُنِهِ (٤) إلَى مَكْرُوْهٍ.
[٥٩] وَقَوْلُهُ: "لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ". لَبَّيْكَ: كَلِمةٌ
_________________
(١) أول حديث طويل رواه الإمام أحمد في المسند ٥/ ١٩١، والحاكم ١/ ٥١٦ من طريق أبي بكر بن أبي مريم وضعفه الذهبي. والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٦٢، ١٦٣ من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - علمه دعاءً وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال قل حين تصبح: "لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان وما لم تشأ لا يكون، لا حول ولا قوة إِلا بك، إِنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين، أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الممات، ولذة النظر إِلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم، أو أعتدي أو يعتدى عليّ، أو أكتسب خطيئة محبطة، أو ذنبًا لا يغفر، اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال=
(٢) في (م): "وقد".
(٣) في (ت): "كالضم".
(٤) سقط ما بين المعقوفين من (ت).
(٥) في (م): "بعينيه وبأذنيه".
[ ١٢٧ ]
مَعْنَاهَا سُرْعَةُ الإجَابَةِ، وإظْهَارُ الطاعَةِ. وَقَالَ النحَويُّونَ: أصلُهُ مَأخُوْذ مِنْ لَبَّ الرجُل بِالمَكانِ، وَألَبَّ بِهِ، إذَا لَزِمَه وَأقَامَ بِهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ (١):
لَبَّ بأرْضٍ ما تَخَطَّاهَا الغَنَمْ (٢)
أيْ: أقَامَ بِهَا. وَأخْبَرَنِي ابْنُ مَالِك، قَالَ: أخْبَرَنَا محمد بنُ إبراهِيْم بن سَعِيْدٍ العَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَة يَقُوْلُ: دَعَا أعرَابيٌّ غُلَامًَا لَهُ فَأبْطَأ فِي الإجَابَةِ، ثُم قَالَ: لَبَّيْكَ. فَقَالَ: لبَّ
_________________
(١) = والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك؛ فاغفر لي ذنبي كله، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم". قال الهيثمي في الزوائد ١٠/ ١١٣ رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا. وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. قلت: أثبت الحديث بطوله لأنه ستأتي منه فقرات أغناني تخريجها هنا عن التكرار.
(٢) عجز بيت من الرجز لعمرو بن أحمر الباهلي في ديوانه ص ١٤١ من أبيات أربعة، وصدره: وجيدِ أدمَاءَ وعيني جُؤْذرٍ وانظر السمط ص ٨١٨، وأمالي القالي ٢/ ٢٠٠.
(٣) في (ظ): "الغَيْمْ" وهو خطأ. وفي (م): "النعم" وما أثبته من (ت) والسمط. ورواية السمط: "لم توطأها الغنم" وفي القالي: "ما تخطاها النعم". وزعم محقق الديوان أن رواية القالي: "تخطاه ".
[ ١٢٨ ]
عَمودٌ (١) جَنْبَيْك. دَعَا عَلَيْهِ بِأنْ يُضْربَ عَلَى جَنْبَيْهِ فَيَلْزَمَهما (٢) العَمُوْدُ (٣) بِالضرْبِ، قَالُوا: وَكَانَ الأصْلُ فِي لَبَّى لَبَّبَ (٤) فَأبْدَلُوا مِنْ إحْدَى البَاءَاتِ ياءً طَلَبًَا لِلخِفَّةِ كَما قَالُوا: تَقضَّى [البَازِي] (٥) [الطائر] (٥) مِنْ تقضَّضَ. وتظني مِنْ تَظَنَّنَ (٦). كَقوْلِ النابِغَةِ:
قَوافٍ كالسَّلامِ إذَا اسْتَمَرَّتْ فَلَيْسَ يَرُدُّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي
قَالُوا: وَمَعْنَى التَّثْنِيَةِ (٤) فِيْهِ: التَّوْكِيْدُ، كَأنه قَالَ: إلْبَابًَا بِبَابِكَ بَعْدَ إلْبَاب، وَلُزُوْمًَا لِطَاعَتِكَ بَعْدَ لُزُوْم، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَسَعْدَيْك، مَعْنَاهُ: إسعَادًَا بَعْدَ إسْعَادٍ وَطَاعَةً لَكَ بَعْدَ طَاعَةٍ. كَمَا قَالُوا: حَنَانَيْكَ، أيْ: تَحَنُّنًَا بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وهذَا ذَيْكَ، أيْ: هَذًَّا بعد هَذٍّ (٧) وَأصْلُ الهَذِّ: الإسْرَاعُ.
[٦٠] وَقَوْلُهُ: "اللهم مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أوْ حَلَفْتُ مِن حَلْفٍ أو
_________________
(١) هذا طرف من الحديث الطويل السابق برقم (٥٩). وورد في كنز العمال ٢/ ٦٣٢ من حديث أبي ذر عند عبد الرزاق =
(٢) في (م): "عود".
(٣) في (م): "فليزمها".
(٤) في (م): "العود".
(٥) إبدال إحدى الباءات ياء هو مذهب يونس، فوزن: "لبيك" عنده "فعْلَلْكَ" لأن الياء عنده بدل من اللام الثانية في "لبّيك". أما مذهب الخليل وسيبويه: فالياء عندهما علم التثنية، ولم يزعما أن الياء بدل في "لبيك" من باء. انتهى ملخصًا من كتاب شرح أبيات المغني ج ٧ الشاهد (٨١٠) ويبدو أن الخطابي -﵀- مزج بين المذهبين.
(٦) سقط: "البازي" من (ت) وسقط: "الطائر" من (م).
(٧) في (ظ): "يتظنن".
(٨) في (ظ): "هذا بعد هذا".
[ ١٢٩ ]
نَذرْتُ مِنْ نَذْرٍ فَمَشِيْئَتَكَ بينَ يَديْ ذَلِكَ كُلِّه". الصوابُ: أن تَنْصِبَ المَشِيْئَةَ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، كَأنهُ قَالَ: فَإني أقَدِّمُ مَشِيْئَتَكَ فِي ذَلِكَ [كله] (١) وَأنوِيْ الاسْتثنَاءَ فِيْهِ طَرْحًَا لِلْحَنَثِ عَني عِنْدُ وقُوْعِ الخُلْفِ. وَفِيْهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذهب مَذْهَبَ المَكِّيينَ في جَوَازِ الاسْتثنَاءِ مُنْفَصِلًا عَنِ اليَمين. ومما يَحْتَجُّوْنَ بِهِ فِي ذَلِكَ.
[٦١] حَدِيْثُ ابْنِ عَباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًَا، وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًَا، وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًَا". ثُم سَكَتَ سَاعَة ثُم قَالَ: "إنْ شَاءَ اللهُ". أخْبَرنَاهُ ابْنُ الأعْرَابي. قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ (٢) بُنْ مُكْرَم، قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَذثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَباسٍ.
وَمَنْ رَوَاهُ، بِضَمِّ المَشِيْئَةِ كَانَ مَعْنَاه الاعْتِذَارُ بِسَابِقِ الأقْدَارِ العَائِقَةِ عَنِ الوَفَاءِ بِمَا ألزَمَهُ نَفْسَهُ مِنْهَا وَفِيْهِ طَرَفٌ مِن مَذْهَبِ الجَبْرِ، وَالأولُ
_________________
(١) = مختصرًا وغريب الحديث للخطابي ١/ ٦٤٦ عن طريق ابن خزيمة.
(٢) أخرجه أبو داود برقم ٣٢٨٥ و٣٢٨٦ من حديث عكرمة، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات ص ١٧٠ من حديث ابن عباس ﵄. فالحديث عند أبي داود مرسل وعند البيهقي مرفوع. ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٧/ ٤٠٤ في ترجمة الحسن بن قتيبة متصلًا وقال في نهاية الترجمة: أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: الحسن بن قتيبة متروك الحديث.
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (م): "الحسين". وهو خطأ والصواب ما أثبته. وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ٧/ ٤٣٢.
[ ١٣٠ ]
أحْسَنُ وَأصْوَبُ. وَالله [تَعَالى] (١) أعْلَمُ.
[٦٢] وَقُوْلُه: "اللهم مَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ [من لَعنة] (٢) فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ". [و] (٣) الوَجْهُ أنْ تَرْفَعَ التاءَ مِنْ "صَلَّيْتُ" وَمِنْ "لَعَنْتُ " في الأولِ وَأنْ تَنْصِبَهَا مِنْهُما (٤) فِي الآخِرِ، والمَعْنَى كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم اصْرِفْ صَلاَتِي وَدُعَائِي إلَى مَنْ أحْقَقْتَهُ لِصَلَاتِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَاجْعَلْ لَعْنِي (٥) عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ عِنْدَكَ، واسْتَوْجَبَ الطَّرْدَ والإيْعَادَ (٦) فِي حُكْمِكَ، وَلَا تُؤَاخِذْنيْ بِالخَطَأِ مِني فِي وَضْعِهِمَا غَيْرَ مَوْضِعِهِمَا، وَإحْلَالِهمَا فِي غير مَحَلِّهِمَا.
وهُوَ (٧) إنما يصحُّ عَلَى هَذَا التأوْيل إذَا كَانَ قَدْ سبقَتْ منْهُ صَلَاةٌ، أوْ بَدَرَ مِنْهُ لَعْنٌ لِغير المُسْتَحِقيْن (٨)، وقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكوْنَ إنما دَعَا بِالتوفيقِ وَاشْتَرَطَ في مَسْألَتِهِ العِصْمةَ؛ لأنْ لَا يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ثَنَاءٌ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الثنَاءَ مِنْ أوْليَائِهِ، وَلَا ذَمٌّ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقهُ (٩) مِنْ
_________________
(١) تقدم في الحديث الطويل رقم (٥٩). وانظر غريب الحديث للخطابي ١/ ٦٤٦.
(٢) سقط ما بين المعقوفين من (ت). وعبارة (م): "إن شاء الله" بدل "والله أعلم".
(٣) سقط ما بين المعقوفين من (ظ).
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (م): "منها".
(٦) في (ت) و(م): "لعنتي".
(٧) في (م): "الإبعاد".
(٨) في (م): "وهذا".
(٩) في (ت): "لغير المستحق".
(١٠) في متن (ظ): "يستحقه" وعلى هامشها: "لمن استحقه" وهو موافق لما في (ت) و(م).
[ ١٣١ ]
أعْدَائهِ، كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم احْفَظْني (١) حَتى لَا أوَالِيَ إلا أوْليَاءَكَ، وَلَا أعَاديَ إلا أعْدَاءَكَ. فَالوَجْهُ (٢) الأول إنما يَنْصَرِفُ إلَى المَاضِي، و[الوجه] (٣) الآخَرُ إلَى المُسْتَقْبَلِ. وَالله أعْلَمُ.
[٦٣] وَقَوْلهُ: "اللهم إني أسْألُكَ الرِضَى بَعْدَ [نُزُوْل] (٤) القَضَاءِ، وبرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ" إنما سَألَ الرضَى بَعْد نزُولِ القَضَاءِ بِه لأن الرِّضَى قَبْل ذَلِكَ دَعْوَى مِنَ العَبْد، وَإنما يَتَحَققُ ذَلِكَ عِنْدَ وُقوْعِ القَضَاءِ بِهِ (٥)، وَوُرُوْدِ كَرَاهَتِه عَلَيْهِ، سَألَ الله [تعالى] (٦) التثبيت لَهُ، وَتَوْطين النفسِ عَلَيْهِ. وبَرْدُ العَيْشِ: خَفْضهُ، وَنِعْمَتُهُ. وَأصْلُ البَرْدِ فِي الكَلَامِ: السُّهُوْلَة. وَمِنهُ:
_________________
(١) فقرة من الحديث الطويل المتقدم برقم (٥٩)، وفي كنز العمال ٢/ ١٩٩ إلى قوله: "ولا فتنة مضلة" عند الطبراني من حديث فضالة بن عبيد، وخرجه الحافظ العراقي في أحاديث الإحياء ١/ ٣١٩ من حديث زيد بن ثابت -كما مرَّ في الحديث المتقدم- وقال أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد. وقد تقدم تضعيف الذهبي له، ويبقى أحد طريقي الطبراني -كما ذكره الهيثمي- رجاله وثقوا.
(٢) في (م): "اجعلني".
(٣) في (م): "والوجه".
(٤) زيادة من (م).
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (ت) ولا في (م).
(٦) سقطت: "به" من (ت).
(٧) زيادة من (ت).
[ ١٣٢ ]
[٦٤] قَوْل النبِي - ﷺ -: [(١) "الصَّوْم في الشتَاءِ الغَنِيْمَة البَارِدة" أيْ: السَّهْلَةُ. وَقَالَ بَعْضُهمْ: إنمَا قِيْلَ لَهَُ: الغَنِيْمَةُ البَارِدَةُ؛ لأنْهُ لم يُشهَدْ فِيْهِ (٢) حَرُّ قِتَالٍ. وَقيْلَ: لأن حَرَّةَ (٣) العَطَشِ لَا تَنَالُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم ٧٩٧، والإمام أحمد في المسند كلاهما من حديث عامر بن مسعود عن النبي - ﷺ -. بلفظ: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء" وفي غريب الحديث للخطابي ١/ ١٨١ كما في الأصل هنا. قالَ الترمذي: هذا حديث مرسل، عامر بن مسعود لم يدرك النبي - ﷺ - وهو والد إبراهيم بن عامر القرشي، الذي روى عنه شعبة والثوري. والحديث في صحيح ابن خزيمة ٣/ ٣٠٩ عن مالك بن مسعود. قال محققه: في الأصل عامر مشطوب ثم كتب مالك بن مسعود.
(٢) بداية سقط من النسخة التيمورية (ت) جاء في آخرها، وظاهر من المخطوطة المصورة أن هذه الورقة فقدت ترتيبها الطبيعي فتأخرت، ورقمها على المخطوطة (٢٦٧) وحقها أن تكون (٢٥١). ثم تبدأ بجزئها الثالث وبدايته ما نصه: الجزء الثالث من كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله - ﷺ - التي صنفها الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. من إملاء الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، رواية الشيخ أبي القاسم عبد الوهاب بن محمد بن محمد الخطابي عنه: أخبرنا به الشيخ أبو مسلم عمر بن علي الليثي البخاري عنه، سماع محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق، تغمده الله برحمته. ثم يبدأ بصفحة جديدة قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم. أخبرنا الشيخ أبو مُسْلم عمر بن علي الليثي بقراءتي عليه. قلت: أخبركم الشيخ أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد بن محمد الخطاب قراءة عليه قال: قال أبو سليمان الخطابي: قوله عند دخول الخلاء
(٣) في (م): "فيها".
(٤) في (م): "حَرّ".
[ ١٣٣ ]
الصَّائِمَ فِيْه. قَالَ الشاعِرُ (١):
قَلِيْلَةُ لَحْمِ الناظِرَيْنِ يَزِيْنُهَا شَبَابٌ وَمَخْفُوْضٌ مِنَ العَيْشِ بَارِدُ
أيْ: نَاعِمٌ سَهْلٌ.
[٦٥] وَقَوْلُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الأذَانِ: "اللهم رب هَذِه الدّعْوَةِ التامةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمدًَا الوَسِيْلَةَ وَالفَضِيْلَةَ، وَابْعَثهُ المَقَامَ المَحْموْدَ الذي (٢) وَعَدْتَهُ".
[٦٦] قَالَ: وَقَالَ [النبِيُّ] (٣)، - ﷺ -: "مَنْ صَلى عَلَيَّ صَلاَة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًَا".
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٦١٤ أذان، وبرقم ٤٧١٩ تفسير، وأبو داود برقم ٥٢٩، والترمذي برقم ٢١١ صلاة، والنسائي ٢/ ٢٧، وابن ماجه برقم ٧٢٢ أذان، والإمام أحمد ٣/ ٣٥٤، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٢٠ ورواية التعريف في قوله: "المقام المحمود" هي رواية ابن خزيمة والنسائي ورواية البخاري وباقي المصادر بالتنكير، أي: "مقامًا محمودًا". قال الإمام النووي في المجموع ٣/ ١١٢: "وأما ما وقع في "التنبيه" وكثير من كتب الفقه "المقام المحمود" فليس بصحيح في الرواية، وإنما أراد النبي - ﷺ - التأدب مع القرآن، وحكاية لفظه في قوله ﷿: (عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا) فينبغي أن يحافظ على هذا".
(٢) سيأتي تخريجه مع الحديث رقم (٦٨) الآتي. لأنه سيتكرر هناك.
(٣) هو عتيبة بن مرداس، والبيت رابع أبيات ستة أوردها له صاحب الأغاني في ٢٢/ ٢٣٩. والبيت الشاهد مع آخر في اللسان (نظر) ومنفردًا في (برد) وغريب الحديث للخطابي ١/ ١٨١.
(٤) في (م) " "التي".
(٥) ليست في (م) ولا في (ت).
[ ١٣٤ ]
قَالَ [الشَيْخُ] (١) أبو سُلَيْمَانَ: إنما وَصَفَ هَذِهِ الدعْوَةَ بِالتمَامِ لأنهَا ذِكرُ الله [تعالى] (١) يُدْعَا بِهَا إلَى طَاعَةِ الله، وَعِبَادَتِهِ، وَهَذهِ (٢) الأمُورُ هِيَ (٣) التي تَسْتَحِقْ صِفَةَ الكَمَالِ، وَالتمَامِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ أمُوْرِ الدنْيَا فَإنهَا بِعَرْضِ النقْضِ وَالفَسَادِ، وَكَانَتْ دَعَوَاتُهُمْ فِي الجَاهِلِيةِ إنما هِيَ دَعْوَى القَبَائِلِ، كقَوْلهم: يا لَبَكْرٍ (٤) ويَا آلَ خِنْدِفَ، أوْ دَعْوَةَ نَعِيٍّ [وَنُدْبَةٍ] (٥)، كقَوْلهِم عِنْدَ مَوْتِ الرجُلِ الشرِيْفِ مِنْهُمْ: يَا نَعَاءِ فُلَانَا، ويا فُلَانَاهُ، أوْ دَعْوَةً إلَى طَعَامٍ وَنَحْوِه.
وَكُل هَذِهِ الأمُوْرِ لَا تَخْلُو مِنْ آفَةٍ (٦) أوْ نَقْصٍ يَدْخُلُها، وَدَعْوَةُ الأذَانِ إنما شُرِعَتْ فِي الإسْلَام لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ -جل وعز (٧) - فَوَصَفها بالتَّمامِ تَحْرِيْضًَا علَيْهَا، وَتَرْغِيْبًَا فِيْها، وَصَرْفًا لِلْوُجُوْهِ إلَيْهَا. وَالله أعلَمُ.
وَنَظيرُ هَذَا
[٦٧] قَوْلُهُ - ﷺ -: "أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شرِّ
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم ٢٧٠٨ (ذكر)، ومالك في الموطأ ١/ ٩٥٢، وابن أبي =
(٢) زيادة من (م).
(٣) تكرر لفظ: "وهذه" في (ظ).
(٤) كلمة: "وهي" ليست في (ت).
(٥) في أصل (ظ): "يا آل بكر" وعلى حاشيتها صوابه: "لَبَكرٍ" وفي (م): "يا لبكر ويا لخندف" وكذلك هي في (ت) قلت: وكلا الوجهين صحيح لغة.
(٦) سقطت: "ندبة" من (م).
(٧) في (م): "آفات".
(٨) في (ت): "تعالى".
[ ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = شيبة في المصنف برقم ٩٤٥٧، وابن السني ص ١٩٨ كلهم من حديث خولة بنت حكيم. وآخر حديث في الموطأ ٢/ ٩٥٢ ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٦٥٠ من حديث كعب الأحبار. ومن حديث أبي هريرة برقم ٩٨٤٧، ٩٨٤٨، ٩٨٤٩، وفي الأسماء والصفات للبيهقي ص ١٧٠ و١٨٥، وابن السني ص ٢٦٠. والرواية عندهم جميعًا إلى قوله: "من شر ما خلق". وفي مسند الإمام أحمد ٣/ ٤١٩ واللفظ له، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٦٧١ من حديث أي التياح قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش التميمي -وكان كبيرًا- أدركت رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. قال: قلت: كيف صنع رسول الله - ﷺ - ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله - ﷺ - من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله - ﷺ - فهبط إليه جبريل -﵇- فقال: يا محمد قل ما أقول، قال قل: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ" وفي رواية ثانية لهما: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير، يا رحمن" قال: فطفئت نارهم، وهزمهم الله ﵎". قال ابن حجر في الإصابة ٢/ ٣٢٩: عبد الرحمن بن خنبش -بمعجمة ثم نون ثم موحده، بوزن جعفر، قال ابن حبان له صحبة، وقال البغوي: سكن البصرة، وتبعه ابن عبد البر وذكره البخاري في الصحابة .. ثم ذكر ابن حجر طرقًا للحديث -المتقدم- عنه، عند ابن منده وأبي زرعة في مسنده عن الوزيري عن جعفر، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة والبزار، والحسن بن سفيان من طرق كلهم عن عفان رواه عن جعفر فقال عن عبد الله بن خنبش قال: وعبد الرحمن أصح. وفي رواية أي بكر سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش فذكره. قال البزار: لم يرد عبد الرحمن غيره فيما علمت. اهـ مختصرًا.
[ ١٣٦ ]
مَا خَلَقَ، وَذَرَأ، وبرأ" فَوَصَفَهَا بالتَّمامِ؛ إذْ لَا يَجُوْزُ [أنْ يَكُونَ] (١) في شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ عَيْبٌ، أوْ نَقْصٌ، كَمَا يَكُوْن ذَلِكَ فِي كَلَامِ الآدميين. وَقِيْلَ فِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أن كُل كَلِمَةٍ كَانَتْ عَلَى حَرْفين؛ فَإنهَا عِنْدَهم نَاقِصَة، وَالتامةُ مِنْهَا مَا كَانَ أقَلُّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أحْرُفٍ، وَقَدْ أخْبَرَ الله -سُبْحَانَهُ- أنهُ إذَا أرَادَ أمْرًَا قال له: (كُنْ فَيكوُن) [يس/٨٢]. وَكَلِمَةُ (كُنْ) نَاقِصَةٌ فِي الهِجَاءِ: فَنَفَى - ﷺ (٢) - النقْصَ عَنْ كَلِمَاتِ الله قَطْعًَا لِلأوْهَامِ.
_________________
(١) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٢) في (ت): "رسول الله".
[ ١٣٧ ]
نسخة الشيخ: قال أبو سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي ﵀] (١):
واعلمْ أن حُكْمَ كَلامِهِ.
ْ [(٢) خلافُ حُكْمِ كلامِ بني آدمَ، وإن نَقْصَ الهِجَاءِ [في الكِتابةِ] (٣) لا يسلُبُهُ صفةَ الكمالِ والتمام، وقيل: إن معنى التمامِ فيها أنها تنفعُ المتعوذَ بها، وتشفيهِ، وَتحفظُة [من الآفات] (٤)، وتكفيهِ. وكان أحمد بن حنبل -﵀- يستدلُّ بهِ على أن القرآنَ غيرُ مخلوقٍ، قال (٥): وذلك لأنهُ ما مِنْ مخلوقٍ إلا وفيهِ نقصٌ.
وأما الوَسِيْلَةُ: فَقَد
[٦٨] رُوِيَ عن النبي - ﷺ - أنه سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: "هي درجةٌ
_________________
(١) روى الإمام مسلم برقم ٣٨٤ صلاة، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢١٩، ٢٢٠، والترمذي برقم ٣٦١٤ مناقب، والإمام أحمد في =
(٢) ما بين المعقوفين ليس في (ت) ولا في (م).
(٣) بداية سقط من (ظ) مستدرك من (م)، وجاء في (ت) في آخر المخطوطة المصورة خطأً في ترتيب الصفحات، ومكانه المناسب هنا كما في (م).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ت).
(٥) ما بين المعقوفين سقط من (ت).
(٦) كلمة: "قال" زيادة من (ت).
[ ١٣٨ ]
في الجنَّةِ لا يَنالُها عبدٌ غِيْرِي".
وقيلَ في "المقام المحمود": إنه الشفاعةُ.
وأمَّا قَوْلُهُ
[٦٦ مكرر]- ﷺ -: "مَنْ صلى عليّ صلاةً صلى اللهُ عليهِ عَشْرًا" فإن هذهِ فَضِيلةٌ عظيمةٌ، ومرتبة في الاختصاص والاصطفاء جليلة، وهو مشبهٌ في عُرْفِ أهل الدنيا وعاداتهم بالرَّجلِ يكونُ لهُ الحميمُ والصَّديقُ، قَدْ غابَ عنهُ، فيذكُرُهُ بَعْضُ مَنْ يحضرُهُ بالجميلِ مِنَ القولِ فيردُّ عليهِ صاحبهُ جَميلًا، ويُضاعِفُ الثَّناءَ عليهِ مجازاةً لهُ ونيابةً في الشكْر عَنْهُ" (١).
_________________
(١) = المسند ٢/ ١٦٨ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليَّ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا. ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أنْ أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة". وروى أيضًا الترمذي برقم ٣٦١٢ مناقب، والإمام أحمد في المسند ٢/ ٢٦٥ من حديث أبي هريرة بلفظ: "إذا صليتم عليّ فاسألوا لي الوسيلة. قيل: يا رسول الله! وما الوسيلة؟! قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو".
(٢) مكرر وسبق تخريجه في الحديث المتقدم قبله.
(٣) عودة المخطوطة (ت) المشار إلى سقطه ص ١٣٣، واستمرار سقط (ظ) المشار إليه في الحاشية رقم (٢) ص ١٣٨. والذي سينتهي في ص ١٦٨.
[ ١٣٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الشيخُ الحافظُ أبو مُسلمٍ عمرُ بن عليٍّ اللَّيثي البخاري بقراءتي عليه، قلتُ: أخْبَرَكُمْ الشيخُ أبو القاسِمِ عبدُ الوَهَّابِ بن محمدِ بنِ مُحَمدٍ الخطابيُّ قراءةً عليه، قَال: قَالَ أبو سليمانَ الخطابي] (١):
[٦٩] [و] (٢) قولُهُ: عندَ دُخُولِ الخَلَاءِ: "اللَّهُمَ إني أعوذُ بِكَ مِنَ الخبثِ والخَبائِثِ"، الخُبُثُ -مضمومةَ الباءِ- جمع الخبيثِ.
والخبائث: جمعُ الخبيثةِ، يريدُ: [بِهِ] (٣) ذكرَان (٣) الشياطِين وإنَاثَهُمْ.
وعَامَّة أصحابِ الحديثِ يَقُولونَ: الخبثُ -سَاكنَةُ الباءِ- وَضَمُّهَا أصْوَبُ عَلى ما فَسَّرنَاهُ. وَرَوَاة أبو عُبَيْدٍ: "مِنَ الخُبْثِ" -سَاكِنَةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح برقم ١٤٢ وضوء، وبرقم ٦٣٢٢ دعوات، ومسلم برقم ٣٧٥ (حيض)، والترمذي برقم (٥)، و(٦)، وأبو داود برقم (٤) طهارة، والنسائي ١/ ٢٠، وابن ماجه برقم ٢٩٦. وانظر غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٩٢، والفائق ١/ ٣٤٨.
(٢) ما بين المعقوفين ليس في (م) وهو من (ت).
(٣) الواو زيادة من (م).
(٤) في (م): "ذكور" وما بين المعقوفين زيادة منها.
[ ١٤٠ ]
الباءِ- وَقَالَ: مَعْنَاهُ ذو الخُبْثِ (١).
[٧٠] قَوْلُهُ عنْدَ خُرُوجِهِ (٢) منَ الخَلَاء: "غُفْرَانكَ [رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيْرُ] (٣) ". [الغُفْرَانُ: مَصْدَرٌ كالمَغْفِرَةِ، وَنَصَبَهُ على إضْمَارِ الطلَب وَالمسْألَةِ، كَأنهُ يَقُولُ: اللهم إني أسْألكَ غُفْرَانَك. كَمَا يقُولُ: "عفْوَكَ يا رَبُّ وَرَحْمَتَكَ" أيْ: هبْ لِي عفوَك ورحمتَك. والمَعْنَى في تَعْقيبِهِ الخُرُوجَ مِنَ الخَلَاء بِهَذَا الدُّعَاءِ يحتَمِلُ وَجْهين:
أحَدُهُما: أنه إنما اسْتَغْفَرَ لِترْكِه ذِكْر اللهِ -سُبْحَانَهُ- مدة لُبْثِهِ عَلَى الخَلَاءِ. وَكَانَ - ﷺ -: "لا يَهْجُرُ ذِكْرَ اللهِ إلا عِنْدَ الحاجَة والخلَاءِ". فَكَأنَهُ رَأى هجرانَ الذكْرِ في تِلك الحالِ تَقْصِيرًا، وعدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ذنْبًَا فَتَدَارَكَهُ بالاسْتِغْفارِ. وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ: التوبَة مٍنْ تقْصِيْرِه في شُكْرِ النِّعْمَةِ التي أنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيه؛ فَأطْعَمَهُ، ثم هضَمَهُ، ثم سَهَّلَ خُروجَ الأذى مِنْهُ؛ فَرأى شُكْرَهُ قاصِرًَا عنْ بُلوغِ حُقُوقِ هذِه النِّعْمَةِ (٤)؛ فَفَزِغ إلَى الاسْتِغْفَارِ] (٥) [مِنْهُ] (٦) وَكَان
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم (٣)، والترمذي برقم (٧)، وابن ماجه برقم (٣٠٠) طهارة، والدارمي ١/ ١٧٤، والإمام أحمد في المسند ٦/ ١٥٥، وابن أبي شيبة في المصنف برقم ٩٩٥٣، وابن السني ص ١٩ جميعهم =
(٢) انظر غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٩٢.
(٣) في (م): "عند الخروج".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ت) ولم أجدها في أصل الحديث.
(٥) في (م): "النعم".
(٦) ما بين المعقوفين نقله عن الخطابي الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات القسم الثاني ٢/ ٦٣.
(٧) زيادة من (م).
[ ١٤١ ]
الحَسَنُ البَصْرِيُّ يقولُ إذَا بَالَ: "يا لَها نِعْمَةً، تَدْخُل لَذَّةً، وتخرجُ سُرّحًَا".
وأخْبَرَنِي أبو محمد الكُرَّانيُّ، قَالَ: حَدثَنَا عبدُ اللهِ بنُ شَبِيْب، قَالَ: حَدَّثَنَا زكرِيّا بُن يَحْيَى المِنْقَرِي، قَالَ: حَدثَنَا الأصمعيُّ، قَال: دَخَلَ ابنُ السمَّاكِ (١) عَلَى هارونَ، فَقَالَ لَهُ: "عِظْني" فَقَالَ: " [يا] (٢) أميرَ المؤمنينَ، أرَأيْتَ (٣) إنْ مُنِعتَ شَرْبَةَ ماءٍ عنَدَ العَطَشِ أكنْتَ تَفْدِيْهَا بِنِصْفِ مُلْكِكَ؟ قَالَ (٤): نَعَمْ، فَقَالَ: أرأيتَ إنْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا عندَ الحاجَةِ، أكُنْتَ تَفْديهِ (٥) بالشَّطْرِ الآخَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فما فرحُكَ بِشيءٍ قيمتُهُ شَرْبةٌ وبولةٌ (٦)؟! ".
[٧١] [و] (٧) قولُهُ: عندَ الفَراغ مِنْ وضوئهِ: "سبحانَكَ اللهم
_________________
(١) = بدون قوله: "ربنا وإليك المصير" وهي زيادة ليست في (م) وهي من (ت) كما ذكرت في التعليق رقم (٣).
(٢) الإحياء ١/ ١٣٤ من حديث طويل لم يخرجه الحافظ العراقي. ورواه الإمام النووي في الأذكار، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص ١٦٩. قال الإمام النووي: وروى: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا اله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك" النسائي في اليوم والليلة، =
(٣) هو أبو العباس محمد بن صبيح بن السماك. ذكره أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٠٨.
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (م): "أرأيتك".
(٦) في (م): "فقال".
(٧) في (م): "تفديها".
(٨) رواه الطبري في تاريخه ٨/ ٣٥٧، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص ٢٩٣ بألفاظ قريبة بمعناها الذي هنا، ولم يذكرا السند.
(٩) زيادة من (م).
[ ١٤٢ ]
وبحمدِكَ". قَالَ النَّحوُّيون: "سُبْحَانَ" مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلك: سَبَّحْتُ الله تَسْبِيحًَا وَسُبْحَانًَا، أيْ: نَزَّهْتُهُ تَنْزِيْهًَا وَ[بَرأتُهُ] (١) تَبْرِئَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ الأعْشَى (٢):
أقولُ لَما جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ
يُرِيدُ: التَعَجُّبَ (٣) مِنْ فَخْرِهِ، والتبرُّؤَ. مِنْهُ. وَيُقَالُ: إن التسْبِيحَ مأخُوذ مِنْ قَوْلكَ: سَبَحَ الرَّجُلُ في الأرْضِ، إذَا: ذهب فِيْهَا. وَمِنْهُ قِيْلَ للفَرَسِ -إذَا كَان جيّد الرَّكْضِ-: سابحٌ.
وأما دُخُولُ الوَاوِ في قَوْله: "وَبِحَمْدِكَ" (٤) فَإن الحَسَنَ بنَ خَلاَّدٍ أخْبَرَنِي، قَالَ: سَألْتُ عَنْهُ الزَّجَّاجَ؛ فَقَالَ: سَألْتُ عَما سَألْتَنيِ [عَنْهُ] (٥) أبَا العَباسِ، مُحَمَّدَ بنَ يَزِيدَ، فَقَالَ: سَألْتُ أبَا عُثمان المازِنيَّ عَما سَألْتَني [عَنْهُ] (٥)، فَقَالَ: المَعْنَى: سَبَّحْتُكَ اللهم بِجَمِيع
_________________
(١) = وغيره بإسناد ضعيف. وعلق عليه ابن علان في الفتوحات لشرح الأذكار ٢/ ١٦، ٢٠ فقال: ورواه باللفظ الذي عند النسائي الطبراني في الأوسط، ورواته رواة الصحيح. اهـ ويحسن الرجوع إليه؛ لأن ابن علان أطال في الروايات وبيانها.
(٢) زيادة من (م).
(٣) ديوانه ص ١٤٣، البيت الثلاثون من قصيدة أبياتها ستون بيتًا، وأورد أكثر أبياتها، وتحدث عن مناسبتها، وشرحها، العلامة عبد القادر البغدادي في شرح أبيات المغنى ٧/ ٩٩، ٢٠٣.
(٤) في (م): "المعجب".
(٥) في (م): "بحمدك" أي بسقوط الواو مع أنها موطن الاستشهاد، ولعله سهو من الناسخ.
(٦) زيادة من (م) في الموطنين.
[ ١٤٣ ]
آلائِكَ، وَبِحَمْدكَ سَبَّحْتُكَ قالَ: وَمَعْنَى سُبْحَانَك: سَبَّحْتُك.
قَال أبو سُلَيْمانَ يُرِيدُ بِقَوْلِه: "وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ" أي: وَبِمَعُونَتِكَ التي هِيَ نِعْمَةٌ تُوجبُ عليَّ حَمْدًَا (١) سَبَّحْتُك، لَا بحَولِي وَقُوَّتِي.
وَسَمِعْتُ أبَا عُمَرَ (٢) يَقُولُ: سُئِلَ أبُو العَباسِ أحْمَدُ بنُ يَحْيىَ عَنْ قوْلِهِ: "وَبِحَمْدِكَ" فَقَالَ: أرادَ: "سَبَّحْتُكَ بِحَمْدِكَ" كَأنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أنَّ الوَاوَ صِلَةٌ.
[٧٢] [وَ] (٣) قوْلُهُ: "اللهم اجْعَلْ فِي قَلْبي نُوْرًَا وَاجْعَلْ في لِسَانِي نُورًَا واجْعَلْ فِي سَمْعِي نُوْرًَا، واجْعَلْ فِي بَصَرِي نُوْرًَا، واجْعَلْ [مِن] (٤) خَلْفِي نُوْرَا، ومِنْ أمَامِي نُوْرَا، واجْعلْ مِن فَوْقِي نُوْرًا، وَمنْ تَحْتي نُوْرًَا".
معنى النُّورِ في هَذا: ضِيَاءُ الحَق وَبَيَانُهُ، كَأنهُ يَقُولُ: اللهم اسْتَعْملْ هذِهِ الأعْضَاء مني في الحَقِّ، واجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِي هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٦٣١٦ دعوات، ومسلم برقم ١٨١، ١٨٧، ١٨٩، ١٩١ (٧٦٣) مسافرين، والإمام أحمد ١/ ٣٤٣، وأبو داود برقم ١٣٥٣، والنسائي ٢/ ٢١٨، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٧٠٥، وصحيح الجامع الصغير برقم ١٢٧٠.
(٢) في (م): "حمدك".
(٣) هو الزاهد، الملقب بغلام ثعلب.
(٤) زيادة من (م).
(٥) زيادة من (م).
[ ١٤٤ ]
الجِهَاتِ على سَبِيْلِ الحَقِّ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلهِ بَعْدَ رَكعَتَيْ السُّنةِ (١):
[٧٣] "اللهم اجْعَلْ نُوْرَا في قَلْبِي، وَنُوْرَا فِي سَمْعِي، وَنُوْرًَا
_________________
(١) طرف من حديث طويل ستأتي فقرات أخرى منه أخرجه الترمذي في الدعوات برقم ٣٤١٩ من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ليلة حين فرغ من صلاته: "اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطني إيمانًا ويقينًا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز في العطاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء. اللهم إني أنزل بك حاجتي- وإن قصَّر رأيي، وضعف عملي افتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور، أن تجيرني من عذاب السعير، ودعوة الثبور، ومن فتنة القبور. اللهم ما قصَّر عنه رأيي، ولم تبلغه نيتي، ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدًا من خلقك، أو خير أنت معطيه أحدًا من عبادك، فإني أرغب إليك فيه وأسألك برحمتك رب العالمين. اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، وعدوًّا لأعدائك، نحب بحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الاستجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان. اللهم اجعل لي نورًا في قبري، ونورًا في قلبي، ونورًا من بين يدي، ونورًا من خلفي، ونورًا عن يميني، ونورًا عن شمالي، ونورًا من فوقي، ونورًا من تحتي، ونورًا في سمعي، ونورًا في بصري، ونورًا في شعري، ونورًا =
(٢) في (م): "الفجر".
[ ١٤٥ ]
فِي بَصَرِي، وَنُوْرًَا في شَعْري، وَنوْرًَا في بَشَرِي، وَنُوْرًَا فِي لَحْمِي، وَنُوْرًَا فِي دمِي، وَنُوْرًَا فِي عِظَامِي". وَإنما ذَلِكَ لأن القَلْبَ أميرُ البَدَنِ، وَهُوَ الذِي يَسْتَعْمِلُ سَائِرَ الأعْضَاءِ، وَهِيَ (١) عَلَى إرَادَتِهِ تَتَصَرَّفُ، فَإذَا استَنَارَ القَلْبُ انْبَثَّ نُورُهُ فِي سَائِرِ البَدَنِ (٢)، وَفَاضَ عَلَى جَميعِ أجْزَائِهِ. وَقَدْ يَكُونُ أيْضًَا مَعْنَى النورِ: فِي اللَّحْمِ، والدَّمِ، والعِظَامِ، والشعْرِ، والبَشَرِ مُنْصَرِفًَا إلى القُوتِ الذِي بِهِ يَغْتَذِي البَدَنُ وَمِنْه تَسْتَمِدُّ هذِهِ الأعْضَاءُ (٣) قُوَاهَا. سَألَ الله بِأنْ (٤)
_________________
(١) = في بشري، ونورًا في لحمي، ونورًا في دمي، ونورًا في عظامي، اللهم أعظم لي نورًا، وأعطني نورًا، واجعل لي نورًا، سبحان الذي تعطف العز وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرَّم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنِّعَم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ليلى من هذا الوجه. وقد روى شعبة وسفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - بعض هذا الحديث ولم يذكره بطوله. قلت: رواية شعبة وسفيان في البخاري ومسلم، مرت في الحديث السابق ورواه في فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢/ ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥ عن الترمذي والطبراني والبيهقي في الدعوات عن ابن عباس وقال: حسنه (حسن)، وانظر كنز العمال ٢/ ١٧٢، وتحفة الأحوذي ٩/ ٣٦٧.
(٢) ليست كلمة: "هي" في (م).
(٣) في (م): "الجسد".
(٤) في (ت): "الأخلاق" ثم صحح على الحاشية بدلًا منها "الأخلاط".
(٥) في (م): "أن".
[ ١٤٦ ]
يجعَلَ رِزْقَهُ طَيِّبًَا، فَإن أكْلَ الحَلَالِ يَصلُحُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَحْسُنُ مَعَهُ الأخْلَاقُ، وَأكْلُ الحَرَام يَفْسُدُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَخْبُثُ مَعَهُ الأخْلَاقُ.
وَقَدْ ضَرَبَ اللُهُ -سُبْحَانَهُ- مَثلَ الحَق والبَاطِلِ بالنورِ والظُّلُمَاتِ، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ (١) -: (اللهُ وليُّ الذينَ آمَنُوا يخرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النورِ والذِينَ كَفَرُوا أوْليَاؤُهُمُ الطاغُوتُ يُخْرِجُونَهمْ مِنَ النورِ إلى الظُّلمَاتِ) [البقرة/٢٥٧] وذلك أن أمْرَ الضلاَلَةِ (٢) والبَاطِلِ مُظْلِمٌ غيرُ بَيّن، وَأمْرُ [الهُدَى و] (٣) الحَق بيّن واضِحٌ كبيانِ النورِ.
[٧٤] [و] (٤) قوله: [- ﷺ -] (٥): "أسْالكَ يا قاضِيَ الأمورِ ويا
شَافِيَ الصُّدورِ كَما تُجيرُ بين البحورِ أنْ تُجيرني من عذابِ السَّعيرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبورِ و[من] (٦) فِتْنَةِ القُبورِ".
أصلُ الثبورِ: الهلاكُ، [يقال] (٦): ثُبِرَ الرجلُ فهو مثبورٌ، إذا: أصابَهُ الهلاكُ. ومن هذا [قولُ الله تعالى] (٧): (وإني أَظُنُّكَ
_________________
(١) تقدم في الحديث الطويل السابق، وانظر كنز العمال ٢/ ١٧١، ١٧٢، ٦٥٠، والإحياء ١/ ٣١٤.
(٢) في (م): "تعالى".
(٣) في (م): "الضلال".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (ت).
(٧) زيادة من (م) في الموطنين.
(٨) في (م): "قوله سبحانه".
[ ١٤٧ ]
يا فرعونُ مثبورًا) [الإسراء/ ١٠٢] أيْ: [أظنك] (١) مُهْلَكًا. وقالَ الفرَّاءُ في قولهِ: "مَثْبُوْرًَا" أيْ: ملعونًا ممنوعًا من الخير. يُقَالُ: مَا ثَبَرَكَ عنْ هذا الأمرِ؟ أيْ: مَا مَنَعَكَ [منه] (٢) ومَا صَدَّك عنه؟
ودعوةُ الثُّبورِ: دعوةُ أهلِ النارِ، يدعونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بالهَلَاكِ وبالموتِ (٣)، ليتخلَّصُوا مِنَ العذابِ. باللهِ نَستَعِيذُ مِنْ عَذَابِهِ وسَخَطِهِ.
وفتنةُ القبورِ؛ مَعْنَاهَا: مسألةُ القَبْرِ،
[٧٥] [و] (٤) رويَ عن النبِي - ﷺ - أنهُ ذَكَرَ فتنةَ القبرِ فَقَالَ: "بي تُفْتَنُونَ وَعَني تُسْألونَ" يريد قولَ الملكِ: "مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبيُّكَ؟ " ومعنى الفتنةِ: الامتحانُ.
وأخْبَرَنِي أبو عُمَرَ عن أبي العبَّاسِ، قَالَ: أصلُ الفِتْنَة مِنْ قَوْلكَ: فتنت الذَّهبَ، إذَا أدْخَلْتَهُ [في] (٥) النارِ؛ تَمتحِنُهُ؛ لتعرفَ جيِّدَهُ مِنْ رَدِيئهِ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/ ١٣٩ - ١٤٠ من حديث طويل عن عائشة ﵂، وفي غريب الحديث للخطابي ١/ ٣٦٧، وابن ماجه مختصرًا ٢/ ١٤٢٦.
(٢) سقطت من (م).
(٣) سقطت من (ت).
(٤) في (م): "والموت".
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (م).
[ ١٤٨ ]
[٧٦] [و] (١) قولُهُ: "اللهم اجعَلْنَا هُداة مُهْتَدِينَ غير ضَاليْنَ وَلَا مُضلِّينَ، حَرْبًَا لأعْدَائِكَ، سِلْمًا لأوْليَائِكَ". الحرب: المحارب.
والسِلم: المُساِلمُ، أُقيمَ الاسمُ فيهِ مقامَ الفِعلِ. يقالُ: رجلٌ حربٌ وقومٌ حربٌ، ورجلٌ سلمٌ، وقومٌ سِلمٌ الواحدُ والجمعُ فيه سواءٌ ومثلهُ رَجُلٌ عدوٌّ، وقومٌ عدو، كقولهِ [تَعَالى]: (وَهُمْ لَكُمْ عدو) [الكهف/ ٥٠] ويُقَالُ: هُوَ لَكَ صَدِيْقٌ، وَهُمْ صَدِيْقٌ.
وَحَكَى أبو حاتِم: أنَّ عَجُوْزًَا مِن الأعْراب أقْبَلَتْ مِنَ السُّوقِ، وكانَ الطريقُ غاصًَّا بأصْحابِ أبي زَيْدٍ النحويِّ فَقَالَت (٢):
تَنَحَّ للعَجُوزِ عَنْ طَرِيْقِهَا
إذْ أقْبَلَتْ جَاثِيَة مِنْ سُوْقِهَا
دَعْهَا فَمَا النَّحويُّ مِنْ صَدِيْقِها
تريدُ: مِنْ أصدقَائِهَا.
[٧٧] [و] (٣) قوله: "اللهم ذَا الحبل الشديد، والأمر الرشيد،
_________________
(١) تقدم في الحديث رقم (٧٣).
(٢) تقدم ضمن الحديث الطويل برقم (٧٣).
(٣) زيادة من (م).
(٤) هذه الأبيات الثلاثة من مشطور الرجز منسوبة لرؤبة وهي في ملحقات ديوانه ص ١٨١، وانظر شرح الشافية ٢/ ١٤٠ وشرح شواهدها ٤/ ١٣٨ والتاج (صدق). والبيت الثالث في ابن يعيش ٥/ ٤٩ وفيه كلمة: "النحوي" محرفة إلى "الحوي" والبيت الثاني روايته في المصادر: قد أقبلت رائحة من سوقها
(٥) زيادة من (م).
[ ١٤٩ ]
أسألكَ الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود" الحبل: السبب الذي يتمسك به، والحبل: العهد؛ ومنه قوله [تعالى] (١): (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميْعًَا) [آل عمران/١٠٣] قَالَ الأعْشَى (٢):
وإذَا تُجَوِّزُها حبالُ (٣) قَبيلةٍ أخَذَتْ من الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا
وقيلَ: حبلُ اللهِ: القرآنُ. وفيهِ عهدُهُ، وأمرُهُ، ونهيُهُ.
ووصفَ الحبلَ بالشدةِ لأن من تعلَّقَ بِهِ أمِنَ انبِتَاتَهُ وانقِطَاعَهُ.
[٧٨] [و] (٤) قولُهُ: "سُبْحَانَ مَن (٥) تعطفَ العِزَّ وقالَ بهِ، سُبْحانَ الذِي لَبسَ المجدَ وتكرَّمَ بهِ". تَعَطَّفَ مَأخُوذ مِنَ العِطافِ، وهوَ الرِّدَاءُ. وإنما هُوَ مَثَلٌ كَما جاءَ: "أن الكبرياءَ رداءُ الله" (٦) ومعناهُ: الاختصاص بالعزِّ والاتصافُ بهِ لا يفارقُهُ بمنزلةِ الرِّدَاءِ للابِسِهِ الذي اتَّخذَهُ زينة ولباسًا، لا يَضَعُهُ ولا يُفَارِقُهُ. ومعنى "قالَ بِهِ": حَكَمَ بِهِ فينفذُ حكمُهُ، ولا يُرَدُّ أمرُهُ. يقالُ مِنْهُ: قَالَ الرجل، واقتالَ، إذَا: تَحَكَّمَ فمضَى حُكْمُهُ، ومِنْهُ سُمِّي "القَيْلُ" وهوَ المَلِكُ.
وأنشَدَ أبو العبَّاسِ عن ابن الأعرابي (٧):
_________________
(١) تقدم في الحديث رقم (٧٣).
(٢) في (م): "سبحانه".
(٣) ديوانه ص ٢٩ من قصيدة أبياتها (٥٤) بيتًا.
(٤) في (م): "حبلك".
(٥) زيادة من (م).
(٦) في (م): "الذي".
(٧) أصل معناه في مسلم ٤/ ٢٠٢٣.
(٨) البيت للجُعَيْد المرادي كما في اللسان (نطب - قول) وفي التاج نسبه لزنباع =
[ ١٥٠ ]
نحنُ ضَربْنَاهُ عَلَى نِطابِهِ قُلْنَا بِهِ قُلْنَا بِهِ قُلْنَا بِهِ
قال أبو العباس: مَعْنَاهُ: حَكَمْنَا بِهِ.
وقال علقمة بن عبدة (١):
فَلَوْ أن مَيْتًَا يُفتدَى لفَدَيْتهُ (٢) بِمَا اقْتَالَ مِنْ حُكْمٍ عَلَيَّ طبيبُ
_________________
(١) = المرادي، وفي التكملة (نطب) عن ابن الأعرابي، ثم قال: وقال ابن الكلبي: هو لهبيرة ابن عبد يغوث، وذكره ضمن الأشطار التالية: نحن ضربناه على نطابه بالمرج من مرجحَ إذ ثُرنا به بكل عضب صارم نَعْصَى به يلتهمُ القِرْن على اغترابِهِ ذاك وهذا انقضَّ من شعابِهِ قلنا به، قلنا به، قلنا به وجاء في حاشية (ت) قال أبو زيد: النطب: ضربك بأصبعك أذن الرجل، نطبته أنطبُه نطبًا، ويقال للرجل الأحمق: منَطبة.
(٢) هذا وَهَمٌ صوابه: علقمة بن عوف بن رفاعة الغنوي، وهذا الاسم أحد اسمي كعب بن سعد الغنوي، كما في معجم الشعراء للمرزباني ص ٢٢٨، والبيت له من قصيدته المشهورة في رثاء أخيه أبي المغوار: تقول سليمى ما لجسمك شاحبًا كأنك يحميك الشراب طبيبُ ولكنه ملفق من بيتين -مع اختلاف يسير في الشطر الأول- وهما: فلو كان ميت يفتدى لفديته بما لم تكن عنه النفوس تطيبُ ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال من حكم عليَّ طبيبُ وانظر السمط ص ٧٧١ وما بعدها، والأصمعية رقم ٢٥، وجمهرة أشعار العرب ص ٦٩٢.
(٣) رواية (م): "لافتديته".
[ ١٥١ ]
وقوله: "لَبِس المجدَ" مثله (١)، والقولُ فيه كَما قَلنا في "تعطَّف" سواءٌ.
[٧٩] [و] (٢) قوله: "والخيرُ كُلُّهُ في يَدِكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"
_________________
(١) هذا طرف من حديث طويل أخرجه مسلم برقم ٣٠١ (مسافرين)، والنسائي ٢/ ١٣٠، واللفظ لمسلم من حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله - ﷺ - أنه كان: إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيِّئها، لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت. لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك" وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي" وإذا رفع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ" وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين" ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". ورواه الدارمي ١/ ٢٨٢ إلى قوله: "أستغفرك وأتوب إليك".
(٢) في (م): "مثل".
(٣) زيادة من (م).
[ ١٥٢ ]
معنى هذا الكلام الإرشادُ إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى (١) والمدحِ لهُ بأنْ تضافَ إليهِ محاسِنُ الأمُورِ (٢) دوْنَ مساوِئهَا ولم يَقَعِ القَصْدُ إلَى إثْبَاتِ شيْءٍ وإدخالهِ له (٣) تحتَ قُدْرَتِهِ ونفي ضدِّهِ عَنْهَا، فإنَّ الخيرَ والشرَّ صادرانِ عَنْ خَلْقِهِ (٤)، وقدرَتهِ، لا موجدَ لشيءٍ منَ الخَلْقِ غَيْرُهُ. وَقَد تُضَافُ محاسنُ الأمورِ ومحامدُ الأفعالِ إلى الله تعالى (٥) عند الثناءِ عليهِ دونَ مساوِئهَا ومذامِّهَا كقولِهِ [تَعالى] (٦): (وإذا مَرِضْتُ فَهُو يَشْفِيْن) [الشعراء/ ٨٠] [وكقوله تعالى] (٧): (وَقَدْ أحسَن بي إذْ أخْرَجَني مِنَ السِّجنِ) [يوسف/١٠٠] ولم يُضِفْ سببَ وقوعِهِ في السِّجن إليهِ.
وكما تضافُ مَعَاظِمُ الخليقَةِ إِليهِ عندَ الثَّناءِ والدُّعاءِ فيُقَالُ: "يا رب السمواتِ والأرضِين" كما يُقالُ: "يا رب الأنبياءِ والمرسلين" ولا يَحْسُنُ أن يقال: يا ربّ الكلاب، ويا ربَّ القِرَدةِ والخنازيرِ، ونحوها مِن سَفَلِ الحيوانِ، وحشراتِ الأرْضِ، وإنْ كانتْ إضافةُ جميعِ المكوَّناتِ إليهِ من جِهَةِ الخلقِ (٨) لَهَا، والقدرَةِ عَلَيْها شامِلَة لجميعِ أصْنافِهَا.
وسُئِلَ الخَليْلُ عَنْ قَوْلهِ: "والشَّرُّ ليْسَ إلَيْكَ" فقالَ: معناهُ:
_________________
(١) في (م): "﷿".
(٢) في (م): "الأمر".
(٣) سقطت: "له" من (م).
(٤) في (م): "معلقه" ولم أهتد إلى وجه فيها، ولعلها خطأ من الناسخ.
(٥) في (م): "جل وعلا".
(٦) في (م): "جل وعز".
(٧) سقط ما بين المعقوفين من (م).
(٨) في (ت): "الخلقة".
[ ١٥٣ ]
ليسَ مما يُتَقَرّبُ بهِ إليكَ؛ كَأنهُ يذهبُ إلى مثلِ قَوْلِ القائِلِ لِرَئيسِهِ: أنَا منكَ وإليكَ، أيْ: عِدادي مِنْكَ (١)، ومَيْلي وانْقِطَاعِي إِلَيكَ، في نحوِ هذا مِنَ الكَلامِ.
[٨٠] (٢) [و] (٣) قولهُ [- ﷺ -] (٤) في الركوع [والسجودِ] (٤): "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَب الملائِكَةِ والرُّوحِ". السُّبُّوحُ: المُنَزهُ عنْ كُل عَيْب. [جاءَ] (٥) بِلَفْظِ: فُعُّول مِنْ قولكَ: سبَّحتُ اللهَ؛ أيْ: نَزهْتُهُ. وَقَدْ
[٨١] رُوِيَ عَن النبي - ﷺ -: أنّهُ سُئِلَ عن تَفْسِير قَوْلهِ: "سُبْحانَ اللهِ" فقال: "إنْكافُ الله منْ كُل سوءٍ"؛ أيْ: تنزيهُهُ.
والقُدُّوسُ: قَدْ فَسَّرْنَاهُ في الأسْماءِ.
والرُّوح: فيه قولان:
أحدُهُما: أنه جبريلُ -صلواتُ الله عليهِ (٦) - خُصَّ بالذِّكر
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم ٤٨٧ صلاة، والنسائي ٢/ ١٩١، ٢٢٤ من حديث عائشة ﵂.
(٢) هو في غريب الحديث للخطابي ١/ ١٣٩، والنهاية ٥/ ١١٦، والفائق ٤/ ٢٣ (نكف).
(٣) سقطت: "منك" من (م).
(٤) من هنا تبدأ نسخة الظاهرية الثانية المرموز لها (ظ ٢).
(٥) زيادة من (م).
(٦) زيادة من (ت) في الموطنين.
(٧) ليست في (م).
(٨) في (م): "﵇".
[ ١٥٤ ]
تفضيلًا لهُ على سائرِ الملائِكةِ، ويُقالُ: إن الرُّوح خلْق منَ المَلاِئكةِ يُشَبَّهونَ في الصُّوَر بالإنسِ وليسوا بإنس (١).
[٨٢] [و] (٢) قولُهُ: "سَمِعَ الله لمنْ حَمدَهُ، اللهمّ رَبَّنَا لك (٣)
الحمدُ ملءَ اِلسمواتِ وَمِلْء الأرضِ. وملءَ ما شئتَ منْ شَيْءٍ بَعْدَهُ". قَدْ يَحتَمِلُ أن يكونَ قَوْلُهُ: "سَمِعَ الله لمن حمده" دعاءً منَ الإمامِ للمأمُومِين لأنهم يقولونَ: "ربَّنا لكَ الحمدُ" (٤) وهذا عَلَى مَذْهَبِ من يقولُ: إن المأمومَ لا يقولُ: "سَمِعَ الله لمن حمِدَهُ" وعلى مذهبِ أكثر العلماءِ يجمعُ الإمامُ والمأمومُ بْين الكَلِمتينِ فَتَشيْعُ الدَّعْوَةُ من كُلٍّ من الطائِفتينِ لِنَفْسِهِ، ولأصْحابِهِ. ومعنى سَمِعَ: استجابَ.
فأمَّا (٥) قولُهُ: "مِلءَ السمواتِ وملءَ الأرضِ" فإن هذا كلامُ تمثيلٍ وتقريب، والكلامُ لا يُقَدَّرُ بالمكاييلِ ولا تُحشَى بِهِ الظروفُ، ولا تسعُهُ الأوْعِيَةُ وإنما المرادُ بِهِ (٦) تكثير العددِ. حتى لو يُقَدَّرُ أنْ تكونَ تِلْكَ الكلماتُ أجسامًا تملأُ الأماكنَ لَبَلَغَتْ منْ كَثْرَتِهَا ما يملأُ (٧) السمواتِ والأرضينَ.
_________________
(١) سبق في الحديث رقم (٣٠) و(٣٥) و(٧٩).
(٢) عبارة (م): "يشبهون الإنس في الصور وليسوا بإنس".
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (م): "ولك الحمد".
(٥) في (م): "اللهم ربنا لك الحمد".
(٦) في (م): "وأما".
(٧) في (م): "منه".
(٨) في (ظ): "تملأ".
[ ١٥٥ ]
وَقَدْ يحتملُ أيْضًَا (١) أنْ يكونَ المرادُ بِهِ (٢) أجرُها وثوابُها. ويحتملُ أنْ يرادَ بهِ التعظيمُ لها والتفخيمُ لِشَأنِهَا؛ كَمَا يقولُ القائلُ: تكلَّمَ فلان اليومَ بكلمةٍ كأنها جبلٌ، وحلفَ بيمينٍ كالسمواتِ والأرضين؛ وكَما يُقالُ: هذه كلمةٌ تملأُ طِباقَ الأرضِ، أيْ: أنها تسيرُ وتنتشرُ في الأرضِ، كما قَالُوا كلمة تملأُ الفَمَ وتملأ السَّمْعَ، ونحوَها من الكَلَام. والمِلءُ -بكسر الميم- الاسم. والمَلء: المصدرُ من قولكَ ملأتُ (٣) الإِناءَ مَلْئًَا.
[٨٣] [و] قولُهُ: "وأعوذ بكَ مِنْ فتنةِ المسيحِ الدّجَّالِ" عوامِ الناس يولَعُونَ -بكسر الميم- من المَسيْح، وتثقيل السين -لِيَكون ذلِكَ عندَهُم فَرقًَا بينَ عِيسى [﵇] (٤) وبينَ مَسِيْحِ الضَّلاَلَةِ (٣). والاختيارُ في كل واحدٍ [منهما: فتحُ الميم] (٥) وتخفيفُ السين. وإنما سُمِّيَ الدَّجَالُ مَسِيْحًا لأنَهُ مَمْسُوحُ (٣) إِحدَى العَيْنين.
وَسُمِّيَ عيسى -[صلواتُ الله عليه] (٦) - مَسِيْحًا لأنهُ [كان] (٧) إذا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ بَرَأ. فَهُوَ في نعْتِ عِيْسى [﵇] (٧) فَعيلٌ
_________________
(١) رواه البخاري في الفتح برقم ٦٣٦٨، ٦٣٧٥ دعوات، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٩، وسبق تخريجه مع الحديث رقم (٤٨).
(٢) سقط: "أيضًا" من (م).
(٣) في (م): "بها".
(٤) في (ظ ٢) أتلفت الأرضة مكان الكلمات الثلاث.
(٥) زيادة من (م).
(٦) ما بين المعقوفين في (ت) و(ظ ٢): "نصب الميم".
(٧) في (م): "﵇".
(٨) زيادة من (م) في الموطنين.
[ ١٥٦ ]
بمعنى فاعلٍ. وفي نَعْتِ الدَّجَّالِ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ.
[٨٤] [و] (١) قَوْلُهُ: "اللهم أنتَ السَّلامُ" إِلى قَوْلهِ: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجدُّ".
قَدْ (٢) فَسَّرْنَا السَّلامَ [في الأسماء] (١)، وَذَكَرْنَا أن مَعْنَاهُ: ذو السلامِ. وَأشْبَعْنَا بَيَانَهُ هُناكَ (٣) فَأغْنى ذلك عنِ إِعادتِهِ. وَأما قولُهُ: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، فَإن الجَدَّ يُفسَّرُ عَلَى وَجْهين، أحَدُهُما: الغِنَى، وَمِنْهُ
[٨٥] قَوْلُهُ - ﷺ - في الفُقَرَاءِ: "أنَهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ وَإذَا
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم ٥٩١، ٥٩٢ ذكر من حديث ثوبان وعائشة وعاصم وابن خزيمة ١/ ٣٦٣ بلفظ: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". أما قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" فهو من حديث آخر عند مسلم وابن خزيمة ١/ ٣٦٥ من حديث المغيرة بن شعبة كتب به إلى معاوية وقد سبق ذكره في الحديث المتقدم برقم (٣٥). ص ٩٣ فانظره هناك.
(٢) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٥١٩٦ نكاح، و٦٥٤٧ رقاق من حديث أسامة عن النبي - ﷺ - قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء". ورواه الِإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٠٥، ٢١٠. وفي الرواية الثانية =
(٣) زيادة من (م) في الموطنين.
(٤) في (ت) و(ظ ٢): "وقد".
(٥) سقطت من (م) كلمة: "هناك".
[ ١٥٧ ]
أصْحابُ الجَدِّ محبُوسُونَ" يريدُ أن أصحابَ الأموالِ محبوسُوْنَ لِلمُحَاسَبَةِ.
والجدّ (١) أيضًا بمعنى البَخْتِ، يُقالُ: لِفُلانٍ جَدٌّ في هَذا الأمرِ، أيْ: حظٌّ. يَقُولُ: إن المالَ والغِنَى والبَخْتَ لا يَنْفَعُ أحَدًَا إنما النفْعُ والضرُّ من قِبَلِ الله -سبحانَهُ-.
وأما قولُ الله -جل وعز-: (وأنهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) [الجن/٣]، فَمَعْنَاهُ: الجَلالُ والعَظَمَةُ. وقَوْلُهُ: "مِنْكَ الجَدُّ" مِنْ -هَا هُنَا- بمَعْنَى البدلِ، كَقَوْلهِ -﷿-: (وَلَو نَشَاءُ لَجَعْلَنَا منكُمْ مَلَائِكَة في الأرضِ يَخلُفُونَ) [الزخرف/ ٦٠] أيْ: بدلَكُمْ.
[٨٦] [و] (٢) قوله: "أعُوذُ بِرِضَاكَ منْ سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ (٣)، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ".
_________________
(١) = له: "قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء ". وانظر غريب الحديث للهروي ١/ ٢٥٨.
(٢) أخرجه مسلم برقم ٢٢٢ صلاة، من حديث عائشة، والترمذي برقم ٣٤٩٣، ٣٥٦٦ دعوات، من حديث عائشة وعلي، وأبو داود برقم ٨٧٩، ١٤٢٧ عنهما وعن أبي هريرة ﵃، وابن ماجه برقم ١١٧٩، ٣٨٤١، والنسائي ٢/ ٢١٠، ٢٢٢ و٣/ ٢٤٩، والموطأ ١/ ٢١٤، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٧٦٠، من حديث علي. وفي ابن خزيمة ١/ ٣٦٧، وكنز العمال ١/ ٦٩٧ من حديث كعب عن صهيب.
(٣) سقطت كلمة: "الجد" من (م).
(٤) الواو زيادة من (م).
(٥) في (م): "نقيمتك".
[ ١٥٨ ]
قلتُ (١): الرِّضَى: ضدُّ السّخْطِ، والنقْمَةُ: ضِدُّ العَفْو.
فلِذَلِكَ قابلَ الضد بالضدِّ [في موضِع اللغة] (٢)، فَلَما انتهى إلى ذكرِ ما لا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ -سبحانَهُ- أظْهَرَ العَجْزَ. والانْقِطاعَ، وفَزِعَ منهُ إليهِ، واستعاذَ بهِ مِنْهُ، واسْتَجَارَ بفَضْلِهِ مِنْ عَدْلِهِ. وفيهِ دَلِيْلٌ عَلَى أن النفْعَ والضُرَّ والَخْيرَ والشر مصدَرُهُما جَميْعا مِنْ قِبَل الله -﷿-.
[٨٧] [و] (٣) قوله: "سبحانَ اللهِ عَدَدَ خلقِهِ، ورِضَى نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، ومدادَ كلماتِهِ" المداد: مصدر كالمدد، يقالُ: مددْتُ الشيءَ أمدّهُ مَدَدًَا ومِدَادًَا قال الشاعر (٤):
رَأوْا بارقاتٍ بالأكفّ كأنها مَصَابِيْحُ سُرْجٍ أُوقدتْ بمدادِ
أيْ: بِزَيْتٍ يَمُدُّها. وَرَوَى سَلَمَةُ عن الفَرّاءِ، قَالَ: قَالَ الحارثي: يَجْمَعُونَ المُدَّ: مِدادًَا. وأنشدني (٥):
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم ٢٧٢٦ ذكر، وأبو داود برقم ١٥٠٣، والترمذي برقم ٣٥٥٥، والنسائي ٣/ ٧٧، وابن ماجه برقم ٣٨٠٨، والإمام أحمد في المسند ١/ ٢٥٨، ٣٥٣، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٧١، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٤٤٤، وكنز العمال ١/ ٤٧٠.
(٢) سقطت: "قلت" من (م).
(٣) ما بين المعقوفين جاء في (م) بعد قوله: "الرضى".
(٤) زيادة من (م).
(٥) هو الأخطل، والبيت في ديوانه ١/ ١٧٤، وفي غريب الحديث للخطابي ١/ ٢١٠ وفي اللسان والتاج (مدد).
(٦) أنشده الخطابي في غريب الحديث ١/ ٢١٠. وجاءت الرواية في (م) مصحفة: بخبز شعر وخبر وقوله: "مايرن" من الميرة.
[ ١٥٩ ]
مَايَرْنَ في البحرِ بخير سِعْرِ وخير مُدٍّ من مِدادِ البحرِ
فعَلى هذا يكونُ معناهُ المِكْيَالُ، والمعيارُ. وَكَلِمات الله -سُبْحَانَهُ- لا ينتهي إلى أمدٍ، ولا تُحَدُّ، ولا تُحصَى بعَدَدٍ، ولكنهُ ضَرَبَ بهما (١) المثلَ ليدلَّ على الكثرةِ والوُفُورِ، ونَصَبَ "العَدَدَ، والمِدادَ" على المصْدَرِ. و"زنةُ العرشِ": ثِقْلُهُ ورَزَانَتُهُ. والعَرْشُ: خلْقٌ عظيمٌ للهِ -﷿ (٢) - لا يَعْلَمُ قَدرَ عِظَمِهِ ورزانَةَ ثِقْلِهِ أحدٌ غيرُ اللهِ -[سبحانَهُ] (٣) - وهو مَخُلوقٌ، ومحدودٌ؛ ألا تَرَاهُ يقولُ: (وتَرى الملائِكَةَ حافينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ)؟ [الزمر/٧٥] وهوَ محمولٌ عَلَى كواهِلِ الملائكَةِ، واللهُ -سُبحانَهُ- حامِلٌ حملتَهُ، لا حاجةَ بِهِ إلى العَرْش، وَلَيْسَ بِمكانٍ لَهُ، ولا هُوَ مُتَمَكَنٌ فيهِ وَلَا مُعْتَمِدٌ عليهِ لأن هَذَا كلهُ من صفاتِ الحدَثِ (٤)، لكنهُ بائِنٌ منْهُ ومنْ جميع خلْقِهِ، وإنما جاءَ في التنْزِيلِ: (الرحْمنُ على العَرْشِ اسْتَوى) [طه/٥] فنحنُ نؤمنُ بما أُنزِلَ، ونقولُ كما قالَ، وَلَا نُكيِّفُهُ، ولا نَحُدُّهُ، وَلا نَتَأوَّلُهُ. كما فَعَلَهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ، وَهَذا بابٌ من العلمِ الذِي يَجبُ عَلَيْنَا الإيمانُ بِظَاهِرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا الكَشْفُ عنْ باطِنِه.
[٨٨] [و] (٥) قَوْلُهُ: [- ﷺ -] (٦): "أفْضَلُ الكَلَامِ أربعٌ هُنَّ مِنَ
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث سمرة بن جندب برقم ٢١٣٧ آداب، وأبو داود برقم ٨٣٢ صلاة، والترمذي برقم ٤٨١، والدارمي ٢/ ٢٩١ استئذان، والموطأ ١/ ٢١٠ برقم ٢٣ قرآن، والِإمام أحمد في المسند =
(٢) في (م): "بهذا".
(٣) في (م): "سبحانه".
(٤) زيادة من (ت).
(٥) في (م): "المحدث".
(٦) زيادة من (م).
(٧) زيادة ليست في (م).
[ ١٦٠ ]
القرْآنِ وَلَسْنَ (١) بِقُرآنٍ "سبحانَ الله" و"الحمدُ لله" و"لَا إله إلا اللهُ" و"اللهُ أكبَرُ".
يريد بِقَوْلهِ: "هُنَّ مِن القرآنِ" أن (٢) هذهِ
الكلماتِ موجودةٌ في القرآنِ وَلَيْسَتْ بقُرآنٍ مِنْ جِهَةِ النظْمِ، فيكونَ آية متلوَّةً. [وهذا يدل على أن إعجازَ القرآنِ إنما هوَ في لفظِهِ ونظمِهِ مَعًَا لَا في لفظِهِ فحسب] (٣).
[٨٩] [و] (٤) قوله: "لَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلاَّ باللهِ كَنْزٌ من كُنُوزِ الجَنةِ". معنى الكَنْزِ في هذا: الأجْرُ الذي يحوزُهُ (٥) قائِلُهُ، والثَّوابُ الذِي يُدَّخَرُ لَهُ (٦) ومعنى كَلِمَةِ "لا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلا بالله" إظهارُ
_________________
(١) = ٣/ ٣٥، ١٥٢، ٤٤٣، ٤/ ٢٣٧، ٣٥٣، ٣٨٢، ٥/ ١٠، ١١، ٢٠، ٢١، ٢٥٣، ٢٦٦، والإحياء ١/ ٢٩٩، ٣٠٠، وانظر كنز العمال ١/ ٤٦٠، ٤٦١، ٣٦٦، ٤٦٥.
(٢) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ومسلم برقم ٢٧٠٤ ذكر، وانظر كنز العمال ١/ ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٧٥، والحاكم ١/ ٥١٧، وابن السني ص ١٩٣، ١٩٤، وإحياء علوم الدين ١/ ٣٠١.
(٣) في (ت) و(م): "وليس" وما أثبته من (ظ ٢).
(٤) في (م): "أي".
(٥) وردت العبارة المحصورة بين المعقوفين في (ت) و(ظ ٢) كما يلي: "وهذا يدل على إعجاز القرآن إنما هو لفظه ونظمه معًا لا في لفظه حسب" وهي عبارة مضطربة كما ترى، صوابها من (م).
(٦) زيادة من (م).
(٧) في (م): "يحرز قائله".
(٨) في (ت) و(ظ ٢): "يدخر له به".
[ ١٦١ ]
الفَقْرِ إلى الله -جَل وَعز- وَطَلَبُ المَعُونَةِ مِنْهُ عَلَى كُلّ مَا يُزاوِلُهُ مِنَ الأمُورِ، وَهُوَ حَقِيْقَةُ العُبُودِيَّةِ.
وَقَالَ ابنُ الأنبارِي: الحَوْلُ مَعْنَاهُ في كَلَام العَرَبِ: الحِيْلَةُ، يُقَالُ: ما للرجُلِ حَوْلٌ، وَمَالَهُ، احْتِيَالٌ، وَمَالَهُ مَحَالَةٌ، وَمَالَهُ مِحَالٌ؛ بمعنى واحد. يريد: أنهُ لا حيلَة لَهُ في دفِعِ شرٍّ، ولا قوَّةَ لَهُ في درْكِ خير إلا باللهِ، ومعناهُ: التَّبَرُّؤُ من حَوْلِ نفْسِهِ وَقُوتهِ، والانْقِطَاع إلى الله [﷿] (١) في جميعِ الأمورِ.
وقالَ أبو الهَيْثَم الرَّازِي قولُهُ: "لا حَوْلَ" أصلُه من حَال الشيءُ إذَا تَحَرك، يقولُ: لا حَرَكَةَ ولا اسْتِطَاعَةَ إلا بالله. وَقَدْ رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ أنهُ قالَ في تَفْسِيْرِهِ: "لَا حَوْلَ عنْ مَعْصِيَةِ الله إلا بِعِصْمَةِ اللهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ الله إلا بِعَوْنِ اللهِ".
قال أبو سليمانَ: وهذا (٢) أحسنُ ما جاءَ فِيْهِ.
[٩٠] [و] (٣) قوله: "أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٦، ٥٥٧، والإمام أحمد في المسند ٣/ ٤٢٤ واللفظ لأحمد من حديث الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله - ﷺ -: "استووا حتى أثنو على ربي؛ فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، =
(٢) زيادة من (م).
(٣) في (م): "هذا" بدون الواو.
(٤) زيادة من (م).
[ ١٦٢ ]
الخوف"، العَيْلة: الفقر، يقال منه: عال الرجل يعيل عَيْلَة، إذا: "افتقر، وعال يَعُول، إذا: جارَ. وأعَالَ يُعيلُ [إعالة] (١)، إذا: كَثُرَ عِيَالُهُ.
[٩١] [و] (١) قوله: "اللهم عَائِذٌ بِكَ مِن شَرِّ مَا أعْطَيْتَنَا وَمِنْ (٢) شرِّ مَا مَنَعْتَنَا". قالَ أبو سليمانَ: من رَواهُ "عائذٌ" بضمِّ الذالِ -كان معناهُ: أنا عائذ بكَ (٣)، وأضْمَرَ (٣) الاسمَ. ومن رواه: "عائذًا بكَ" -مفتوحة الذال- كانَ معناهُ: المصدَرَ. كأنهُ يقولُ: "أعوذُ بكَ عِيَاذًَا" وقَدْ جاءَ مِنَ المصادرِ على وزْنِ فاعلٍ "العافِيَةُ" وفَلَجَ الرجلُ "فالِجًَا" وما بَالَيْتُ بِهِ "بَالِيَةً وبالَةً".
[٩٢] [و] (١) قَوْلُهُ: "ألحِقْنَا بالصّالِحينَ غَير خَزَايَا ولَا مفتُونْينَ"
_________________
(١) = ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق".
(٢) سبق مع الحديث السابق.
(٣) تابع الحديث السابق برقم (٩٠).
(٤) زيادة من (م).
(٥) سقطت: "من" من (ت).
(٦) سقطت: "بك" من (ت) و(ظ ٢) وفي (م): "فأضمر الاسم".
[ ١٦٣ ]
خزايا: جمعُ خَزْيَانَ. [و] (١) أصلُ الخِزْي [الذلُ] (٢) الذِي يُسْتَحْيَا مِن مِثلِهِ لِمَا يُخافُ مِنَ الفَضِيْحَةِ [فِيهِ. يُقَالُ] (٣): خَزِيَ الرجُلُ يخزَى خَزيًَا، إذَا: هَانَ وذَلَّ. وخَزِيَ خِزَايَةً، إذَا: اسْتَحْيَا.
[٩٣] [و] (٤) قوله: "اللهم أعِنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وامْكرْ لي وَلَا تَمْكُرْ عليَّ" معناهُ: أن يُنفِذَ مكرَهُ وحِيْلَتَهُ في عَدُوِّهِ، وَلَا يَنفَذُ مَكْرُ عدوِّهِ وحِيلتُهُ فِيه. وقد يكونُ معنى المَكْرِ: الاسْتدرَاجُ في الطَاعَاتِ؛ فَيُتَوَهَّمُ أنها مَقْبُولَة مِنْهُ وهيَ مَرْدُوْدَةٌ عَلَيْهِ، ويحسَبُ أنهُ مُحسن وهوَ مُسيءٌ. كَقَوْلهِ -سبحانَهُ-: (وهُمْ يَحْسبُونَ أنهم يُحْسِنُونَ صُنْعًَا) [الكهف/١٠٤] [وكقوله -تعالى-] (٥): (وَبَدَا لَهُم مِنَ الله ما لَم يَكُونوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر/٤٧].
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ٩٤٣٩، والترمذي برقم ٣٥٥١ دعوات، وأبو داود برقم ١٥١٠ صلاة، وابن ماجه برقم ٣٨٣٠ دعاء، والإمام أحمد ١/ ٢٢٧ من حديث عبد الله ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يدعو، يقول: "ربِّ أعني ولا تُعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني، ويسر الهدى إليّ وانصرني على من بغى عليَّ، ربّ اجعلني لك شكارًا، لك ذكّارًا لك رهابًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا، ربّ تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري".
(٢) زيادة من (م).
(٣) ليست في (م).
(٤) جاءت: "فيه" في (م) بعد: "يقال".
(٥) زيادة من (م).
(٦) في (ت) و(ظ ٢): "وقوله ﷿".
[ ١٦٤ ]
[٩٤] ورُوِيَ عن النبي - ﷺ -: "أنَّهُ (١) قالَ: "إِذَا رَأيْتَ الله يُعطي العَبْدَ ما يُحبُ، وهوَ مُقيمٌ عَلَى مَعاصِيهِ، فإِنَّما ذَلِكَ مِنْهُ اسْتدرَاجٌ"، ثُمّ تَرْجَم بهذِه الآيةِ: (فَلَما نَسُوا مَا ذُكَرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أوتُوا أخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام/ ٤٤].
حَدَّثَنَاهُ ابنُ الأعْرابِي، قَالَ: أنْبَأنا أبو إسماعِيْلَ الترمِذِي (٢)، قَالَ: أنبأنا أبو صالح [هو] (٣) كاتبُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثنِي حَرْمَلَةُ بنُ عِمْرانَ عَنْ [عقبة] (٤) بن مُسْلم عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ عن النبي - ﷺ -.
[٩٥] [و] (٥) قولُهُ: "رَبَ اجْعَلْنِي [لك] (٦) شَكّارًَا، لَك
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٤٥ من حديث عقبة بن عامر بلفظ: "إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ثم تلا رسول الله - ﷺ -: "فلما نسوا ".
(٢) سبق في التخريج مع الحديث رقم (٩٣)، وانظر غريب الحديث للهروي ٢/ ٢٠، وكنز العمال ٢/ ١٩٧.
(٣) سقطت: "أنه" من (م).
(٤) هو محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي، أبو إسماعيل الترمذي، نزيل بغداد، ثقة حافظ مات سنة (٢٨٠ هـ) تقريب ٢/ ١٤٥.
(٥) زيادة ليست في (م).
(٦) في (م): "علقمة" وهو سهو، وما أثبته موافق لسند الحديث عند أحمد و(ظ ٢).
(٧) زيادة من (م).
(٨) زيادة من (ظ ٢) ومن رواية الحديث في مظانِّهِ المذكورة.
[ ١٦٥ ]
ذَكَّارَا، مخبِتًَا لَكَ أوَّاهًَا، رب تَقَبَّلْ تَوْبَتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، واسْلُلْ سَخِيْمَةَ قَلْبِي".
المخبتُ: الخاشع، ويقالُ: المخلصُ في خُشوعِهِ. والأوَّاه: الموقِنُ. ويُقَالُ: البَكاءُ.
ورُوِيَ في قَوْلِهِ -[سبحانَه] (١) -: (إن إبراهيمَ لَحَلِيْمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ) [هود/٧٥]: أنه كانَ إما ذَكَرَ النارَ [ضَجّ وتأوّهَ] (٢).
والحَوبةُ: كُل ما يُتَحوَّبُ مِنْهُ، أيْ: يُتَحَرَّجُ مِنْ فِعْلِهِ؛ والاسمُ مِنْهُ (٣): الحُوبُ والحابُ، يقالُ: حابَ الرجُلُ يحوبُ، قالَ الشاعرُ:
وإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تكنَّفاهُ غَداةَ ئِذٍ لَقَدْ ظَلَمَا وَحَابَا (٤)
والسَّخِيْمَةُ: غِلُّ القلبِ ونَغَلُهُ.
[٩٦] [و] (٥) قولُهُ: (اللهم عافِنِي في سَمْعِي وَبَصَرِي مَا
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم ٣٤٨٠ دعوات من حديث عائشة وعبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٤٤١ من حديث عروة عن أبيه.
(٢) زيادة ليست في (ت).
(٣) في (م):: "تأوَّه وضج" على التقديم والتأخير.
(٤) سقطت: "منه" من (م).
(٥) في (م): "حاجا" وهو سهو من الناسخ لأن البيت شاهد على: "حاب" والبيت قاله أمية بن الأسكر الليثي من أبيات في المعمرين ص ٨٦، والأغاني ٢١/ ١٤، والإصابة ١/ ٧٨، وتفسير الطبري ٤/ ٢٣٠، والخزانة ٢/ ٥٠٥، ومجاز القرآن ١/ ١١٣، ٣١٨، وغريب الحديث للخطابي ١/ ٦٠٧ وفي روايته بعض الاختلاف في المصادر.
(٦) زيادة من (م).
[ ١٦٦ ]
أبْقَيْتَني، واجعلهُ الوارثَ مِنِّي" مَعْنَى الوارِثِ -هَا هُنا- الباقِي، وحقيقَةُ الوارِثِ أنَّهُ هو (١) الذِي يَرثُ مُلْكَ الماضِي. سأل اللهَ أنْ يُبْقِيَ لَهُ قوةَ هاتَين الحاسَّتَيْن إِذَا أَدْرَكَهُ الكِبَرُ، وَضَعُفَ مِنْهُ سائِرُ القُوى؛ لِيَكُونَا وارِثَي سائِرَ الأعْضَاءِ والباقِيَين بَعْدَهَا. وقِيْلَ: إنَهُ (٢) دَعَا بِذَلِكَ لِلأعْقَابِ والأوْلَادِ (٣). وَقَوْلُهُ: "واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِني" بلفظ الواحد، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، وَهُمَا اثْنَانِ؛ فَإِنَهُ رَدَّ الفِعْلَ إِلَى واحدٍ منْهُما كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (٤):
إنَّ شَرْخَ الشَّبَاب] (٥) والشَّعَرَ الأسْـ ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونَا
وَلَم يَقُلْ: مَا لَمْ يُعَاصَيَا؛ لأنَهُ أرَادَ: مَا لَم يُعَاصَ كُلُّ واحِدٍ منهُما. وَفِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أن كُلَّ شَيْئَيْن تقارَبَا في مَعْنَيَيْهِمَا، فَإن الدّلَالَةَ عَلَى أحَدهِمَا دِلَالة عَلَى الآخَرِ (٦).
[٩٧] [و] (٧) قَوْلُه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَألْحقْنِي بِالرَّفِيْقِ الأعْلَى".
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح من حديث عائشة في المغازي برقم ٤٤٤٠، =
(٢) سقطت: "هو" من (م).
(٣) سقطت من (م): "إنه".
(٤) في (م): "وللأولاد".
(٥) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ١/ ٢٣٦ من قصيدة أبياتها (٧) وغريب الحديث للخطابي ١/ ٣٤٣، ومجاز القرآن ١/ ٢٥٨ و٢/ ٢٢، ١٦١ وغريب الحديث للهروي ٣/ ١٧.
(٦) إلى هنا ينتهي سقط النسخة الظاهرية (ظ) وقد بدأ من ص ١٣٨، والتقت الآن النسخ الأربعة.
(٧) في (ظ ٢): "الأخرى".
(٨) زيادة من (م).
[ ١٦٧ ]
الرَّفِيْقُ: الخَلِيْطُ المُرْفِقُ، فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. كَقَوْلهم: ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَللجَمَاعَةِ: رَفِيْقٌ. كَما يُقَالُ (١) لِلْوَاحِدِ وللجَمَاعَةِ (٢): صَدِيْقٌ. يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ المُقَربينَ، وَهُمْ المَلأ الأعْلَى.
كَقَوْلِهِ [تعالى] (٣): (لَا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأ الأعْلَى) [الصافات/٨] يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ. وَالله أعْلَمُ.
[٩٨] [و] (٣) قوْلُهُ: "يَا كَائِنُ قَبْلَ أنْ يَكُوْنَ شَيْءٌ، وَالمُكَوِّنَ لِكُل شَيْءٍ، وَالكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" الوَجْهُ (٤) فِي حَركَةِ الأولِ ضمُّ النُّونِ لأنهُ نِدَاءٌ مُفْرَدٌ، وَفي الثانِي نَصْبُهَا لأنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ المُنَادي. كَقَوْلِه -جَل وعزَ (٥) -: (يَا جِبَالُ أوِّبي مَعَه، والطير) [سبأ/ ١٠] [و] (٦) كَمَا قَالَ الشاعِرُ (٧):
_________________
(١) = وفي المرضى برقم ٥٦٧٤، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ٣٤٤٤ (٨٥)، ومصنف ابن أبي شيبة برقم ٩٣٨١، ٩٣٨٣، والترمذي برقم ٣٤٩٦ دعوات، وابن ماجه برقم ١٦١٩، ومالك برقم ٤٦ جنائز، وأحمد في المسند ٦/ ٤٥، ١٠٨، ٢٣٠، وفيض القدير ٢/ ١٠٦، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٠.
(٢) في المسند ٢/ ٥٣٩: " الله كان قبل كل شيء، والله خلق كل شيء، والله كائن بعد كل شيء".
(٣) في (ت) و(ظ ٢) و(م): "قيل".
(٤) في (ظ ٢): "والجماعة".
(٥) زيادة من (م) في الموطنين.
(٦) في (م): "والوجه".
(٧) في (ت) و(ظ ٢): "﷿ سبحانه".
(٨) زيادة من (م) و(ظ ٢).
(٩) لم أر من نسبه لقائل وهو في ابن يعيش ١/ ١٢٩ والمساعد على تسهيل الفوائد =
[ ١٦٨ ]
ألَا يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ
فَعَطَفَ عَلَى مَوْضعِ المُنَادَى.
[قوله] (١): "والكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" مَضْمُومُ النوْنِ عَلَى اسْتِئْنَافِ النِدَاءِ؛ إِذَا طَالَ الكَلَامُ قُطِعَ، وَاسْتُؤْنِفَ مَا بَعْدَهُ، وَكأنه أضمر (٢) فِيْهِ أنتَ.
[٩٩] [و] (٣) قَوْلُهُ: "اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاء الثَّلْجِ وَاِلبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبي مِنِ الخَطَايَا كَمَا نَقيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنس، وَبَاعِدْ بَيْني وَبين خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" [قَالَ أَبو سُلَيْمَانَ] (٤): مَعْنَى ذِكْرِهِ (٥) الثَّلجِ وَالبَرَدِ تَوْكِيْدٌ لِلتَّطْهير، وَمبَالَغَةٌ فِيْه، وَذَلِكَ أن الثَّلْجَ وَالبَرَدَ مَاءَانِ مَفْطُوْرانِ عَلَى خلْقَتهِمَا، لَمْ تَمترِسْهُمَا الأيْدِي، وَلَم (٦) تَخُضْهُمَا الأرْجُل كَسَائِرِ المِيَاهِ التي قَدْ
_________________
(١) سبق مع الحديث برقم (٤٨)، وانظر كنز العمال ٢/ ١٧٧، ٢١٠، ٢١١. وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٧ برقم ١٢٩٩. = ٢/ ٥١٢، وشطره الأول في الهمع ٢/ ١٤٢ والدرر ٢/ ١٩٦ والثاني في اللسان (خَمَرَ). وخَمَر الطريق: ما واراك منه. من شجر ووهاد وجبال
(٢) سقط ما بين المعقوفين من (ظ).
(٣) في (ظ): "أضرَّ".
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (ت) و(ظ ٢): "قلتُ" بدل: "قال أبو سليمان".
(٦) في (ظ): "ذكر".
(٧) في (ظ ٢): "ولا تخضهما".
[ ١٦٩ ]
خَالَطَتْ تُرْبَةَ الأرْض، وَجَرَتْ (١) فِي الأنْهَارِ وَالحِيَاضِ وَنَحْوِهَا (٢)؛ فَكَانَا أحَقَّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ هَذَا المَعْنَى في قَوْلِهِ: "كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ" إشْبَاعٌ فِي بَيَانِ (٣) التطهير، وَتَوْكِيْدٌ لَهُ.
والله -سبْحَانَه (٤) - مُسْتَغْن عَنْ (٥) أنْ يُضْرَبَ لَهُ الأمْثَالُ، وَأنْ يُظَاهَرَ لَهُ البَيَانُ مِن طَرِيْقِ التشبِيْهِ، والتمْثيْلِ، وَلَكِنهُ عَادةُ الكَلَامِ، وَبِهِ يَحْسُن البَيَانُ، وَيَقْرُبُ الشيْءُ مِن الأفْهَامِ. [والله أعْلَمُ] (٦).
[١٠٠] [و] (٧) قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ إنيِ أعُوذُ بِك مِنْ طَمَع يَهْدِي إلَى طَبعٍ". قَالَ أبو عُبَيْدٍ: الطَبَعُ: الدَّنَسُ، وَالعَيْبُ، وَكُلُّ شْين فِي دِيْنٍ أو دُنْيَا فَهُو طَبَعٌ (٨)، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُل طَبَعٌ (٨)، وَأنْشَدَ الأعْشَى (٩):
_________________
(١) رواه إلإمام، أحمد في المسند ٥/ ٢٣٢، ٢٤٧، والحاكم ١/ ٥٣٣ وقال عنه صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٣٢١، ومجمع الزوائد ١٠/ ١٤٤، وانظر غريب الحديث =
(٢) في (ت) و(ظ ٢): "جرى".
(٣) في (م): "ونحوهما".
(٤) في (ت) و(ظ ٢): "بياض" بدل "بيان".
(٥) في (م): "تعالى".
(٦) سقط: "عن" من (م).
(٧) ما بين المعقوفين سقط من (م).
(٨) زيادة من (م).
(٩) في (م): "طيبع" في الموطنين.
(١٠) في (م): "للأعشى" والبيت في ديوانه ص ١٠٧ من قصيدة طويلة أبياتها (٧٤) بيتا، يمدح بها هَوْذة بن عليٍّ الحنفي، مطلعها: بانتْ سُعادُ وأمسى حَبْلُها انقطعا واحتلت الغَمر فالجُدَّينِ فالفَرَعَا وغريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٢١٩.
[ ١٧٠ ]
لَهُ أَكَالِيلُ بِاليَاقُوْتِ فَصَّلَهَا صَوَّاغُها لَا تَرَى عَيْبًا وَلَا طَبَعَا
[١٠١] قَوْلُهُ (١): "وأعُوذُ بكَ منَ الغَرقِ والحَرَقِ" (٢) والحَرَقُ (٣) -مفتُوحةُ الرَّاءِ-.
[١٠٢] [و] (٤) قَوْلُهُ: "اللهم إني أعُوْذُ بك مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ المُقَامَةِ" فَإن جَارَ البَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ. سَأل (٥) سَائِل عَنْ هَذَا فقَالَ: مَا مَعْنَى هذَا الشَّرْط؟ وَمَا وَجْهُ التَخْصِيْصِ فِيْهِ؟ وَالمَعْنَى (٦) -والله أعْلَمُ- أن حُكْمَ الشَيْءِ الخَاصِّ النَّادِرِ خِلافُ حُكْمِ الشَّيْء العَامِّ الدَّائِمِ. وَاليَسِيْرُ منَ الأذَى وَالمَشَقَّةِ مُحْتَمَلٌ فَلَمْ يَسْتَعِذْ بالله مِنْه لأن في احْتِمَالِهِ، والصَّبْرِ عَلَيْهِ أجْرًَا وَمَثُوْبَةً وَقَدْ أُمِرْنَا بالصَّبْرِ والرِّضَى فِي
_________________
(١) = لأبي عبيد الهروي ٢/ ٢١٨، والنهاية ٣/ ١١٢، والفائق ٢/ ٣٥٣.
(٢) أخرجه أبو داود برقم ١٥٥٢ صلاة، والنسائي ٨/ ٢٨٢، ٢٨٣، استعاذة، والحاكم ١/ ٥٣١، والفيض القدير ٢/ ١٤٨، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٥ برقم ١٢٩٣.
(٣) أخرجه الحاكم ١/ ٥٣٢ على شرط مسلم، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ٢٠٧، ومجمع الزوائد ١/ ١٤٤، والفيض القدير ٢/ ١٠٦، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٨ برقم ١٣٠١، وخرجه الحافظ العراقي في الإحياء ١/ ٣٢٢ وقال: أخرجه النسائي والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال صحيح على شرط مسلم.
(٤) في (ت): "أعوذ " بدون الواو.
(٥) في (ظ ٢): "الحرق والغرق".
(٦) في (م) و(ظ ٢): "الحرق" بدون الواو.
(٧) زيادة من (م).
(٨) في (م): "إن سأل ".
(٩) في (م): "فالمعنى".
[ ١٧١ ]
المَكْرُوْهِ ما احْتَمَلَهُ الإنْسَانُ، واسْتَقَلَّ بِهِ، فَأما الكَثيرُ الدَّائِمُ منْهُ فَغيرُ مُحْتَمَلٍ وَلَا مُسْتَطَاع وَإذَا ابْتُلِيَ بِهِ الإِنْسَانُ افْتُتِنَ فِي دِيْنِهِ، وَخِيْفَ عَلَيْهِ الوُقُوعُ في المأثَمِ، فاسْتَعَاذَ باللهِ منْهُ، وَفَزِعَ إِلَيْهِ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ.
وَجِوَارُ (١) البَوادي جِوَارُ نُجْعَةٍ وَمُقَامُهُمْ فِيْها مُقَامُ قُلْعَةٍ؛ لأنهُم إِنما يبْتَغُونَ (٢) مَوَاقِعَ الغَيْثِ، فَإذَا نَفِدَتْ تِلْكَ المِيَاهُ انَتَقَلُوا، وَتبَايَنَتْ بهمُ المَحَالُّ. وجِوَارُ المَقَامِ فِي البُلْدَان جِوَاز يَتَّصِلُ مَدَى العُمْرِ، وَيَدُوْمُ وَلا يَنْقَطِعُ، وَيُقَالُ: هَذِهِ دَارُ مَقَامٍ، وَدَارُ مَقَامَةٍ، وَنَظيرُ هَذَا (٣).
[١٠٣] قَوْلُهُ - ﷺ -: "أعُوْذُ بكَ مِنَ الصَّمَمِ، وَالبكَمِ،
والجنونِ، وَالجُذَامِ، وَالبَرَصِ، وَسَيِّىَءِ الأسْقَامِ" فَيُقَالُ كَيْفَ لَمْ
يَسْتَعِذْ مِنَ الحُمَّى، والصُّداعِ، والرَّمَدِ ونحوِها مِن العِلَل والأمْرَاض؟ وَالجَوَاب (٤) في هَذَا كَالأولِ أوْ قَرِيْبٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أن هَذِهِ الأمُورَ آفَاتٌ (٥) وَعَاهَات تُفْسِدُ الخِلْقَةَ، وَتُغَيرُ الصُّورَةَ، وتُورِثُ
_________________
(١) أخرجه الحاكم ١/ ٥٣٠ على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي وأبو داود برقم ١٥٥٤، والنسائي ٨/ ٢٧١، ومصنف عبد الرزاق ١٠/ ٤٣٩، والمصنف لابن أبي شيبة برقم ٩١٧٨، والإمام أحمد في المسند ٣/ ١٩٢، وصحيح ابن حبان برقم ٢٤٤٢ موارد، بنحوٍ من لفظه. والفيض القدير ٢/ ١٢٣، ١٥٠، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٥ برقم ١٢٩٢، والحافظ العراقي في الإحياء ١/ ٣٢٢، وكنز العمال ٢/ ١٨٨.
(٢) في (م): "جواز".
(٣) في (م): "يتبعون".
(٤) في (ت) و(ظ ٢): "ونظيرها".
(٥) في (م) و(ظ ٢): "فالجواب".
(٦) في (ت) و(ظ ٢): "آفة".
[ ١٧٢ ]
الشَّيْنَ، وَتؤَثِّرُ فِي العَقْلِ، وَالمِحْنَة بِها تَعْظم، وَالبَلاَءُ فِيْهاْ يَجْهَدُ ويشْتدُّ.
[١٠٤] وَقَدْ كَانَ [النبي] (١) - ﷺ - "يَسْتَعِيْذُ باللهِ مِن جَهْدِ البَلَاءِ". فَأما الحُمَّى والصُّدَاع والرَّمَدُ وَنَحْوُهَا مِنَ الَأوْجَاع (٢) فإنها [-وإن كانت أعراضًا مؤلمة-] (٣) تَزوْل وَلَا تَدُوْم وَفِيْهَا أجْر وَتَكْفيرٌ للذنوْبِ، فَلَم يَصْرِفْ (٤) الاسْتِعَاذَةَ إلَيْهَا لِخفَّة الأمْرِ فِيْها (٥)، وَإمْكَانِ الصَّبْرِ عَلَيْها.
[١٠٥] [و] (٦) قَوْله: "اللهم إني" (٧) أعُوذ بِكِ مِن الذِّلَةِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفتح برقم ٦٣٤٧ دعوات، ومسلم برقم ٢٧٠٧ ذكر، والنسائي ٨/ ٢٦٩، ٢٧٠. كان رسول الله - ﷺ -: "يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء" قال سفيان: الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي. وانظر إحياء علوم الدين ١/ ٣٢٢.
(٢) طرف من حديث طويل عند الحاكم ١/ ٥٣٠، على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي. ومجمع الزوائد ١٠/ ١٤٣، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٤٠٦ برقم ١٢٩٦، وانظر كنز العمال ٢/ ١٨٨، واحياء علوم الدين ١/ ٣٢٢.
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (ظ): "الأرجاع" بالراء. وهذا سبق قلم من الناسخ.
(٥) ما بين المعقوفين عبارة (م) وفي (ظ): "أعراض مُوَلَّفَة" وفي (ت) و(ظ ٢): "أعراض مؤلمة" ولا يخفى صحة ما أثبته.
(٦) في (ت): "يضف".
(٧) في (م): "بها".
(٨) زيادة من (م).
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
[ ١٧٣ ]
وَالمَسْكَنَةِ، وَأعُوْذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ". مَعْنَى اسْتِعَاذَتِهِ مِنَ الفَقْرِ وَالمَسْكَنَةِ، إنما هُوَ فَقْرُ النفْسِ وَمَا يَعْتَرِيْهَا مِنَ الحِرْصِ وَالجَشَعِ، وَلَم يُرِدْ بِهِ (١) قِلَّةَ المَالِ، وَعَدَمَ اليَسَارِ، فَقَدْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ أمْرِهِ - ﷺ - أنه كَان يُؤْثِرُ الِإقْلَالَ مِن الدنيا وَيَكْرَهُ الاسْتِكْثَارَ مِنْ حُطَامِ أعرَاضِهَا (٢). وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ مَدْحُ الفَقْرِ، وَذَمُّهُ، والاسْتعَاذَةُ مِنْهُ، وَإنما المَذْمُوْمُ مِنَ الفَقْرِ أنْ يَكْرَهَهُ خَوْفًَا مِنَ الذُّلِ والصَّغارِ وانْحِطَاطِ القَدْر عِنْدَ الناس، فَأما مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ لأجْل مَا يَخَافُ مِنْ فِتْنَتِهِ. فَلَيْسَ بِمَذْمُوم؛ لأن سُوء احْتِمَالِ الفَقْرِ رُبما دَعَا إلى التقْصير في إِقَامَةِ الفَرَائِضِ، والذَّهَابِ عَن الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ.
[١٠٦] [و] (٣) قَوْلُهُ: "وَاجْعَلْني فِي النِّدَاءِ الأعلَى" وَقَدْ يُرْوَى: " [في] (٤) النَّدِي الأعْلَى".
النِّدَاءُ مصدَرُ نَادَيْتُهُ نِدَاءً، وَمَعْنَاهُ أنْ يُنَادَى لِلْتَّنْويهِ بِهِ. والرَّفْعِ منْهُ، وَقَد يَحْتَمِلُ [أنْ] (٥) يَكُونَ أرَادَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم ٥٠٥٤ أدب، والحاكم ١/ ٥٤٠ كلاهما من حديث أبي زهير الأنماري، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) سقط: "به" من (م)
(٣) في (ظ): "أغراضها".
(٤) زيادة من (م).
(٥) في (م): "ويروى" بدون "قد" و"في" زيادة من (م).
(٦) سقطت: "أن" من (ظ)، ولعل إسقاطها سهو من الناسخ، لدليل ضبطه للفعل بعدها بالفتح. وهي في باقي النسخ الثلاث.
[ ١٧٤ ]
بِـ "النَدَاءِ الأعْلَى" نَدَاءَ أهْلِ الجَنَة أهْلَ النارِ كَقَوْلِهِ [تَعَالى] (١): (وَنَادى أصْحَابُ الجنَّةِ أصْحَابَ النَّارِ أنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا ربُّنَا حَقًَّا) [الأعراف/٤٤] والندَاءُ الأسْفَلُ: نِدَاءُ أهْلِ النَارِ أهْل الجَنَّةِ: (أن أفِيْضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أوْ ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) [الأعراف/٥٠]. وَلهَذَا قِيْل: لِيَوْمِ القِيَامَةِ: "يُوْمُ التنَادي" (٢) وَقِيْلَ إنَّما سُميَ يَوْمَ التَّنَادي (٢)، لأن كُل وَاحِدٍ يُدْعَى باسْمِهِ فَيُعْطَى كِتَابَهُ. وَأمَّا النَّدِيُّ: فَأصْلُهُ المَجْلِسُ الذي قَدِ اجْتَمَعَ فِيْهِ أهْلُهُ. يُقَالُ مِنْهُ نَدَوْتُ القَوْمَ أنْدُوْهُم نَدْوًا: إذا جَمَعْتَهُمْ. وَمِنْهُ سُمِّيَتْ (٣) "دَارُ النَّدْوَة" وَيُقَالُ: فُلَانٌ في نَدِيِّ قَوْمِهِ وَنَاديْهمْ. وَقَالَ حَاتِمٌ الطائِيُّ (٤):
وَدُعِيْتُ فِي أُولَى الندِيِّ وَلَمْ يُنْظَرْ إليَّ بأعيُن خُزْرِ
فَالنَّدِيُّ الأعْلَى: هُمُ المَلَائِكَةُ -صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِم (٥) - وَيُقَالُ (٥): لَا يَكُوْنُ النَّدِيُّ إلا الجَمَاعَةَ مِنْ أهْلِ النَدَى وَالكَرَمَ.
[١٠٧] [و] (٦) قَوْلُهُ: "مَا مِنْ مُسْلِم يَبِيْتُ طَاهِرًَا عَلَى ذِكْرِ الله
_________________
(١) أخرجه أبو داود برقم ٥٠٤٢ أدب، من حديث معاذ بن جبل، وابن ماجه برقم ٣٨٨١ دعاء، والإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٣٥، ٢٤١، ٢٤٤. قال الحافظ العراقي في الإحياء ١/ ٢٩٨: "من تعارَّ من الليل =
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٣) في (ت) و(ظ ٢): "التناد" في الموطنين.
(٤) في (م): "سمي".
(٥) ديوانه ص ٥٥، وكلمة الطائي ليست في (م).
(٦) سقطت: "صلوات الله عليهم" من (م)، وفي (ظ ٢): "فقال".
(٧) زيادة من (م).
[ ١٧٥ ]
[تعالى] (١) فَيَتَعَارَّ من اللَّيْلِ يَسْألُ الله خَيْرًَا مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلا أعْطَاهُ".
يَتَعَارَّ: مَعْنَاهُ: يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ. قَالُوا: وَلا يَكَادُ يَكُوْنُ ذَلِكَ إلا مَعَ صَوْتٍ أوْ كَلاَمٍ وَيُقَالُ (٢): إنهُ مَأخُوذ مِنْ عِرارِ الظَّلِيْمِ. وَهُوَ صَوْتُهُ.
[٤٥ مكرر] [قَوْلُهُ: (أصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ الإخْلاَصِ، وَعَلَى دِيْنِ نَبِيِّنَا محمد - ﷺ -" (٣). مَعْنَى الفِطْرَةِ ابْتِدَاءُ الخِلقَةِ، وَهِيَ إشَارَة إلَى كلِمَةِ التوحِيْدِ حينَ أخَذَ الله العَهْدَ مِن ذُرِّيَّةِ آدم فَقَالَ: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف/١٧٢]. وَقَدْ تَكونُ الفِطرَةُ بِمَعْنَى السُّنةِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ فَذَكَرَ السِّوَاكَ وَالمَضمَضَةَ وَأخَواتها"] (٤).
_________________
(١) = فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم اغفر لي. غفر له، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلّى قبلت صلاته" رواه البخاري، من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) مكرر انظر تخريجه ص ١١٧،
(٣) زيادة من (م).
(٤) في (ت): "يقال".
(٥) زيادة على الأصل.
(٦) لقد تكرر ما بين المعقوفين في (ظ) إذ مرّ في ص ١١٧، وذكره هنا موافق لما في (ت) و(ظ ٢). ولم يحصل هذا في (م)، وذكره هنالك موافق لها.
[ ١٧٦ ]
[آخر كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين، التي جمعها محمد بن إسحاق بن خزيمة وفرغ من تسويده في الليلة الخامسة من ذي القعدة من شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة علي بن محمد بن عثمان المؤذن النيسابوري حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسوله محمد وعلى آله وسلم] (١).
_________________
(١) ما بين المعقوفين لم يرد في (ت) ولا في (م). وجاء في مكانه في (ت) و(ظ ٢) الفصل الذي سقط من (ظ) وأشرت إليه في الصفحة ١١١، وهناك مكانه الطبيعي الموافق لـ (م).
[ ١٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم (١)