ومن هنا كان المسلم التقي الواعي واصلا رحمه، لا تلهيه الدنيا، ولا المال ولا الزوجة والولد، عن تفقد ذوي رحمه وقرابته، وبرهم وإكرامهم ومعونتهم، وهو في ذلك يتبع هدي الإسلام الحنيف الذي نظم هذه الصلة، فجعلها متسلسلة حسب الأهمية والقرب، فبدأ بالأم، ثم بالأب، ثم بالأقرب فالأقرب؛ فقد جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك (٣) (٤).
وإن للمسلم في بره ذوي القربى لأجرين، أجر القرابة وأجر الصدقة، وهذا أدعى أن يتيمم في عطائه ذوي رحمه، إن كانوا بحاجة إلى المال،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي.
(٣) أي الأقرب إليك فالأقرب.
(٤) متفق عليه.
[ ١١٠ ]
فيغنم بذلك الأجرين عند الله، وخفق القلوب بحبه عند رحمه وذوي قرباه، وهذا ما حبب به الرسول الكريم - ﷺ - ودعا إليه في الحديث الذي روته زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵄، قالت: قال رسول الله - ﷺ -:
«تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن». قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد (١)، وإن رسول الله - ﷺ - قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني (٢)، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائته أنت، فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله - ﷺ - حاجتي حاجتها، وكان رسول الله - ﷺ - قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما (٣)، ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله - ﷺ -، فسأله، فقال له رسول الله - ﷺ -: «من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله - ﷺ -: «أي الزيانب هي؟» قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة» (٤).
ويقول الرسول - ﷺ -: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» (٥).
ولقد كان الرسول - ﷺ - يؤكد أفضلية بر الأقربين في كل فرصة تسنح، وفي كل مناسبة تمر. فلما نزلت الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦)، قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «يا رسول الله، إن الله
_________________
(١) أي قليل الحال.
(٢) أي دفع الصدقة لكم.
(٣) أي في ولايتهما.
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
(٦) آل عمران: ٩٢.
[ ١١١ ]
﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب مالي إلي بيرحاء (١)، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «بخ (٢)، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (٣).
وأوغل رسول الله - ﷺ - في قلب الزمن، موصيا بالرحم المتحدرة عبر القرون والآماد، حينما أوصى بشعب مصر في الحديث الذي رواه مسلم:
«ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا». وقال العلماء في شرحه: الرحم التي لهم: كون هاجر أم إسماعيل منهم. والصهر: كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - منهم.
فيا للوفاء والبر، ويا للندى الإنساني يمتد ويتسع حتى يشمل الذراري المتحدرة من هاتين الرحمين الكريمتين على كر السنين والأحقاب!.
فلا بدع إذا أن يولي المسلم التقي الواعي ذوي رحمه اهتماماته كلها، وأن يقبل على برهم وصلتهم والإحسان إليهم إقبال الربيع الخصب الجواد المعطاء.