والمسلم الحق إذا مسه الغيظ من أخيه كظم غيظه، ثم هو لا يأنف أن يسارع إلى العفو عنه، والتغاضي عن زلته، ولا يرى في صفحه عن أخيه ذلا يحيق به، ولا عارا يلبسه، بل يرى فيه إحسانا يقربه من الله زلفى، ويكسبه محبته التي خص بها المحسنين من عباده في قوله:
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) أي الماحية للثواب.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
[ ١٤٢ ]
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
إن الإنسان قد يكظم غيظه، ولكن مراجل الحقد والضغينة تفور في صدره، فيتحول غيظه الفائر إلى إحنة متأججة، ويستحيل غضبه الظاهر إلى حقد دفين. والغضب والغيظ أطهر وأنظف من الحقد والضغينة.
أما المسلم الحق الذي أشربت نفسه هدي هذا الدين فلا يحقد ولا يضطغن، إنه إن كظم غيظه، اتبع ذلك بالصفح والعفو، وكان من المحسنين.
إن الغيظ وقر ثقيل على النفس حين تكظمه، وشواظ يلفح القلب ودخان. أما حين تصفح النفس، ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر والرفرفة في آفاق النور، والبرد على القلب، والسلام في الضمير، وهذا هو الشعور بالإحسان، يحسه المسلم، وهو يصفح ويعفو عن أخيه.
والمسلم الحق في إقباله على أخيه صفوحا عفوا، إنما يتواضع لأخيه ويعفو عنه لله، مبتغيا من لدنه العزة والرفعة التي ألمع إليهما رسول الله - ﷺ - في قوله:
«ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٢).
وإنهما لعزة ورفعة من الله، يجتمعان إلى الإحسان الذي اتصف به المسلم السمح العفو الصفوح، فإذا هو من المحسنين الذي أحبهم الله، ومن الأعزة الأماثل الذين يحبهم الناس.
إن الحقد لا مكان له في قلب المسلم المرهف الحس، الواعي توجيهات دينه، المتأثر بلمساتها في أعماق وجدانه؛ ذلك أنه يدرك قيمة
_________________
(١) آل عمران: ١٣٤.
(٢) رواه مسلم.
[ ١٤٣ ]
العفو وصفاء القلب في مغفرة الله له، كما بينها رسول الله - ﷺ - بقوله:
«ثلاث من لم يكن فيه غفر له ما سواه لمن شاء: من مات لا يشرك بالله
شيئا، ولم يكن ساحرا بتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه (١).