إن المسلم الحق ليقف إزاء هذه النصوص الصريحة القاطعة الآمرة بإنصاف المرأة والإحسان إليها، فلا يملك إلا أن يكون زوجا مثاليا، تنعم امرأته بعشرته الدمثة، وتسعد برفقته المهذبة الراقية، مهما امتد بهما العمر وطالت الأيام.
إذا دخل البيت أقبل على زوجه وأولاده بوجه طلق المحيا، مفتر الأسارير، فبادرهم بالتحية المباركة الطيبة التي أمر الله تعالى بها، وجعلها تحية الإسلام المتميزة إذ قال:
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٣). وحض على هذه التحية الرسول الكريم إذ قال لأنس ﵁:
«يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك» (٤).
_________________
(١) لا يفرك: لا يبغض.
(٢) رواه مسلم.
(٣) النور:٦١.
(٤) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٧٦ ]
وإنها لبركة، أي بركة، أن يلقى الرجل أهله بالسلام، ويقبل عليهم إقبال الربيع، فينضر حياتهم بالسعادة والسرور والمرح، ويشيع فيها الأنس والرحمة والرضا، يمد يد العون لزوجته، إن رآها بحاجة إلى شيء من ذلك، ويواسيها باللطيف من القول إن آنس فيها شكوى من تعب أو سأم أو ضيق، ويشعرها أنها تعيش في ظل زوج قوي كريم سمح، يحميها، ويرعاها، ويهتم بشؤونها، ويوفر لها حاجاتها المشروعة كلها حسب استطاعته، ويرضي أنوثتها بالتجمل لها بالزينة التي أباحها الشرع الحنيف، ويعطيها جانبا من وقته واهتماماته، لا يشغل عنها وقته كله في مطالعاته أو أعماله أو هواياته أو مسؤولياته أو أصحابه، فلقد ضمن الإسلام للمرأة حقها في الاستمتاع بزوجها، حتى إنه لم يبح للزوج أن يشغل وقته كله عنها بالعبادة، أجل الأعمال وأشرفها، كيلا يختل التوازن المحكم الذي قام عليه هذا الدين العظيم، ونجد ذلك فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي - ﷺ - علم بمغالاته في العبادة، فقال له:
«ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟»، قال: بلى يا رسول الله.
قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا » (١).
ودخلت خولة ابنة حكيم، امرأة عثمان بن مظعون ﵁ على نساء النبي - ﷺ - في ثياب رثة، وهيئة سيئة، فقلن لها: ما لك؟ فقالت عن زوجها: أما الليل فقائم، وأما النهار فصائم، فأخبرن النبي - ﷺ - بقولها، فلقي عثمان بن مظعون، فلامه، وقال له: «أما لك بي أسوة؟» قال: بلى، جعلني الله فداك! فجاءت بعد حسنة الهيئة طيبة الريح، وفي رواية أن
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ٧٧ ]
النبي - ﷺ - قال له: «يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفمالك في أسوة؟ فوالله إن أخشاكم وأحفظكم لحدوده لأنا» (١).
لقد كان الرسول الكريم ينشر هديه هذا بين أصحابه، ويأخذ بأيديهم إلى الاعتدال والتوازن في حياتهم التعبدية وحياتهم الخاصة مع زوجاتهم، حتى أصبح هذا الاعتدال والتوازن سجية من سجاياهم، يتواصون بها، ويحرصون على التحلي بها، ويحتكمون إلى الرسول - ﷺ - إن أحب أحد منهم أن يتحلل منها ويغالي في الزهد والتبتل والعبادة.
فقد روى الإمام البخاري عن أبي جحيفة ﵁ قال: «آخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء ﵄، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل، فإني صائم. قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم الليل، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبى فذكر ذلك له، فقال النبي - ﷺ -: صدق سلمان».
ولا يفوت المسلم التقي النابه اللبق أن يرطب جفاف الحياة الرتيبة مع زوجته، وينضر جوانب العيش والمعاشرة الدائمة بينهما بالمداعبة اللطيفة الممتعة، والنكتة المرفهة السارة، يطلقها بين الحين والحين، متأسيا بذلك بالرسول العظيم صلوات الله عليه، الذي كان قمة شامخة في حياته كلها؛ إذ ما كانت تشغله الأعباء الجسام التي كان ينهض بها، من إرساء قواعد الدين، وتكوين الأمة المسلمة، وتوجيه كتائب الجهاد، وغير ذلك من الأعمال
_________________
(١) الحلية ١/ ١٠٦، وطبقات ابن سعد ٤/ ٣٩٤، والكنز ٨/ ٣٠٥.
[ ٧٨ ]
الجليلة، ما كان يشغله هذا كله عن أن يكون زوجا مثاليا مع زوجاته في حسن المعاشرة، وسماحة الخلق، وطلاقة الوجه، ولطف المداعبة والمرح.
فمن ذلك ما روته السيدة عائشة ﵂، قالت: «أتيت النبي - ﷺ - بحريرة قد طبختها له، فقلت لسودة ﵂، والنبي - ﷺ - بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن، أو لألطخن وجهك، فأبت فوضعت يدي في الحريرة، فطليت وجهها، فضحك النبي - ﷺ -، فوضع بيده لها، وقال لها: الطخي وجهها وفي رواية: فخفض لها ركبته لتستقيد مني، فتناولت من الصحفة شيئا، فمسحت به وجهي، ورسول - ﷺ - يضحك» (١).
أرأيت إلى هذا الخلق الرضي، والسماحة الطليقة، والقلب الكبير، في مداعبة المرأة وممازحتها وحسن معاشرتها، وإدخال السرور والمرح على قلبها؟.
وتروي السيدة عائشة أنها كانت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فسابقته فسبقته. فلما حملت اللحم وبدنت سابقته فسبقها، فقال: هذه بتلك السبقة (٢).
ويتسع صدره الشريف لإدخال المزيد من السرور على قلب زوجته الحبيبة الشابة، فيدعوها لحضور ضروب من اللهو البريء، ترفه بها عن نفسها، وتستمتع بمشاهدتها. من ذلك ما روته السيدة عائشة: «أن النبي - ﷺ - كان جالسا، فسمع ضوضاء الناس والصبيان، فإذا حبشية ترقص والناس حولها، فقال: يا عائشة، تعالي فانظري، فوضعت خذي على منكبيه،
_________________
(١) الهيثمي ٤/ ٣١٦، والمنتخب ٤/ ٣٩٣، وكنز العمال ٧/ ٣٠٣، وقال الهيثمى: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن.
(٢) حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود.
[ ٧٩ ]
فجعلت أنظر ما بين المنكبين إلى رأسه، فجعل يقول: يا عائشة، أما شبعت، أما شبعت؟ فأقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، فلقد رأيته يراوح بين قدميه» (١).
وقالت السيدة عائشة في رواية أخرى: «والله لقد رأيت النبيي - ﷺ - يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله - ﷺ - يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو» (٢).
إن المسلم الحق لا يسعه إذ يرى سيرة الرسول الكريم مع زوجاته حافلة بحسن المعاشرة والممازحة والتبسط، إلا أن يكون مع زوجته طيب العشرة، موطأ الكنف، لين الجانب، كريم الخلق، واسع الصدر، ما دام تبسطه وترخصه معها في حدود المتعة الحلال، والترفيه البريء المباح.
والمسلم التقي الحصيف لا ينفعل وتثار ثائرته للأسباب التافهة التي تنتفخ
لها أوداج الأزواج الجهلة، إذ يقيمون الدنيا ويقعدونها إذا جاءت طبخة الطعام على غير مزاجهم، أو تأخرت وجبة الطعام عن وقتها المحدد، أو نحو ذلك من الأسباب التي كثيرا ما تقدح شرارة الغضب والخصام والنفور بين الزوجين؛ ذلك أن المسلم الحق المتأسي بأخلاق الرسول الإنسان العظيم ليذكر دوما من أخلاقه - ﷺ - ما يجعله كريما حليما متسامحا.
إنه ليذكر من شمائل الرسول الكريم أنه «ما عاب طعاما قط: إن اشتهاه
أكله، وإن كرهه تركه» (٣).
_________________
(١) رواه النسائي من طريق يزيد بن رومان عن عائشة. وانظر الروايات المختلفة فيه عنها في فتح الباري: كتاب العيدين.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) متفق عليه.
[ ٨٠ ]
ويذكر أن النبي - ﷺ - سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل» (١).
ألا فليسمع الأزواج الحمقى الذين كثيرا ما استطار الشرر من عيونهم لتقصير وقعت فيه زوجاتهم، فتأخر الطعام عن موعده، أو جاء على غير مزاجهم الرائق، وقد تكون هناك أسباب قاهرة أرغمت الزوجة المسكينة على الوقوع في مثل هذا التقصير، ولكن الأزواج يغضبون قبل معرفة تلك الأسباب، أليسوا رجالا قوامين على النساء!!؟.
والزوج المسلم الصادق لا يكتفي ببره وحسن معاشرته لزوجته، بل يمتد بره وخيره وكرم وده إلى صديقات زوجته الفاضلات، وذلك تأسيا بما كان يفعله رسول الله - ﷺ -؛ فقد حدثت السيدة عاثشة ﵂، قالت: «كانت عجوز تأتي النبي - ﷺ -، فيهش بها ويكرمها، ويقول لها: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ فتجيبه: بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت، قالت عائشة: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ وإنك لتصنع بها شيئا لا تصنعه بأحد، فيجيبها النبي - ﷺ -: «إنها كانت تأتينا عند خديجة، أما علمت أن كرم الود من الإيمان» (٢).
وقد تأخذ الزوجة نزوة غضب، أو تستبد بها ثائرة انفعال لسبب من الأسباب، فتنكمش عن زوجها، وتشعره بغضبها وانفعالها، وهنا ينبغي أن يسع الزوج المسلم زوجته بخلقه الرضي، وحلمه الواسع، ونظرته العميقة لحقيقة المرأة وتكوينها ومزاجها، كما كان الرسول - ﷺ - يسع زوجاته إذ يغاضبنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: «كنا معشر قريش قوما نغلب
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
[ ٨١ ]
النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي. قال: فتغضب يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك! فوالله إن أزواج النبي - ﷺ - ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل! قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: اتراجعين رسول الله - ﷺ -؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله، ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك» (١). ويأتي عمر ﵁ النبي - ﷺ -، ويحدثه بما دار بينه وبين حفصة من حوار، فيبتسم الرسول الكريم.
بمثل هذا الخلق الرضي العالي ينبغي أن يتحلى المسلم، ليكون على قدم الرسول الكريم في شمائله وسجاياه، وفي أعماله كلها، وحينئد يقيم الدليل على أن الإسلام دين الحياة الاجتماعية الراقية، وأن ما أصاب الأفراد والأسر والمجتمعات من شقاء وتفكك واضطراب وقلق وضياع، إنما كان ببعد الناس عن هذه القيم العليا التي نشر شذاها الإسلام، وجهلهم إياها، وظنهم الخاطىء بها، وإنها لقيم خلقية ثمينة، إذا تحلى بها الأزواج انتفى من حياة الأسر الخصام والشقاق، ورفرفت على البيوت أجنحة السعادة والطمأنينة والاستقرار والنعيم.