ويؤكد الرسول الكريم في حديث آخر أن هذه المحبة بين المؤمنين شرط من شروط الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة، وذلك فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:
«والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣).
لقد أدرك النبي الكريم بثاقب نظرته التربوية التي استقاها من تأديب الله إياه، أنه لا يستل سخائم الحقد من الصدور، ولا ينتزع أدران التنافس والحسد من النفوس، إلا أخوة صادقة عالية، تسود حياة المسلمين، وتقوم
_________________
(١) أي أبيض الثغر حسن المبسم.
(٢) أي بكرت.
(٣) رواه مسلم.
[ ١٣٧ ]
على المحبة، والتواد، والتناصح، والألفة، والبشر، وينتفي منها الكيد والغل والحسد والتجهم والتباغض، ولذلك دعا إلى إفشاء السلام بين الإخوة، ليكون مفتاح القلوب للمحبة والتلاقي على الخير.
وكان صلوات الله عليه يكرر هذا المعنى على مسامع أصحابه، متوخيا إلقاء بذرة المحبة في القلوب، وتعهدها بالرعاية، حتى تثمر ذلك الحب الوضيء الكبير الذي أراده الإسلام للمسلمين.
بهذه المحبة الناصعة بنى رسول - ﷺ - جيل الإسلام الأول الذي بلغ رسالة السماء إلى الأرض، وكان القاعدة الصلبة التي حملت صرح الإسلام الشامخ للناس.
وبدون هذه المحبة الصافية التي تفرد بزرعها الإسلام في القلوب، ما كان المسلمون الأوائل ليستطيعوا التماسك والصمود في تحمل تبعات الجهاد، وتقديم التضحيات الجسيمة في بناء دولة الإسلام ونشر أعلامه في الخافقين.
وبهذه المحبة الصادقة العجيبة استطاع رسول الله - ﷺ - أن ينشىء مجتمع المؤمنين الأمثل في تاريخ الإنسانية، الذي صور تماسكه العجيب أروع تصوير بقوله:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١).
وبقوله أيضا:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٢).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
[ ١٣٨ ]
وبقوله أيضا:
«المسلمون كرجل واحد، إن اشتكت عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» (١).
إن المسلم الواعي الصادق لا يسعه أمام هذا الهدي النبوي العالي إلا أن يخفق قلبه بحب إخوانه وأخلائه، ويقبل عليهم بقلبه ومشاعره، فإذا هو عنصر خير ووئام وبناء في دنياه، والفائز برضوان ربه ومحبته في أخراه.