وإنه لحري بالمسلم بعد هذا كله أن يكون نقي السريرة، صافي القلب، بش الوجه، طلق المحيا، مفتر الأسارير، لا يلقى إخوانه إلا متهللا مبتسما كما أراد سول الله - ﷺ - بقوله:
«لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» (٢).
فبشاشة الوجه خليقة حسنة حض عليها الإسلام، وجعلها من الأعمال الصالحات التي تكسب صاحبها المثوبة والأجر؛ لأن الوجه الطليق الصافي مرآة القلب النظيف الصافي، وهذا الصفاء في المظهر والمخبر من خلائق الإسلام الجلية في المسلمين الصادقين.
ومن هنا كان من هدي الرسول الكريم:
«تبسمك في وجه أخيك صدقة» (٣).
وكان الرسول - ﷺ - يبش دوما في وجوه أصحابه، فما يكاد يقع بصره على أحد منهم إلا تبسم له، يشهد لذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي: «ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم».
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
[ ١٤٤ ]
وكان من حديث على ﵁:
«إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبشهما وجها».
ولذلك كان من عادة الصحابة الكرام الذي كان هدي الرسول - ﷺ - في نفوسهم حيا طريا أن يتصافحوا إذا تلاقوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا، وفي ذلك إشاعة للمحبة الود بين الإخوة المتلاقين. ويروي ابن سعد في طبقاته (١) عن الشعبي قال: لما رجع رسول الله - ﷺ - من خيبر تلقاه جعفر بن أبي طالب ﵁، فالتزمه رسول الله - ﷺ -، وقبل ما بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر. وزاد في رواية أخرى: وضمه إليه واعتنقه.
لقد حبب الإسلام إفشاء السلام، والمصافحة والمعانقة، عند تلاقي الإخوة، لتبقى أسباب الود بين القلوب معقودة الأواصر، ولتزداد وشائج الأخوة بين المؤمنين صلابة وقوة، وبذلك يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش إسلامه، وينهض بتكاليف رسالته في الحياة.