ويلتفت المسلم الواعي بعد ذلك إلى اختصاصه، فيهبه كل طاقاته، ويمنحه جل اهتماماته، ويقبل عليه إقبال المسلم المعتقد أن عمله في دائرة اختصاصه فريضة، سواء أكان اختصاصه في علم من علوم الشريعة والدين، أم في علم من علوم الدنيا، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والفلك والطب والصناعة والتجارة وغيرها، ومن هنا يتوجب عليه أن يتقن العلم الذي
[ ٤٨ ]
اختص فيه كل الإتقان، فلا يدخر وسعا في الإحاطة بكل ما كتب عنه في شتى اللغات إن استطاع، ويبقى دوما يرفد عقله بالجديد من مستحدثات ذلك العلم، بالمطالعة الدائبة، والاطلاع المستمر، في شتى وجوهه وألوانه. ذلك أن المسلم الواعي الحق في هذا العصر هو الذي يحقق نجاحا علميا عاليا، يكسبه في أعين الناس مهابة وإجلالا وتقديرا، ويرفعه إلى أعلى مراتب المجد والشرف والتكريم، وترتفع بارتفاعه دعوته إلى الشأو الذي بلغه، ما دام يمثلها في إخلاصه وجده ودأبه، وما دام ينطلق من الروح التي أشاعها الإسلام في جو العلم، إذ جعله فريضة، يتقرب بها فاعلها إلى الله، ويتخذ من العلم وسيله لمرضاته. ومن هنا كنا نجد علماء السلف يحرصون في مقدمات كتبهم على تأكيد هذه المعاني السامية؛ ذلك أنهم كانوا يبتغون من العلوم التي أفنوا أعمارهم في نشرها مرضاة الله ﷿، مقدمين ثمرات قرائحهم خالصة لوجهه الكريم.