والمسلم الحق الواعي يدرك مسؤوليته الكبرى إزاء أولاده الذين نجلهم وقدمهم للحياة، إذ يسمع صوت القرآن يهتف به:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١).
وإذ يسمع صوت الرسول الكريم يضعه أمام مسؤوليته الكبرى في الحياة:
«كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته» (٢).
إنها المسؤولية الشاملة التي طوق بها الإسلام أعناق أبناء الحياة جميعا، فلم تغادر منهم أحدا، وجعل بمقتضاها الوالدين مسؤولين عن تربية أولادهما تربية إسلامية دقيقة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، القائمة على مكارم الأخلاق التي أخبر الرسول الكريم أنه ما بعث إلا لتتميمها وتأصيلها بين الناس إذ قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (٣).
وليس أدل على عظم مسؤولية الوالدين تجاه أبنائهما، وتنشئتهم على
طاعة الله ورسوله وامتثال أمرهما، من تقرير العلماء: أن كل بيت يسمع قول الرسول الكريم: «مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر » (٤)، إن كل بيت يسمع هذا الحديث ولا يأمر
_________________
(١) التحريم:٦.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه البخاري في الأدب المفرد، والإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند.
(٤) رواه أحمد وأبو داود، وإسناده حسن.
[ ٩٢ ]
الأولاد بالصلاة متى بلغوا السابعة من العمر، ولا يضربهم على تركها متى بلغوا العاشرة، هو بيت مقصر مفرط، الوالدان فيه آثمان مسؤولان أمام الله عن هذا التقصير وذلك التفريط.
ذلك أن البيت هو المحضن الذي تريش فيه الفراخ الزغب، وهو البيئة الأولى التي يترعرعون فيها، وهو الوسط الذي تتكون فيه ميولهم وأمزجتهم وشخصياتهم. ومن هنا يبدو دور الوالدين الكبير في تعهد تلك البراعم الغضة الغضيرة، ومدها بالغذاء النافع، والتوجيه الأصيل الذي يربي فيها الجسم والعقل والروح على السواء.