وهذا هو الأدب الجميل للمؤمن الصادق الراغب فيما عند اللَّه تعالى، ويدل على سمة من سمات العبودية الدّالّة على افتقار الداعي، وَذُلِّهِ إلى ربه العزيز الكريم، ففي الإلحاح يلج الداعي إلى باب الملك العظيم، قال أبو الدرداء - ﵁ -: «من يكثر قرع باب الملك يوشك أن يستجاب له» (٢).
والإلحاح في اللغة: الإقبال على الشيء، ولزومه، والمواظبة عليه، يقال: ألحَّ السحاب: دام مطره (٣).
والسنة في الإلحاح أن يلحَّ ثلاثًا، فعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - أنه قال: «كان النبي - ﷺ - إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا» (٤).
وعنه أيضًا - ﵁ - أنه قال: «كَانَ - ﷺ - يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا» (٥).
_________________
(١) تحفة الذاكرين، ص ١٢.
(٢) شرح السنة للبغوي، ٥/ ١٩١.
(٣) النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٢٣٦.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤١٨، برقم ١٧٩٤.
(٥) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، ١/ ٥٦١، برقم ١٥٢٦. مسند أحمد، ٦/ ٢٩٠، برقم ٣٧٤٤. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، برقم ٢٦٩.
[ ٣٣ ]
وفي حديث قصة سحره - ﷺ - عن عائشة ﵂ «فدعا، ثم دعا، ثم دعا» (١).
ولا يكره الزيادة على ثلاث لأن النبي - ﷺ -: «دعا لجند أحمس ورجالها خمسًا» (٢).
ويكون الإلحاح في الدعاء بذكر ربوبيته - ﷿ -، فهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، كما في غالب أدعية القرآن الكريم، وكذلك التوسل إليه بإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأن ذلك من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء كما في الحديث الذي ذكره النبي - ﷺ -: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب» الحديث (٣).
وما جاء في الإلحاح بذكر أسمائه وصفاته عن النبي - ﷺ -: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٤).
ومعنى ألظوا: أي الزموا هذه الدعوات، وأكثروا منها.
ومن الإلحاح في الدعاء تكرير الطلب، كما قال النبي - ﷺ -: «مَنْ
_________________
(١) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء، ٨/ ٨٣، برقم ٦٣٩١، صحيح مسلم، كتاب السلام، باب السحر، ٤/ ١٧٢٠، برقم ٢١٨٩، واللفظ له.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة، برقم ٤٣٥٥، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، برقم ٢٤٧٦.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/ ٧٠٣، برقم ١٠١٥.
(٤) مسند أحمد، ٢٩/ ١٣٨، برقم ١٧٥٩٦، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حاتم، ٥/ ٥٣٩، برقم ٣٥٢٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٢.
[ ٣٤ ]
سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ» (١).
وجاء في الحديث القدسي أن الإلحاح سبب في غفران الذنوب مهما عظمت وحصول المطالب، قال اللَّه في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي» (٢).
وكان السلف يرون أن أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه تعالى، قال الأوزاعي ﵀: «كان يُقال: أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه، والتضرع» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالًا، وهو يحب الملحِّين في الدعاء، وكلما ألحَّ العبد عليه في السؤال أحبَّه وأعطاه» (٤).
وقول المؤلف - حفظه اللَّه -: «وعدم الاستعجال»: يشير إلى
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة، ٤/ ٦٩٩، برقم ٢٥٧٢، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة الجنة، ٢/ ١٤٥٣، برقم ٤٣٤٠، سنن النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من النار، ٨/ ٢٧٩، برقم ٥٥٢١، مسند أحمد،٢١/ ٢٨٨، برقم ١٣٧٥٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣١٩.
(٢) رواه الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، ٥/ ٥٤٨، برقم ٣٥٤٠، مسند أحمد، ٣٥/ ٣٧٥، برقم ٢١٤٧٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٧.
(٣) شعب الإيمان، ٢/ ٣٨.
(٤) حادي الأرواح، ١/ ١٨١.
[ ٣٥ ]
قول النبي - ﷺ -: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (١)، وفي لفظ لمسلم: «لا يَزَالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بإثم أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لم يستعجلْ» قيل: يا رَسول اللَّه، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوتُ، وقد دَعَوتُ، فلَمْ أرَ يَستجيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك، ويَدَعُ الدعاءَ» (٢). وهذا يدل على أن من موانع الإجابة: الاستعجال في الدعاء.
وقوله: «قد دعوت، وقد دعوت»: أي مرة بعد مرة، يعني مرات كثيرة، استبطاءً للإجابة، «وهذا بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله» (٣)، وهذا يدل على جهل الداعي، وعدم معرفته وفهمه لمقاصد الشارع، فإن قول الرسول - ﷺ -: «لا يزال يستجاب»، يدلّ على تأكيد حصول الاستجابة وعظمها، هذا ما أفاده حرفا «السين والتاء»، وكذلك يدلّ على استمرارية الإجابة كلما تكررت الدعوة، كما أفاد الفعل المضارع «يستجاب»، فيحسن بالعبد الصالح ملازمة الطلب والسؤال، والإلحاح، وإن تأخرت الإجابة، قال بعض الصالحين:
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، ٨/ ٧٤، برقم ٦٣٤٠، وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٤/ ٢٠٥٩، برقم ٢٧٣٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، برقم ٢٧٣٥.
(٣) الجواب الكافي، ص ١٠.
[ ٣٦ ]