والمسلم الحق يصل ذوي رحمه، ولو لم يصلوه؛ ذلك أن واصل الرحم المبتغي بصلته هذه رضوان الله ﷿، والتخلق بالخلق الإسلامي السامي
_________________
(١) الأنبياء: ١٠٧.
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ.
(٣) أي الفقراء.
(٤) رواه البزار عن ابن عباس، وطرقه يقوي بعضها بعضا.
[ ١١٤ ]
لا ينتظر على صلته هذه أن يكافأ بمثل فعله، فهو واصل دوما لرحمه وذوي قرابته، وصلوه أم لم يصلوه، ضاربا بخلقه الإسلامي الإنساني الرفيع المثل الأعلى على صياغة الإسلام للإنسان، صياغة تجعله إنسانا راقيا ساميا، في تعامله مع أقربائه وذوي رحمه في جميع الأحوال. وقد أكد الرسول - ﷺ - هذا المعنى في المسلم الحق الصادق إذ قال:
«ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (١).
وجاء الهدي النبوي الكريم يعزز خلق الحلم والصبر والعفو والسماحة في نفس واصل الرحم الذي يصل قرابته، فلا يقابلونه إلا بالقطيعة والجفاء والإساءة، إذ قرر أن الله مع من يصل الرحم فلا يجازى على صلته بمثلها، ورسم صورة مخيفة للإثم الذي يلحق الجفاة المنكرين للمعروف المقطعين للأرحام، فقد جاء رجل إلى الرسول - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال:
«لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل (٢)، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (٣).
أرأيت إلى واصل الرحم الصابر على جفاء وقطيعة ذوي قرباه كيف أمده الله بظهير من عنده يعينه عليهم، ويملأ قلبه بالصبر على أذاهم، ويثبته على الاستمرار في خلقه الإنساني النبيل؟ وكيف شبه الرسول الكريم ما يلحق
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) أي الرماد الحار.
(٣) رواه مسلم.
[ ١١٥ ]
أولئك العتاة الجفاة المسيئين من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، جزاء ما اقترفوه في حق هذا المحسن الكريم الودود من تقصير وإساءة وجفاء؟
من هنا كان المسلم الحق واصلا رحمه على كل حال، متطلعا دوما إلى مرضاة ربه في هذه الصلة، مترفعا أبدا عن الجهالات والحماقات والإساءات، تبدر بين الحين والحين من ذوي قرابته، معرضا عن الصغائر والتفاهات التي تشغل الصغار من الناس، وتوغر منهم الصدور. فالمسلم التقي الواعي أكبر من أن يصغي لهذه الجهالات والحماقات والصغائر والتفاهات، فتؤثر على علاقاته بذوي رحمه وبره بهم، وهو يسمع قول الرسول الكريم:
«الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطغني قطعة الله» (١).
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١١٦ ]