وقد يضيق بعض الناس ذرعا بالبنات، ويتمنون لو أن الله ما رزقهم سوى الصبيان، ولم يدر هؤلاء الثواب العظيم الذي أعده الله للوالد الذي رزقه البنات، فصبر عليهن وأحسن تربيتهن، وفاضت نفسه بالحنان عليهن. ولو علموا هذا الثواب الذي ينتظر أبا البنات البار الكافل الرحيم لغبطوه عليه، وتمنوا لأنفسهم مثله.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
[ ٩٨ ]
يقول الرسول - ﷺ -: «من كان له ثلاث بناب، فصبر عليهن، وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته، كن له ججابا من النار يوم القيامة» (١).
وفي رواية: «من كان له ثلاث بنات يؤويهن، ويكفيهن، ويرحمهن، فقد وجبت له الجنة البتة، فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يارسول الله؟ قال: «واثنتين».
فأي أب يتأفف من تربية البنات والإنفاق عليهن بعد أن يسمع ما أعده الله له من أجر ونعيم؟.
ويلحظ الإسلام، وهو دين الحياة الذي يعالج واقع الناس ومشكلاتهم
في كل زمان ومكان، أن البنت قد تطلق وتعود إلى بيت أبيها، وقد يكون أبوها في عسر وفاقة وضيق، من قلة في الدخل، أو كثرة من الولد، فيضع له الإسلام البلسم الشافي لجراح نفسه المعذبة المكدودة، ويقشع عنها ما يساورها من هم ونصب وعذاب، إذ يبين لهذا الوالد ذي العيلة أن إنفاقه على بنته المردودة إليه من أعظم الصدقات وأقرب القربات إلى الله.
يقول الرسول الكريم - ﷺ - لسراقة بن جعشم: «ألا أدلك على أعظم الصدقة، أو من أعظم الصدقة؟» قال: بلى، يا رسول الله! قال: «ابنتك مردودة إليك، ليس لها كاسب غيرك» (٢).
فأين هذا الري العاطفي النبيل الذي يحظى به الأولاد في دنيا الإسلام من جفاف الحياة المادية الذي يعانيه الأولاد في الغرب، إذ ما يكاد الولد، صبيا كان أو بنتا، يكمل الثامنة عشرة من عمره حتى يخرج من محضن أبويه الدافىء، ليلقى الحياة المادية القاسية، ويواجه أعاصير الكسب، ولما يشتد عوده، ولما ينهل من منهل الحنان العائلي ما يرويه!!.
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح.
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد.
[ ٩٩ ]
إنه الفرق البعيد الشاسع بين تشريع الله الذي جاء لسعادة الإنسان، وتشريع البشر القاصر الذي شقي به الإنسان.
ولا بدع أن نجد في الغرب، نتيجة لهذا التشريع المادي، جيوش المنحلين التائهين من الشبان، وجموع العاثرات من الأمهات غير المتزوجات من الفتيات البائسات الضائعات، وأعداد هؤلاء وأولئك في تصاعد مستمر على مر الأيام.