ويستعين المسلم أيضا على بلوغ هذا المرتقى الصعب بالرفيق الصالح الذي يتواصى وإياه بالحق، ويتواصيان بالصبر، وبالإكثار من مجالس الإيمان الروحية التي يكثر فيها ذكر الله، وتدور فيها الأحاديث عن الإسلام وعظمته في تربية الفرد والأسرة والمجتمع، ويتملى فيها الحاضرون قدرة الله العظيم القهار الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ويستعرضون فيها عظيم خلقه وبديع صنعه في الكون والحياة والإنسان؛ ففي مثل هذه المجالس تزكو الروح، وتصقل النفس، ويصفو القلب، وتخالط كيان الإنسان كله بشاشة الإيمان.
ولهذا كان عبد الله بن رواحة ﵁ إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: «تعال نؤمن بربنا ساعة»، ويبلغ ذلك النبي - ﷺ - فيقول: «يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» (١).
وكان الخليفة الراشد سيدنا عمر الفاروق ﵁ ينتزع نفسه من شواغل الخلافة وأعباء الحكم، ويأخذ بيد الرجل والرجلين، فيقول: «قم بنا نزداد إيمانا»، فيذكرون الله ﷿ (٢).
لقد كان عمر ﵁ يحس، وهو من هو تقى وصلاحا وحسن عبادة، الحاجة إلى جلاء النفس بين الحين والحين، فيختلس هذه الساعة من أوهاق الدنيا وضرورات الحياة، ليفرغ فيها إلى ترويح قلبه، وجلاء نفسه،
_________________
(١) وراه أحمد بإسناد حسن.
(٢) حياة الصحابة ٣/ ٣٢٩.
[ ٥٢ ]
وتصفية روحه.
وكذلك كان معاذ بن جبل ﵁ يقول لأصحابه، وهم يمشون: «اجلسوا بنا نؤمن ساعة» (١).
إن المسلم مسؤول عن تقوية روحه وتزكية نفسه، ودفعها دوما إلى أعلى، وحمايتها أبدا من الارتكاس إلى أدنى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢).
ومن هنا كان المسلم مطالبا بأن يحسن اختيار الأخلاء والبيئات التي لا تزيده إلا إيمانا وصلاحا وتقوى وتبصرة، وأن يعرض عن رفاق السوء من شياطين الإنس، وعن مجالس الفحش والمعصية التي تظلم فيها النفس ويصدأ القلب:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٣).