إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فمن أعظم نعم اللَّه جل وعلا على المسلم، أن شرّفه بهذا الدين القويم، المحروم منه أكثر العالمين، نعمة مخصصة منه جل وعلا.
ومن عظيم نعمه جل وعلا على عباده التي لا تُحصى، أن أذن لهم بالدعاء، وأرشدهم إلى سبله، ووعدهم بالإجابة، والإثابة عليه منه تفضلًا، وتكرمًا وإحسانًا، وبيّن كتاب ربنا جلّ ثناؤه أهميته وعظم شأنه، فقد افتتح كتابه الحكيم به في أعظم سورة في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، واختتم عز شأنه كتابه بسورتين بأفضل ما يتعوذ بهما المتعوذون (المعوذتين)، فأول القرآن وآخره مشتملٌ على الدعاء «وإذا تأمل العبد آيات التنزيل رأى فيه نحو ثلاثمائة آية في الدعاء وفيها من أسرار التنزيل عجبًا» (٢).
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآيتان: ٦ - ٧.
(٢) تصحيح الدعاء، للعلامة بكر أبو زيد ﵀، ص ٢٣٩.
[ ٥ ]
وقد سمى اللَّه - ﷿ - الدعاء دينًا، فقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وسماه عبادة، والتي من أجلها خلق الخلق: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢).
والسنة المطهرة عن المصطفى - ﷺ - حافلة بفضائله، منوهةٌ بعلو شأنه، ومكانته، ورفع منزلته، ولا يخفى في عناية الشارع الكريم بالدعاء، دلالة على أنه أعظم العبادات، وأجلّ الطاعات، وروح العبادات ولبّها، وأفضلها.
فعن مطرف بن عبد اللَّه قال: «تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير: كثير الصوم، والصلاة، وإذا هو في يد اللَّه - ﷿ -، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد اللَّه - ﷿ - إلا أن تسأله فيعطيك، فإذًا جماع الخير الدعاء» (٣).
ولقد قيّض اللَّه ﵎ في كل زمن وحين، علماء يصونون هذا الدين العظيم من كلّ شائبة، في كل علمٍ من علومه، ولقد قيّض اللَّه جل وعلا من كتب في علمٍ من علومه الجليلة «الدعاء» هو الأخ الشيخ الدكتور الفاضل «سعيد بن علي بن وهف القحطاني» - حفظه اللَّه - ﷿ - وسدده - فقد جمع كتابًا شاملًا مانعًا من أصح ما كتب في هذا
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٦٥.
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) الزهد للإمام أحمد، ص ٢٤١.
[ ٦ ]
الباب، فقد جعل اللَّه ﵎ لهذا الكتاب القبول الواسع في أرجاء العالم الإسلامي، فلا تكاد ترى بيتًا إلا وفيه هذا الكتاب، وقد لا أكون مبالغًا إذا قلت بل في كل دار من دور البيت، وهذه بشرى نزفها إليه في هذه الدنيا، ونسأل اللَّه ﵎ أن يتم له البشرى الكاملة في الدار الآخرة في أعلى الفردوس، ونحن معه.
ولما كان هذا الكتاب الجليل بهذا القبول والأهمية، أحببت أن أقوم بشرحه، وإن كنت لست أهلًا له، لكني آمل أن أكون من الذين قال فيهم الرسول - ﷺ -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (١)، فقمت مستعينًا باللَّه - ﷿ -، وهو خير المعين، لعلّي أقتطف من هذا المعين من الأجر والثواب العظيم، من رب كريم رحيم، ثم استعنت باللَّه - ﷿ - ثم باللآلئ المنثورة من أقوال أهل العلم في الكتب المبسوطة في هذا الفن، فسهَّل عليَّ هذا المسلك والطريق، فلله الحمد والمنة، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.
أما عملي في الكتاب: فقد قمت بشرح الأدعية التي في الكتاب شرحًا مبسطًا، مع ذكر بعض الفوائد في الآيات القرآنية والسنة النبوية، وقد أضفت بعض الأحاديث في الفضائل، وكذلك في السنن والآداب، وجعلت الرمز (*) حتى يتميز بين الأصل والشرح، واعلم يا عبد اللَّه أن هذا الموضوع العظيم الجليل القدر لا يعطَى حقه في هذا
_________________
(١) البخاري، كتاب الأدب، باب علامة الحب في اللَّه - ﷿ -، برقم ٦١٦٨، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، برقم ٢٦٤٠.
[ ٧ ]
الجهد المتواضع، لكن العبد يتقرب إلى مولاه ما استطاع إليه سبيلًا، واعلم يا عبد اللَّه أن الإكثار من الدعاء، والتشبث به يدخل العبد في جنة معجلة قبل جنة الآخرة.
وختامًا هذا جهد المقل، فإن كان خيرًا فمن اللَّه - ﷿ -، وإن كان غير ذلك فمن نفسي، ومن الشيطان، وآمل من كل أخ كريم ألاّ يبخل عليَّ بالنصح والبيان في مواطن الزلل، وأسأل اللَّه جل وعلا أن يجعل هذا العمل المتواضع مباركًا نافعًا، وأن يرزق مؤلفه، وشارحه، وطابعه، وناشره، وقارئه، مرافقة سيّد الأوّلين والآخرين في الفردوس الأعلى «اللَّهم آمين».
وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
كتبه
ماهر بن عبد الحميد بن مقدم
غفر اللَّه له، ولوالديه، ولجميع المسلمين
الأحد ٢٨ محرم ١٤٣٠هـ.
الموافق٢٥ يناير ٢٠٠٩م
[ ٨ ]
بسم اللَّه الرحمن الرحيم