_________________
(١) انظر هذه الأوقات والأحوال والأماكن مع أدلتها بالتفصيل في الأصل، ٣/ ٩٧٥ - ١١١٧.
(٢) سورة القدر، الآيات: ١ - ٥.
(٣) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٣٤، برقم ٣٥١٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٨٩.
[ ٦٩ ]
قال النبي - ﷺ -: «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» (١)، وهذا قربٌ خاص يقتضي الإجابة والإثابة والعناية. وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قيل: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الدُّعاءِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوفُ اللَّيلِ الآخِرُ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ» (٢).
اعلم يا عبد اللَّه أن هذا الوقت هو أشرف الأوقات، حيث ينزل رب العالمين إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل [نزولًا يليق بجلاله؛ والنزول من صفاته الفعلية التي يفعلها إذا شاء]، قال النبي - ﷺ -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (٣).
قال ابن بطال ﵀: «هو وقت شريف، خصّه اللَّه تعالى [بالنزول فيه إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل]، فيتفضل - ﷾ - على عباده لإجابة دعائهم، وإعطاء سؤالهم، وغفران ذنوبهم،
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٦٩، برقم ٣٥٧٩، سنن النسائي، كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، ١/ ٢٧٩، برقم ٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١١٥٨.
(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٢٦، برقم ٣٤٩٩، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم ٩٦٨.
(٣) البخاري، أبواب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ٢/ ٥٣، برقم ١١٤٥، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ١/ ٥٢١، برقم ٧٥٨.
[ ٧٠ ]
وهو وقت غفلة وخلوة، واستغراق في النوم، واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة، صعب، ولا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولاسيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه تعالى، والتضرع إليه مع ذلك، دلّ على خلوص نيته، وصحّة رغبته فيما عند اللَّه جل وعلا؛ فلذلك نبّه اللَّه عباده إلى الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا، وعلقها، ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه» (١).
وهذا الوقت الشريف يا عبد اللَّه قد أثنى ربك جل وعلا على المستغفرين به، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْاسْحَارِ﴾ (٢)، قال القرطبي: «خصَّ السحر بالذكر؛ لأنه مظنة القبول، وقت إجابة الدعاء، وهو وقت التجليات الإلهية، وتنزل الفيوضات الربانية» (٣).
والاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ لأن الدعاء يعمُّ ما كان دفعًا للمضارِّ، أو جلبًا للمسارِّ، وذلك: إمّا ديني، أو دنيوي، والاستغفار من النوع الأول، وهو طلب دفع السوء والشرّ (٤).