ويحذر المسلم الحق من الوقوع في إثم أو خطيئة مع جاره على وجه الخصوص؛ ذلك أن الإثم مع الجار أشد وقعا، وأفدح جريمة مع سواه، وذلك مصداق قول الرسول - ﷺ - إذ سأل أصحابه عن الزنا، فقالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فقال:
«لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره». وسألهم عن السرقة، فقالوا: حرام، حرمها الله ﷿ ورسوله، فقال: «لأن يسرق من عشرة أهل أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» (٢).
إن للجار في الإسلام لحرمة مصونة، لم تعرفها قوانين الأخلاق، ولا شرائع البشر، بل إن تلك القوانين والشرائع الوضعية لتستمرئ العبث بحرمة الجار وعرضه، إذ غالبا ما يكون العبث بعرض الجار أسهل تناولا، وأقل كلفة، وأسنح فرصة من العبث بأعراض غيره. وما شاعت فينا تلك الأغاني المائعة التي تصف جار الشباك وغيره إلا حينما زايلتنا أخلاق الفتوة والإيمان، وغشيتنا غواش من ليل التقليد وموجات الغزو الفكري والحضاري، فبات الفتى الأرعن الرخيص فينا يتغنى بجارته ويتغزل بها، في
_________________
(١) رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ورجاله ثقات.
[ ١٢٨ ]
حين لم يعرف هذا عنا في جاهليتنا، بله إسلامنا، إذ كان شاعرنا الشهم الغيور على الأعراض يقول حينما يصادف جارته (١):
وأغض طرفي ما بدت لي جارتىحتى يواري جارتي مأواها
وقال الشاعر الأموي مسكين الدارمي:
ناري ونار الجار واحدةوإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارا لي أجاورهألا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي برزتحتى يغيب جارتي الخدر
ولقد نمى الإسلام هذا الخلق الإنساني النبيل فينا، إذ حشد تلك النصوص الضخمة في رعاية الجار، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلته (٢)، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه ويسيء إليه.
فلا بدع أن يكون المسلم الحق الصادق خير جار عرفته المجتمعات البشرية في كل آن ومكان.
إن المسلم المتفتح الذهن، اليقظ البصيرة، المرهف الإحساس، الواعي أخلاق دينه وتوجيهاته الاجتماعية الراقية نحو جيرانه، ليحسب ألف حساب لخصومة قد تستعر بينه وبينهم لسبب من الأسباب؛ ذلك أن تحذير رسول الله - ﷺ - من مخاصمة الجيران لا يبارح سمعه:
«أول خصمين يوم القيامة جاران» (٣).