أمر اللَّه تعالى عباده المؤمنين بدعائه الذي فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم في تذلل، واستكانة، وخشوع، وقوله: «خفية» أي أن يكون سرًا في النفس؛ لأنه أدل على الإخلاص الذي فيه السلامة من الرياء والسمعة.
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي، ٢٢/ ٣١.
(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٢.
(٣) شرح عقيدة أهل السنة والجماعة للعلامة ابن عثيمين ﵀، ص ١٨٧.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.
[ ١٦ ]
وهذا يدل على أهمية الدعاء، وعلو شأنه، وذلك «لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولاشك أن معرفة العبد نفسه بالعجز، والنقص، ومعرفة ربه بالقدرة، والكمال من أعظم العبادات» (١).
ثم قال تعالى: ﴿إنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقصد تاركي الدعاء: وهذا نهاية في الكرم، وغاية في الإفضال، أنه جعل إمساكك عن دعائه ومسألته التي فها خلاصك، وصلاح دينك ودنياك، اعتداء منك» (٢).
[قال الإمام ابن كثير: «وقال ابن جُرَيْج: يكره رفع الصوت والنداء والصياحُ في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره.
وقال أبو مِجْلِز: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء» (٣).
وقال الشيخ السعدي ﵀: «﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي:
_________________
(١) روح المعاني، ٥/ ٥٠٦.
(٢) الدعاء المأثور، ص ٣٨.
(٣) تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٢٨.
[ ١٧ ]
المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل اللَّه مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه» (١)].
* وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) «أمر تعالى أن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوّف، وتأمّل للَّه - ﷿ - حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، فيدعو الإنسان خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه» (٣).
وهذا يدلنا على فضل الدعاء، وأنه محبوب عند اللَّه ﵎؛ لأنه روح العبادة، ولبُّها، وأفضلها؛ لما فيه من كمال التذلل للَّه تعالى من شدة الافتقار، وإظهار غاية العجز والحاجة إليه ـ.