هذا الأدب العظيم الذي هو من أعظم شروط إجابة الدعاء، ينبغي للعبد الداعي أن يحرص عليه أشدّ الحرص، وعليه أن يستحضر أنه يدعو رب السموات والأرض، فلائق بعظمته تعالى أن يدعوه العبد، ويكون قلبه حاضرًا، ومستيقظًا للَّه تعالى، قال النووي ﵀: «اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر» (٣).
وقد بيّن الصادق المصدوق - ﷺ - خطورة الغفلة، وعدم يقظة القلب حال الدعاء، وأنه من موانع الإجابة، قال - ﷺ -: «فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ
_________________
(١) الدعاء ومنزلته من العقيدة، ١/ ١٨٥.
(٢) سنن أبي داود، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٦٩، مسند أحمد، ٢٩/ ٦٠٧، برقم ١٨٠٦٦، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، برقم ١٢٦٩، وصحيح ابن خزيمة، ٢/ ٣٣٥، برقم ١٤١٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٠٤٨.
(٣) الأذكار، ص ٣٤١.
[ ٣٨ ]
أَيُّهَا النَّاسُ، فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» (١).
وفي لفظ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (٢). قوله: «وأنتم موقنون بالإجابة»: أي والحال أنكم موقنون بها، أي: كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة، أو أراد: وأنتم معتقدون أن اللَّه تعالى لا يخيبكم لسعة كرمه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه » (٣).
قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «إن اللَّه لا يقبل من مسمِّعٍ، ولا مراء، ولا لاعب، إلا داعٍ دعا يثبت من قلبه» (٤).
فغفلة القلب حال الدعاء تبطل قوته، وتضعف أثره، فيصبح بمنزلة القوس الرخو جدًا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، ولا يبلغ الهدف المقصود، «هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه، فأما إذا كان لا يمكنه، وليس في وسعه إلا الدعاء، فالدعاء أفضل من تركه» (٥).
_________________
(١) مسند أحمد، ١١/ ٢٣٥، برقم ٦٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٥٢.
(٢) سنن الترمذي، برقم ٣٤٧٩، تقدم تخريجه.
(٣) تحفة الأحوذي، ٩/ ٣١٦.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٠٦، وشعب الإيمان، للبيهقي، ٢/ ٥١، ومصنف بن أبي شيبة، برقم ٢٩٢٧٠، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٦٠٦.
(٥) الفتاوى البزازية، ٤/ ٤٢ نقلًا عن الدعاء ومنزلته، ١/ ١٨٩.
[ ٣٩ ]