وانطلاقا من هذه النظرة السامية للزواج والمرأة، لا تستهوي المسلم الحق المظاهر الفارغة التي تتستر بها بعض فتيات هذا العصر، وإنما تستهويه شخصية الفتاة المسلمة الكاملة، ولذا فهو يتريث في اختياره رفيقة عمره، مفتشا عن الفتاة التي تحلت بالصفات الإسلامية العالية التي تحقق الحياة الزوجية الهنيئة المستقرة. ومن هنا لا يكتفي الرجل المسلم بالجمال والتألق والرشاقة وما إلى ذلك مما يقف عنده فقط الشبان الفارغون من بهارج وزخرف، بل يتطلب إلى جانب ذلك كله الدين القويم، والعقل الراجح، والسيرة الحسنى، مستهديا بهدي الرسول الكريم:
«تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك (٢») (٣).
على أن وصية الرسول الكريم أن يفتش الشاب المسلم عن ذات الدين
لا تعنى إهدار رغبته في جمال الشكل؛ فالرسول - ﷺ - ندب إلى النظر للمرأة
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) هذا دعاء للراغب بذات الدين، وترغيب فيما أوصى به الرسول.
(٣) متفق عليه.
[ ٧٠ ]
قبل العقد عليها، لكيلا يتورط مسلم في زواج فتاة لم يرتح لها قلبه، ولا تسر لمرآها عينه.
فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال النبى - ﷺ -: «أنظرت إليها؟» قلت: لا، قال: «فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما (١») (٢).
وجاء رجل خطب امرأة من الأنصار إلى النبي - ﷺ -، فقال له الرسول الكريم:، هل نظرت إليها؟» قال: لا، فأمره أن ينظر إليها (٣).
وأكد رسول الله - ﷺ - في أكثر من حديث أن الجمال من الصفات الأساسية التي يتطلبها الرجل في المرأة الصالحة، إلى جانب الصفات المعنوية الأخرى، وأن كلا منها لا يغني عن الآخر. ومن ذلك قوله لابن عباس:
«ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله - ﷺ -: أي النساء خير؟ فقال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله» (٥).
إنها النظرة النبوية الهادية الصائبة إلى شخصية المرأة التى تستطيع أن تهب الرجل السعادة والسكينة والاستقرار، والتي تستطيع أن تخلع على عش
_________________
(١) أي يكون بينكما المحبة والاتفاق.
(٢) رواه النسائي بإسناد صحيح.
(٣) رواه النسائي وابن ماجه بإسناد صحيح.
(٤) رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
(٥) رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح.
[ ٧١ ]
الزوجية ومحضن الفراغ الزغب البشاشة والأمن والرضا، وتكون بالتالي مربية الأجيال، وصانعة الأبطال، ومنشئة العباقرة. وإنه للحرص من رسول الإسلام العظيم على أن يبنى الزواج على أساس مكين راسخ متوازن من مطالب الجسم والعقل والروح والعاطفة، ليكون قويا لا يزعزعه تنافر الأمزجة، ولا تعصف به نزوات النفوس، ومن هنا كان المسلم الحق المستهدي شريعة الله في خطواته كلها بصيرا، لا يقع في حبائل خضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في منبت السوء، بل يقول للناس مع القائل: «إياكم وخضراء الدمن» (١).