ولا يغيب عن بال المسلم الواعي التنظيم الدقيق الذي وضعه الإسلام حينما صنف الإحسان للجيران، فأمر بتقديم الأقرب فالأقرب، مراعيا قوة العلاقة بين الجارين المتلاصقين، وما يكون بينهما عادة من حساسيات يجدر مراعاتها، استبقاء للألفة والمودة والوئام.
فعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما بابا» (٣).
ولقد وعى الصحابة الكرام هذا الهدي النبوي الرفيع في معاملة الجيران، فكانوا لا يخصون ببرهم وإكرامهم الجار الأقصى قبل الأدنى، وفي
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) الممتحنة: ٨.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
[ ١٢٤ ]
ذلك يقول أبو هريرة ﵁: «ولا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى» (١).
على أن هذا التصنيف في الإحسان للجيران لا يلوي عنق المسلم، ولا يصرف نظره عن الجيران الأبعدين عن مسكنه؛ فكل من كان في دائرة بيته داخل في ذمة الجوار، وله عليه حق الجار، وما ذلك التصنيف في تقديم الجار الأقرب إلا تصنيف تنظيمى، راعى فيه الرسول الكريم نفسية الجار الأقرب، لما يكون بينهما عادة من احتكاك وتعامل واتصال مستمر.