والمسلم الحق يعنى بلباسه وهندامه؛ لذلك تراه حسن الهيئة، أنيق المظهر، من غير مغالاة ولا سرف، ترتاح لمرآه العيون، وتأنس به النفوس، لا يغدو على الناس في هيئة مزرية قميئة مهلهلة، بل يتفقد نفسه دوما قبل خروجه على الناس، فيتجمل لهم باعتدال؛ فقد كان رسول الله - ﷺ - يتجمل لأصحابه، فضلا عن تجمله لأهله.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: (روى مكحول عن عائشة (﵂) قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوي لحيته وشعره. قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه، فليهيىء من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال».
والمسلم يفعل هذا كله وفق نظرية الإسلام الوسط في الأمور كلها،
[ ٤٠ ]
وهي نظرية الاعتدال التي لا إفراط فيها ولا تفريط: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١).
لقد أراد الإسلام لأبنائه ودعاته على وجه الخصوص أن يغشوا المجتمعات، وهم شامات مشتهاة، لا مناظر مؤذية تقتحمها الأعين وتصد عنها النفوس؛ فليس من الإسلام في شيء أن يسف الإنسان في مظهره إلى درجة الإهمال المزري بصاحبه، بدعوى أن ذلك من الزهد والتواضع؛ فرسول الله - ﷺ -، وهو سيد الزهاد والمتواضعين، كان يلبس اللباس الحسن، ويتجمل لأهله وأصحابه، ويرى في هذا التجمل وحسن الهندام إظهارا لنعمة الله عليه:
«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (٢).
وفي طبقات ابن سعد (٣): عن جندب بن مكيث ﵁ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر علية أصحابه بذلك، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يوم قدم وفد كندة، وعليه حلة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ مثل ذلك».
وأخرج ابن المبارك والطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم عن عمر ﵁ قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - دعا بثياب جدد، فلبسها، فلما بلغت تراقيه قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي» (٤).
وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يلبس البرد أو الحلة تساوي خمسمئة أو أربعمئة (٥).
_________________
(١) الفرقان:٦٨.
(٢) حديث حسن، رواه الترمذي والحاكم.
(٣) ٤/ ٣٤٦.
(٤) انظر الترغيب والترهيب ٣/ ٩٣ كتاب اللباس والزينة.
(٥) طبقات ابن سعد ٣/ ١٣١.
[ ٤١ ]
واشترى ابن عباس ﵁ ثوبا بألف درهم فلبسه (١).
وما دام التجمل لا يبلغ حد التأنق المفرط، فهو من الزينة الطيبة التي أباحها الله لعباده وحض عليها:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة- يعني: أيعد هذا من الكبر؟ - قال النبي - ﷺ -: «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق (٣)، وغمط الناس» (٤).
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان وساروا عليه. ومن هنا كان الإمام أبو حنيفة ﵁ حسن الهيئة والثياب، طيب الريح، حريصا على دوام التأنق في الملبس، بلغ من حرصه على إصلاح الشأن وتحسين الثياب والهندام أنه كان يحث الناس على ذلك، ويبالغ في حثهم على إصلاح هيئتهم، ولقد رأى ذات يوم أحد جلسائه في ثياب رثة، فانفرد به وقدم إليه ألف درهم ليصلح بها هيئته، فقال له الرجل: إني موسر، وفي نعمة، ولا أحتاج إليها، فقال له أبو حنيفة معاتبا: أما بلغك الحديث: «إن الله يجب أن يرى أثر نعمته على عبده؟» فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم بك صديقك.
_________________
(١) الحلية ١/ ٣٢١.
(٢) الأعراف: ٣٢ - ٣٣.
(٣) أي أن يتكبر الرجل على الحق فلا يقبله.
(٤) أي احتقارهم والاستهانة بهم.
[ ٤٢ ]
وبدهي أن الدعاة إلى الله ينبغي أن يكونوا أحسن هيئة، وأجمل مظهرا، وأتم أناقة، وأكثر جاذبية من غيرهم، ليكونوا أقدر على التغلغل في مسارب القلوب، والوصول بدعوتهم إلى دخائل النفوس.
بل إنهم لمطالبون دون غيرهم بأن يكونوا كذلك، وإن لم يظهروا على الناس؛ فالدعاة إلى الله ينبغي أن يعنوا بهيئاتهم ونظافة أبدانهم وثيابهم وأظافرهم وشعورهم، ولو كانوا في خلوة مع أنفسهم، مستجيبين بذلك لنداء الفطرة السليمة التي أخبر بها وبمستلزماتها الرسول الكريم في قوله:
«خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب» (١).
فرعاية جمال الفطرة الإنسانية مما حبب به هذا الدين، ورغب فيه كل ذي طبع راق وذوق سليم.
على أن هذه العناية بالمظهر لا تنزلق بالمسلم الحق الصادق إلى المغالاة في التزين، والإفراط في التأنق، إلى حد يختل فيه التوازن الذي أقام الإسلام عليه تشريعاته جميعا؛ فالمسلم الواعي يقظ متنبه دوما إلى الاعتدال في كل شيء، بحيث لا يطغى جانب في حياته على جانب.
ولا يغيب عن باله أن الإسلام الذي حض على التزين والاهتمام بالمظهر وأخذ الزينة عند كل مسجد، هو هو الذي حذر من الإفراط والمبالغة في الزينة، بحيث تستعبد الإنسان في هذه الحياة، وتغدو شغله الشاغل وهمه الدائم الكبير، وذلك في الحديث الشريف القائل:
«تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة (٢) والخميضة (٣)، إن أعطي
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) القطيفة: الثوب الذي له خمل.
(٣) الخميصة: الكساء المربع من خز أو صوف.
[ ٤٣ ]
رضي، وإن لم يعط لم يرضى» (١).
ولا ريب أن الدعاة إلى الله في منجاة من هذا المنزلق وعصمة، بما أحاطوا به أنفسهم من هدي هذا الدين العظيم، وبأخذهم بنظرية الاعتدال والوسط التي جاءت بها تشريعاته السمحة الغراء.