والإحسان إلى الجار شعور أصيل عميق في وجدان المسلم الصادق، وصفة مميزة له عند الله والناس؛ ذلك أن المسلم الحق الواعي الذي رضع لبان الإسلام، وخالطت قلبه بشاشة تعاليمه السمحة، لا يستطيع إلا أن يكون خير صاحب في الأصحاب، وخير جار في الجيران، وهو من عناه رسول الله - ﷺ - بقوله:
«خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيراني عند الله خيرهم لجاره» (٢).
ومن هنا جعل الإسلام من سعادة المرء المسلم الجار الصالح؛ فجواره
قرة عين لجاره، ومبعث سعادة وهناءة وارتياح وأمن وطمأنينة، وحسب الجار الصالح تكريما ورفعة أن يجعله رسول الله - ﷺ - ركنا من أركان السعادة في حياة المسلم فيقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٢) رواه الترمذي بإسناد صحيح.
[ ١٢٥ ]
«من سعادة المرء المسلم في الدنيا الجار الصالح، والمنزل الواسع والمركب الهنيء» (١).
ولقد بلغ من تقدير السلف للجار الصالح أنهم كانوا يعدون جواره نعمة
لا تقدر بمال، وغنيمة لا يعدلها عرض من أعراض الدنيا. ومما يروى في ذلك أن جار سعيد بن العاص ساوم على مئة ألف درهم في داره، ثم قال للمشتري: هذا ثمن الدار، وبكم تشتري جوار سعيد؟ فلما علم سعيد بذلك بعث إليه بالثمن واستبقاه في داره.
هذه هي منزلة الجار في الإسلام، وهذه هي خلائق الجار المسلم الصالح، وهذه هي صفحته المشرقة الغراء، فما هي صفحة جار السوء؟