ولقد جاءت الأحاديث الشريفة تترى، ترفع من مقام المتحابين في الله، وتصور منزلتهم العالية التي أعدها الله لهم في جنته، والشرف الرفيع الذي يسبغه الله عليهم يوم يقوم الناس لرب العالمين.
من هذه الأحاديث حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله، وهم:
«إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتقرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (١).
فهذا نص صريح يسلك المتحابين في الله في زمرة السبعة المصطفين الأخيار، الذين أظلهم الله في ظله، وشملهم برحمته وبره، وفي ذلك تكريم لهم أي تكريم!
وحسب المتحابين في الله شرفا أن رب العزة يحفل بهم في ساحة الحشر يوم القيامة، فيقول:
«أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢).
فما أرفعه من شرف! وما أوفاه من جزاء! يلقاه المتحابون الصادقون في الله، يوم الشدة والهول والكرب الشديد.
ذلك أن الحب في الله، لا لشيء آخر في هذه الحياة الحافلة بالمطامع
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم.
[ ١٣٤ ]
والمنافع والشهوات مرتقى صعب، لا يستطيع بلوغه إلا من صفت نفوسهم، وسمت أرواحهم، وهانت عليهم الدنيا بجانب مرضاة الله، فلا غرو أن يعد الله لهؤلاء من المكانة والنعيم ما يليق بسموهم في الدنيا وارتفاعهم على شواغلها وحطامها، نجد ذلك فيما رواه معاذ عن النبي - ﷺ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«قال الله ﷿: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (١).
بل لا غرو أن يحبو الله عباده المتحابين فيه ما هو أجل وأسمى من تلك المنزلة وذلك النعيم، يحبوهم حبه الغالي، الذي تتقطع دونه الأعناق، وتنتهي عنده معسولات الأماني، وذلك في حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا (٢)، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها (٣) عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (٤).
فما أعظمه من حب، يرفع الإنسان إلى الدرجة التي يحبه الله فيها ويرضى عنه!
ويسمو التوجيه النبوي صعدا بالمسلم في هذا المرتقى العالي الوضيء،
إذ يقرر أن أفضل الأخوين المتحابين في الله من كان أشد حبا لأخيه، وفي ذلك يقول النبي - ﷺ -:
_________________
(١) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(٢) أي على طريقه.
(٣) أي تقوم بها.
(٤) رواه مسلم.
[ ١٣٥ ]
«ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا بصاحبه» (١).
بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك في إشاعة المحبة في المجتمع المسلم الراشد، فيطلب من المسلم إذا أحب أخاه أن يخبره بأنه يحبه، وفي ذلك يقول النبي - ﷺ -:
«إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (٢).
لقد كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يدرك ما لهذا الحب النقي القوي من أثر في بناء المجتمعات والأمم، فكان لا يدع مناسبة تمر إلا ويدعو المسلمين إلى التحابب، ويأمرهم أن يعلنوا عن هذا التحابب، لتنفتح مغاليق القلوب، وتشيع المودة والصفاء بين الصفوف.
فعن أنس ﵁ أن رجلا كان عند النبي - ﷺ -، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي - ﷺ -: «أأعلمته؟! قال: لا، قال: أعلمه»، فلحقه فقال: إني لأحبك في الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له» (٣).
وكان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك بنفسه، معلما المسلمين كيف يبنون مجتمع المحبة والتواد والتآخي، وذلك حينما أخذ بيد معاذ وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٤).
وقد انطلق معاذ ينشر شذى هذا الحب الطاهر بين المسلمين في ديار
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح.
(٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(٤) رواه أحمد بإسناد صحيح.
[ ١٣٦ ]
الإسلام، فيحدثهم بما سمع من رسول الله - ﷺ - عما أعده الله للمتحابين فيه من ثواب جزل، ومحبة منه أكبر؛ فقد روى الإمام مالك في موطئه بإسناده الصحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا (١)، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل ﵁، فلما كان من الغد هجرت (٢) فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك، فقال:- آلله؟ فقلت. ألله، فقال: آلله؟ فقلت ألله، فأخذني بحبوة ردائي، فجذبني إليه، فقال: أبشر، فإني سمعث رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في».