والمسلم الواعي هدي دينه الحنيف يندفع في الإحسان إلى جاره على قدر طاقته، ولا يحقر القليل من الإحسان يسديه إلى جاره، كما يفعل بعض الجهلة، إذ يستقل المعروف فيمتنع عن تقديمه لجاره، فيحرم نفسه، ويحرم جاره من الخير، وهذا ما نبه إليه رسول الله - ﷺ - النساء خاصة؛ لأنهن كثيرا ما يستحيين من تقديم القليل من المعروف لجاراتهن، فقال:
[ ١٢٢ ]
«يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (١) وفرسن الشاة: ظلفها، وهو كناية عن القلة، أي لا تحقرن جارة أسدت إلى جارتها شيئا من معروف، ولو كان قليلا كفرسن شاة، فهو خير من العدم، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢)، وقال رسول الله - ﷺ -: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٣).
على أن هذا الحديث الشريف، بما أفاد سياقه من عموم، يحتمل أن يكون نهيا للجارة المعطاة أيضا عن الاحتقار، ويكون معناه عندئذ: لا تحقرن جارة معروفا أسدته إليها جارتها، ولو كان هذا المعروف قليلا كفرسن شاة، بل ينبغي أن تشكرها عليه، فبالشكر على المعروف تشيع الألفة بين الجيران، وتنمو المودة ويربو التكافل والتراحم في حياتهم، هذا إلى ما في شكر الإنسان على المعروف من خلق إسلامي أصيل، أكده رسول الله - ﷺ -، وحض عليه بقوله:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (٤).