والوالد المسلم الحصيف- وأعني بالوالد كلا من الوالدين الأب والأم- يدرك نفسيات أطفاله، فيحسن التأتي إليها، والتوغل في عوالمها الصافية البريئة، مستخدما في سبيل صياغتها وتوجيهها أبرع الأساليب.
إنه يتحبب إليهم بشتى الوسائل، فيدنو منهم، ويراعي مستواهم العقلي والزمني، فيلاعبهم، ويجاملهم، ويمازحهم، ويسمعهم من كلمات المحبة والإيثار والحدب ما تبتهج به نفوسهم فإذا هم يحبونه، ويقبلون على سماع توجيهه بلهفة وحرارة وصدق، وإذا طاعتهم له وامتثالهم أمره نابعان من القلب، وشتان ما بين طاعة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والثقة، وبين طاعة قائمة على العنف والقهر والكبت والانصياع الزجري، فالأولى طاعة دائمة وطيدة والثانية طاعة موقوتة هشة، سرعان ما تزول وتتلاشى بزوال الشدة والعنف والزجر، أو بغيابها إلى حين.
وقد يظن بعض الناس أن تبسط الوالد مع أولاده ومخالطته إياهم يخل بأبوته في أعينهم، ويزري بمقامه التربوي في نظرهم، وهذا خطأ محض؛ فإن هذا الخلق الكريم مع الأولاد هو الأسلوب التربوي الحكيم الناجح الذي
[ ٩٣ ]
تدعو اليه اليوم التربية الحديثة، وقد دعا إليه الرسول - ﷺ - منذ خمسة عشر قرنا بقوله وفعله.
فقد كان - ﷺ - يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا بني العباس ﵃، ثم يقول: «من سبق إلي فله كذا وكذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم» (١).
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - أخذ بيد الحسن أو الحسين ﵄، ثم وضع قدميه على قدمه، ثم قال: «ترق».
وتتجلى روح الرسول المربي العظيم أكثر ما تتجلى في حمله الحسن والحسين ﵄، وترفقه بهما، وحنوه عليهما، ضاربا المثل للآباء والأجداد في كل زمان ومكان، ليكونوا على خلق رضي كريم مع تلك الغرسات اللدنة الغضة، مهما كانوا عليه من وقار ومكانة وقدر؛ ذلك في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن شداد، قال: خرج النبي - ﷺ - وهو حامل حسنا أوحسينا، فتقدم فوضعه، ثم كبر في الصلاة، فسجد سجدة أطالها، فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهره، فرجعت في سجودي، فلما قضى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك أطلت، قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (٢).
هكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم مع أولاده، يخالطهم، ويترفق بهم، ويحنو عليهم، ويمازحهم، ويدخل على قلوبهم السعادة والغبطة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وما وجد من وقته فراغا وسعة.
_________________
(١) رواه أحمد. وقال الحافظ في التهذيب ٨/ ٤٢١: وهو مرسل جيد الأسناد.
(٢) رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح.
[ ٩٤ ]