ذلك أن الإسلام حفي بالرحم حفاوة ما عرفتها الإنسانية في غيره من الأديان والنظم والشرائع، فأوصى بها، وركب في صلتها، وتوعد من قطعها.
وليس أدل على حفاوة الإسلام البالغة بالرحم من تلك الصورة الرائعة التي رسمها رسول الله - ﷺ - للرحم، تقوم بين يدي الله في الساحة الكبيرة التي خلق الله فيها الخلق، فتستعيذ به من قطيعتها، ويجيبها الله ﷿ إلى سؤلها، فيصل من وصلها، ويقطع من قطعها، وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة، قال: قال رسول - ﷺ -:
«إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك،» ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
[ ١٠٤ ]
وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (١).
ولقد جاءت آيات القرآن الكريم تترى مؤكدة منزلة الرحم في الإسلام، حاضة على الإحسان إليها، وإرهاف المشاعر للإحساس بوشائجها وأداء حقوقها، وتوقي هضم تلك الحقوق أو خدشها أومسها بظلم أو أذى، محذرة من الإساءه إليها. ومن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢).
فقد أمر بتقوى الله، وثنى بالأرحام، إعظاما لها، وتأكيدا على توقيرها، والحنين دوما إلى نداها وظلها.
وحسب الرحم أهمية ومنزلة في شعور المسلم الصادق أن الأمر بصلتها
وبرها أتى في أكثر الآيات الكريمة بعد الإيمان بالله والإحسان بالوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣).
ثم يقول بعد قليل:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٤).
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ (٥).
ومن هنا تأتي مرتبة ذوي القربى في البر بعد الوالدين، كما حددها
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) النساء: ١.
(٣) الإسراء: ٣٤.
(٤) الإسراء: ٢٦.
(٥) النساء: ٣٦.
[ ١٠٥ ]
التوجيه القرآنى الحكيم، متدرجا من الأعلى إلى الأدنى في سلم العلاقات الإنسانية، ثم يمتد البر من ذوي القرابة ويتسع نطاقه، وينسحب خيره على المحتاجين جميعا في الأسرة الإنسانية الكبيرة، وهذا ما يوائم طبيعة النفس البشرية التي هي أميل إلى البدء ببر الأقربين، ويلائم منهج الإسلام العام في تنظيم المجتمع الإسلامي، إذ جعل التكافل الاجتماعي يبدأ من محيط الأسرة، ثم يمتد إلى دائرة الأقربين، ثم ينساح في محيط الجماعة، في سهولة ويسر، وفي تراحم ورضا وود، يجعل الحياة حلوة جميلة شائقة لائقة ببني الإنسان.
وصلة الرحم من المبادئ الإسلامية الأولى، والأصول الكبرى التي طلع بها هذا الدين على الدنيا منذ اليوم الأول الذي صدع فيه رسول الله - ﷺ - بالدعوة، مبينا أسسها، موضحا معالمها؛ فهي إذا من أبرز المعالم وأوضحها في شريعة هذا الدين، يشهد لذلك حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل، إذ سأل أبا سفيان: فماذا يأمركم به نبيكم؟ فأجابه: يقول: «اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة» (١).
فقد جاءت صلة الرحم في عداد المعالم الكبرى لهذا الدين الحنيف، من توحيد لله، وإقامة للصلاة، والتمسك بالصدق والعفاف. ومن هنا كانت صلة الرحم من أبرز مميزات هذا الدين التي تعرض على أسماع السائلين عنه لأول مرة.
وفي حديث عمرو بن عنبسة ﵁ الطويل المشتمل على جملة
من قواعد الإسلام وآدابه، قال فيه: دخلت على النبي - ﷺ - بمكة، يعني في أول النبوة، فقلت له: ما أنت؟ قال: «نبي؟ فقلت: وما نبي؟ قال:
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١٠٦ ]
«أرسلني الله»، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء » (١).
وواضح أن الرسول الكريم في شرحه الموجز لأهم مبادئ الإسلام وقواعده في هذا الحديث قدم صلة الأرحام، فذكرها في طليعة تلك المبادئ والقواعد، وهذا يوحي بما لها من كبير المنزلة، وعظيم المكانة، في منهج هذا الدين الذي أنزله الله رحمة للعالمين.
ومن هنا استفاضت النصوص التي تحض على صلة الرحم، وترغب فيها، وتحذر من قطيعتها، وتتوعد جافيها.
فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبى - ﷺ -: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٢).
فصلة الرحم تأتي مع عبادة الله وتوحيده وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في سياق واحد، فهي إذا من أجل الأعمال الصالحات التي تضمن لصاحبها الجنة، وتقيه من النار.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» (٣).
فهي إذا بركة على الواصل في رزقه، وبركة عليه في عمره، تزيد في ماله وتنميه، وتطيل في أجله وتبارك فيه.
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
[ ١٠٧ ]
وكان ابن عمر يقول: «من اتقى ربه، ووصل رحمه نسئ ت في أجله، وثرى ماله، وأحبه أهله» (١).
وكما رأينا صلة الرحم بركة على صاحبها في رزقه وعمره، ورحمة من الله تتغشاه في دنياه وأخراه، ومجلبة لمحبة الناس له، والثناء عليه، فإننا نجد بالمقابل قطيعة الرجم شؤما على صاحبها وبلاء، ومقتا له من الله والناس، وبعدا له عن الجنة في دار القرار.
وحسب قاطع الرحم بلاء وشقاء وحرمانا أن يسمع قول الرسول - ﷺ - فيه: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (٢).
وحسبه شؤما وتعسا وضلالا أن الرحمة لا تتنزل على قوم هو فيهم، كما في الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان:
«ان الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم» (٣).
ولهذا كان الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ لا يرضى أن يدعو الله في مجلس فيه قاطع رحم؛ لأنه يحول دون نزول الرحمة واستجابة الدعاء؛ فقد قال في أحد مجالسه عشية يوم خميس، ليلة الجمعة: «أخرج (٤) على كل قاطع رحم لما قام من عندنا، فلم يقم أحد، حتى قال ثلاثا. فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين، فدخل عليها، فقالت له: يا ابن أخي، ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول: كذا وكذا، قالت: ارجع إليه فسله: لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٤) أي أضيق وأصر.
[ ١٠٨ ]
«إن أعمال بني آدم تعرض على الله ﵎ عشية كل يوم خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم» (١).
إن المسلم المرهف الحس، المتطلع إلى رضوان ربه وسلامة آخرته، لتهزه هذه النصوص من الأعماق؛ إذ تقرر أن قطيعه الرحم تحجب الرحمة، وترد الدعاء، وتحبط العمل، وإنه لبلاء كبير يحيق بالمرء أن يدعو فلا يستجاب له، ويعمل فلا يرفع له عمل، ويفيء إلى رحمة ربه فتبتعد عنه. ومن هنا لا يتصور أبدا أن يكون المسلم الحق قاطع رحم في يوم من الأيام.
إن قطيعة الرحم ذنب لا يبوء بإثمه مسلم استنار قلبه بهدي الإسلام، وتفتحت نفسه على طاعة الله وضوانه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الذنوب التي يعجل الله بها العقوبة، بل إنها في طليعة الذنوب التي يأخذ أصحابها بها فى الدنيا قبل الآخرة، كما جاء في الحديث الشريف:
«ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الآنيا- مع ما يدخر له في الآخرة- من قطيعة الرحم والبغي» (٢).
فقطيعة الرحم والبغي صنوان، ولذا قرنهما رسول الله - ﷺ - في حديثه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الظلم، وأي ظلم أشد من تقطيع الوشائج، وفصم عرى المحبة، وتجفيف ينابيع الوداد؟!.
ولقد مثل رسول الله - ﷺ - هذا الظلم يقع على الرحم بالقطيعة، فقال:
«إن الرحم شجنة (٣) من الرحمن، تقول: يا رب، إني ظلمت،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ورواه أحمد في مسنده.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح.
(٣) أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
[ ١٠٩ ]
يا رب، إني قطعت، يا رب، إني فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟» (١).
لقد أعلى الله من شأن الرحم، إذ جعلها شجنة من اسمه الرحمن، وكرمها، إذ اشتق اسمها من اسمه، فقال:
«أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي. فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته» (٢).
وفي ذلك إشارة للمسلم المرقف أن واصلها ينعم في ظلال رحمة ربه الوارفة الندية البرود، موصولا منعما مكرما، وأن قاطعها محروم من تلك الظلال، مبتوت شقي مهان.