وإن من أولى واجباته الأبوية أن يشعرهم بالرحمة والحنان والعطف والحب، لينشأوا نشأة نفسية صحيحة، تعمر قلوبهم الثقة، ويشيع في نفوسهم الصفاء، ويغمر أخيلتهم التفاؤل.
والرحمة خلق إسلامي أصيل، كان من أبرز خلائق الرسول الكريم وشمائله الرفيعة، كما حدثنا أنس ﵁ إذ قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله - ﷺ -، قال: كان إبراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق، ونحن معه، فيدخل البيت، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع» (١).
وتتسع رحمة الرسول الكريم بالبراعم المسلمة المتفتحة، ويمتد رواقها الظليل فيشمل الصغار وهم يلعبون، فإذا هو يغمرهم بعطفه وحنانه، كما يروي أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - كان كلما مر بصبيان هش لهم وسلم عليهم (٢).
وكان من أقواله التربوية الخالدة: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا» (٣).
ويروي أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قبل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فقال رسول الله - ﷺ -: «من لا يرحم لا يرحم» (٤).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه أحمد والحاكم، وإسناده صحيح.
(٤) متفق عليه.
[ ٩٥ ]
لقد كان الرسول المربي العظيم يحاول دوما، وهو يصوغ النفوس أن يفجر فيها ينابيع الرحمة، ويفتح كوامنها على الحب والحنان، أخص خصائص الإنسان.
جاءه يوما أعرابي فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم. فقال النبي - ﷺ -: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (١).
وتروي السيدة عائشة أم المؤمنين: «أن فاطمة كانت إذا دخلت على النبي - ﷺ - قام إليها، فرحب بها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه. وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده، فرحبت به، وقبلته، وأجلسته مجلسها. وأنها دخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فرحب بها، وقبلها» (٢).
إن المسلم الصادق لا يملك إزاء هذا الهدي النبوي العالي أن يكون متجهما لأولاده، جافا في معاملتهم، فظا في مخاطبتهم، حتى ولو كان في طبعه جفاء، وفي خلقه جفاف وكزازة؛ ذلك أن هذا الدين بما جاء به من هدى منير، يرقق القلب، ويفجر ينابيع الحنان، ويذكي أوار الحب، فإذا الأولاد قطع من القلب تسعى على الأرض، كما قال الشاعر (٣):
وإنما أولادنا بينناأكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهمتمتنع العين من الغمض
وإذا الوالدان ذوب عاطفة، ودفقة حنان، وموجة رعاية وتضحية واحتضان.
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) رواه البخاري.
(٣) البيتان في شرح الحماسة للتريزي ١/ ٢٧٥ لحطان بن المعلى.
[ ٩٦ ]