والمسلم الحق الواعي أحكام دينه يعلم أن الإسلام الذي دعا إلى المحبة والتواصل والتعاطف، هو هو الذي حرم التباغض والقطيعة والهجر، وبين أن المتحابين الصادقين لا تفرق بينهما الهنوات العارضات؛ ذلك أن عروة الحب في الله أوثق من أن تنفصم من أول ذنب يقترفه أحدهما، فقد قال الرسول - ﷺ -: «ما تواد اثنان في الله جل وعز، أو في الإسلام، فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما» (٢).
على أن الإسلام لم يغفل طبيعة النفس البشرية، وأنها عرضة لنزوات الغضب وتقلبات العاطفة في لحظات الضعف، فوضع حدا للمدة التي يمكن أن تفثأ فيها نار الغضب، ويخمد أوار الانفعال، وحرم على المسلمين المتنازعين أن تمضي هذه المدة، ولا يسارع أحدهما أو كلاهما للصلح والتصافي والوئام، وفي ذلك يقول الرسول - ﷺ -:
«لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٣).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٣) متفق عليه.
[ ١٣٩ ]
والمسلم الصادق المرهف الذي يتأمل هذا النص الثابت، لا يصبر على
هجرة أخيه ومخاصمته مهما تكن الأسباب، بل يسارع إلى مصافاته والتسليم عليه، لأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام، فإن رد ﵇ اشترك الاثنان في أجر المصالحة، وإن لم يرد عليه، فقد برئ المسلم من إثم القطيعة والهجر، وباء الممتنع عن رد السلام وحده بالإثم، وهذا ما يوضحه حديث أبي هريرة القائل: سمعت النبي - ﷺ - يقول:
«لا يحل لرجل أن يهجر مؤمنا فوق ثلاتة أيام، فإذا مرت ثلاثة أيام فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة (١») (٢).
وكلما زادت مدة المصارمة والهجر زاد الإثم وكبرت الخطيئة واشتد الوعيد للمتصارمين المتنازعين؟ فقد قال النبي - ﷺ -:
«من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» (٣).
إن منهج الإسلام في تربية النفوس قائم على التحابب والتقارب والتآلف، ومن هنا لا تباغض ولا تحاسد ولا تدابر في حياة المسلم الصادق، وكيف يكون في حياته شيء من هذه الخلائق الوضيعة، وصوت النبوة يسكب في سمعه أروع منهج للأخلاق عرفته البشرية منذ أن كان إنسان على ظهر الأرض بقوله:
«لا تقاطعوا، ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله» (٤).
_________________
(١) أي من إثم الهجرة.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٤) رواه مسلم.
[ ١٤٠ ]
وبقوله:
«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا (١)، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (٢).
وبقوله:
«لا تحاسدوا، ولا تناجشوا (٣)، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا- ويشير إلى صدره ثلات مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (٤).
إن المسلم الذي يتأمل هذا الهدي النبوي العالي، الحاوي على مكارم الأخلاق كلها من حب وتعاطف وتآخ، لا يقيم على شحناء، إلا إذا كان في قلبه مرض، وفي طبعه جفوة، وفي فطرته التواء.
ومن هنا جاء الوعيد شديدا لأولئك القساة الغلاظ، الملتوين عن جادة الإسلام الخلقية، المحجوبين عن بشاشته وسماحته، بإصرارهم على الهجر، يهددهم في آخرتهم، فيحجب عنهم رحمة الله ومغفرته، ويغلق دونهم أبواب الجنة، وذلك في قول الرسول - ﷺ -:
«تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك
بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى
_________________
(١) أي لا تبحثوا عن عيوب ولا تتبعوها.
(٢) منفق علبه.
(٣) التناجش: أن يزيد المرء في السلعة ولا رغبة له في شرائها بل ليغر غيره في شرائها.
(٤) رواه مسلم.
[ ١٤١ ]
يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (١).
وكان الصحابي الجليل أبو الدرداء يقول: ألا أحدثكم بما هو خير لكم
من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين. ألا وإن البغضة هي الحالقة (٢») (٣).
إنها لنظرة نافذة عميقة لروح هذا الدين القائم على التآخي والمحبة، من هذا الصحابي الجليل الذي كان موضع ثقة الرسول الكريم في حسن تفكيره ونفاذ بصيرته، إذ رأى التباغض يحبط العمل، ويضيع الأجر، ويمحق الحسنات، ومن هنا كان صلاح ذات البين للمسلم المقاطع أخاه خيرا له من الصدقة والصيام، إذ أن بقاءه على القطيعة والهجر والتباغض يودي بما يجنيه من عباداته من حسنات.
ولقد أخذ الصحابي أبو الدرداء حديثه هذا من هدي الرسول - ﷺ - الذي رواه الترمذي عنه أيضا: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. ويروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».