ولا غرو أن تأتي النصوص بعد ذلك تعلن أن جار السوء إنسان حبط عمله، فما تنفعه مع أذى جاره طاعة، ولا يرفع له عمل صالح؛ ذلك أن العمل الصالح في الإسلام يرتكز دوما على قاعدة الإيمان، وجار السوء لا إيمان له بنص الحديث السالف الذكر؛ فبدهي جدا أن لا يقبل الله منه عملا صالحا مهما بلغ، بل يمحقه محقا، ولو أفنى فيه بياض أيامه وسواد لياليه. قيل للنبي - ﷺ -: يا رسول الله، إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا خير فيها، هي من أهل النار». قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصدق بأثوار (١)، ولا تؤذي أحدا، فقال رسول الله - ﷺ -: «هي من أهل الجنة» (٢).
وجار السوء من العواقر التي حددها رسول الله - ﷺ - بقوله:
_________________
(١) الأثوار: جمع ثور، وهي قطعة من اللبن الجامد المستحجر.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
[ ١٢٧ ]
«ثلاثة من العواقر: إمام إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى خيرا دفنه، وإن رأى شرا أذاعه، وامرأة إن حضرت آذتك، وإن غبت عنها خانتك» (١).
ومن هنا ترتسم في مخيلة المسلم التقي الواعي صورة جار السوء البشعة، كما وصفها رسول الله - ﷺ -، فإذا هو منها بعيد جد بعيد.