كما في حديث أبي أمامة - ﵁ - حين سأل النبي - ﷺ -: أَيُّ الدُّعَاءِ
_________________
(١) فتح الباري، ١١/ ١٣٣، وما بين المعقوفين من كلام المصحّح سعيد بن علي بن وهف.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٧.
(٣) تفسير القرطبي، ٤/ ٢٥.
(٤) انظر: فتح الباري، ٣/ ٣١، ومجموع الفتاوى، ١٠/ ٢٣٩.
[ ٧١ ]
أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» (١).
اختلف أهل العلم في معنى «دبر»: هل هو آخر جزء من الصلاة، أي قبل السلام؛ لأن دبر كل شيء مؤخره؟، أو المراد به بعد انقضاء الصلاة، أي بعد السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢).
أو المراد مجموع الأمرين؟ ذهب شيخ الإسلام وابن القيم أنه آخر الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، قال ابن القيم: ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان (٣).
وقال شيخ الإسلام - ﵀ - عن حديث معاذ الذي قال فيه النبي - ﷺ - لمعاذ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٤).
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا محمد بن يحيى، ٥/ ٥٢٦، برقم ٣٤٩٩، والنسائي في الكبرى، كتاب الأذان، ما يستحب من الدعاء دبر الصلوات المكتوبات، ٦/ ٣٢، برقم ٩٨٥٤، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٧.
(٢) سورة ق، الآية: ٤٠.
(٣) زاد المعاد، ١/ ٧٨.
(٤) مسند أحمد، ٣٦/ ٤٢٩، برقم ٢٢١١٩، سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، ١/ ٥٦١، برقم ١٥٢٤، المستدرك، ١/ ٢٧٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٣٦٢.
[ ٧٢ ]
يتناول ما قبل السلام، ويتناول ما بعده أيضًا (١).
والذي يظهر أنه يُراد به مجموعهما، فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو قبل السلام وبعد السلام، واليك الأدلة:
١ - رغب النبي - ﷺ - بالذكر دبر كل صلاة، فقال: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً» الحديث (٢). والمراد بعد السلام إجماعًا، والذكر نوع من الدعاء.
٢ - ثبت عنه - ﷺ - أنه دعا بعد الصلاة من ذلك، ففي حديث علي في صفة صلاة النبي - ﷺ - دعا: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، » (٣)، فقد جاء أنه دعا قبل السلام، وثبت أنه دعا بعد التسليم، وفيه: «فإذا سلم من الصلاة قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٥٠٠.
(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، ١/ ٤١٨، برقم ٥٩٦.
(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٥، برقم ٧٧١.
(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواقع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣، ومسند أحمد، ٢/ ١٣٣، برقم ٧٢٩.
[ ٧٣ ]
ولفظ رواية الترمذي: «ويقول عند انصرافه من الصلاة» (١).
ولهذا قال ابن القيم: «ولعله كان يقوله في الموضعين» (٢).
ومن الأدعية عن أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حين ينصرف يقول: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَذُنُوبِي كُلَّهَا » (٣).
ومن دعائه - ﷺ - بعد الصلاة: أن كعبًا - ﵁ - ذكر أن صهيبًا حدثه أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يقول عند انصرافه من الصلاة: «اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةَ أَمْرِي » (٤).
وغيره من الأدعية، فدل على أن للدعاء بعد السلام موطنًا عظيمًا من مواطن الإجابة، واللَّه - ﷿ - أعلم.