ومن أجل بلوغ هذا المرتقى السامي الوضيء يفيء المسلم دوما إلى ظلال القرآن الوارفة المعطرة، يستروح فيها نسمات الهداية الندية البرود، ويستشرف آفاق الخير، تفتحها له آيات الذكر الحكيم، فهو يكثر من تلاوته في تدبر وتفكر وخشوع، ويجعل لهذه التلاوة أوقاتا لا تتخلف، يخلو فيها إلى ربه يتلو كلامه، فتنسرب معانيه في نفسه فتزكيها، وتلامس عقله فتنميه، وتخالط قلبه فتزيده إيمانا وطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢).
وحسب المسلم التقي الواعي أن يتملى الصورة الجميلة المحببة لقارئ القرآن التي رسمها الرسول الكريم ببيانه البليغ الفذ، ليملأ بياض
_________________
(١) الإسراء: ٧٠.
(٢) الرعد: ٢٨.
[ ٣١ ]
أيامه وسواد لياليه بتلاوة القرآن الكريم، والتغني بمعانيه العاليه المباركة الوضاء. يقول الرسول الكريم - ﷺ -:
«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة (١)، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمر، لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» (٢).
ويقول الرسول - ﷺ -: «اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (٣).
ويقول أيضا: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران» (٤).
فهل يستطيع المسلم الصادق بعد هذا أن يتلكأ في تلاوة القرآن وتدبر معانيه؟!.
وبعد، فهذا شأن المسلم الحق مع ربه: إيمان صادق عميق، وعمل صالح مستمر، وتطقع دائم إلى رضوانه، يؤكد عبوديته له، ويحقق الهدف من وجوده في هذه الحياة الذي حدده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥).
_________________
(١) الأترجة: فاكهة ذات رائحة طيبة تشبه الكبااد.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه مسلم.
(٤) متفق عليه.
(٥) الذاريات: ٥٦.
[ ٣٢ ]