بسم الله الرحمن الرحيم
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية - للعلامة حافظ حكمي (٤)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول: ما أفضل طبعات هذه المنظومة؟
لعله يقصد المنظومة الميمية للشيخ حافظ، المنظومة طبعت في حياته على نفقة الملك سعود طبعة جيدة، فيها أخطاء يسيرة يمكن أن تستدرك، ثم طبعت بعد ذلك مرارًا، وباعتبار أن الكتاب ما تداوله النساخ، فأخطاؤه طفيفة.
يقول: هل يجوز للرجل أن يأخذ زوجته إلى حمام عام به غرف خاصة للاستحمام معًا؟
هذا إن كان في بيته متسع فالأصل أن يستحم مع زوجته أو بمفرده، وتستحم بمفردها في بيت يكنهما، أما إذا كانت البيوت تضيق عن هذا، وهم بحاجة إلى الاستحمام، فإذا ذهبت الزوجة إلى حمامات النساء، وذهب هو إلى حمامات الرجال فهذا هو الأصل؛ لأن الاختلاط ولو في الممرات لا شك أنه يترتب عليه أمور لا تحمد، لا سيما في الحمامات التي تتطلب شيء من التكشف، لا أقول: كشف عورات مغلظة وإلا شيء، إنما لوجود المياه ووجود المنظفات وكذا قد يحتاج الإنسان إلى رفع ثوبه فيبدو شيء من جسده.
يقول: عند متابعتي للدروس العلمية الشرعية عبر الإنترنت هل تحصل لي فضيلة الأجر كالذي يحضر في المسجد؟
لا، أنت الآن حديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» أنت جالس في بيتك ما سلكت الطريق، لكنك مع ذلك تعد من طلاب العلم، ولك أجر عظيم -إن شاء الله تعالى-، وصرفك لهذا الوقت وهذا الجهد أيضًا تؤجر عليه، لكن يختلف الوضع بين كون الطالب يأخذ من الشيوخ مشافهة ومباشرة ويجثو بين أيديهم، ويتكلف عناء الطريق، وعناء الظروف من حر وبرد يختلف اختلافًا كبيرًا عن شخص جالس في بيته ويسمع من جهاز أو آلة أو شريط، أو ما أشبه ذلك، وعلى كل حال هو مأجور، إذا لم يتيسر له سلوك الطريق والحضور بين يدي الشيوخ فيرجى.
هذا يقول: أنا صاحب السؤال أمس هل يكتفى بكتب الحديث عن الفقه، فبماذا يبدأ طالب العلم هل يبدأ بكتب الحديث أم يبدأ بكتب الفقه؟ وما هو الكتاب الذي يمكن أن يكتفي به في الفقه، خاصة للطالب المتقدم في السن؟
[ ٤ / ١ ]
عرفنا بالأمس أن كتب الحديث متون الحديث المرتبة لطلاب العلم لا بد مما يواكبها من المتون الفقهية، فالمتن الفقهي بحاجة ماسة إلى كتب الحديث، لا سيما كتب أحاديث الأحكام، وأيضًا كتب أحاديث الأحكام بحاجة ماسة إلى كيفية الاستنباط عند أهل العلم، والتصرف في النصوص المتعارضة، فتجد في كلام أهل العلم ما يحل لك إشكال في حديثين متعارضين، فيمشيان معًا يتواكبان أعني متون الفقه مع متون الحديث، وكلها مرتبة عند أهل العلم، لا متون الحديث ولا متون الفقه، يعني لو أن الطالب مثلًا بدأ بعمدة الأحكام مع عمدة الفقه، أو بدأ ببلوغ المرام مع زاد المستنقع؟ هذا يخدم هذا، وهذا يخدم هذا.
يقول: ماذا يفعل من كان لديه زوجة ينصحها زوجها عن مشاهدة المسلسلات والأفلام والأغاني فلا تمتثل لأمره، وينصحها دائمًا ولكن لا تستجيب، والأدهى من ذلك أن أمها تشجعها على ذلك، هل يتركها أم ماذا يفعل بها؟
على كل حال هذه مخالفات ومعاصي، فعليك أن تستمر في نصحها، وتوجيهها بالرفق واللين، وبيان الأضرار الناتجة والناجمة عن مشاهدة هذه الأفلام وهذه المسلسلات وهذه الأغاني، وتحضر لها البديل، والرفق ما دخل شيئًا إلا زانه، وعليك أن تصبر وتجتهد في نصحها، وتغيير مسارها ومسلكها، ومثل هذه الأمور لا توجب طلاق ولا تقتضيه؛ لأنها مخالفات ومعاصي تتحملها هي، فإذا أبرأت ذمتك بنصحها ومنعت من دخول هذه الأشياء إلى بيتك؛ لأنك أنت صاحب السلطان، لك أن تمنع هذه الآلات من دخول البيت، هذا إذا لم تستجب بالرفق واللين وتتركها قناعة، تتركها بشيء من الحزم.
يقول: إني أستمع إليك عن طريق البث، فهل يحصل لي فضل ما ورد في حديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله»؟
يعني أنت تستمع في بيت من بيوت الله أو في بيتك؟ لأنه يوجد في بلدان أخرى يجتمعون في مسجد ويستمعون هؤلاء اجتمعوا في بيت من بيوت الله، لكن إذا كنت تستمع وأنت في بيتك فأنت في بيتك، ولست في بيت من بيوت الله، وأجرك عند الله عظيم، إلا أنه لا يصل إلى حد الأجر المرتب على التعني لحضور الدروس.
يقول: هل الأفضل بالنسبة لي أن أجلس في مصلاي، وأن أقرأ القرآن حتى تطلع الشمس، أو الخروج من المسجد لأجل الاستماع إليكم؟
[ ٤ / ٢ ]
الأفضل أن تجمع بينهما، فتجلس في مصلاك تذكر الله وتقرأ القرآن حتى ترتفع الشمس، ثم بعد ذلك تخرج إلى بيتك لاستماع الدروس، وإذا نظرنا في الموازنة بين هذه الأعمال الصالحة فتعلم العلم أفضل من نوافل العبادة، هذا إذا كانت قراءة القرآن لمجرد تحصيل الثواب المرتب على الحروف، أما إذا كانت قراءة القرآن على الوجه المأمور به للتعلم والتفقه والإفادة من كتاب الله فهذا أعظم وجوه الطلب.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى-:
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ يجلو بنور هداه كل منبهمِ
ما ثم علم سوى الوحي المبين وما منه استمد ألا طوبى لمغتنم
والكتم للعلم فاحذر إن كاتمه في لعنة الله والأقوام كلهم
ومن عقوبته أن في المعاد له من الجحيم لجامًا ليس كاللجم
وصائن العلم عمن ليس يحمله ماذا بكتمان بل صون فلا تلم
وإنما الكتم منع العلم طالبه من مستحقٍ له فافهم ولا تهم
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى سبيل ربك بالتبيان والحكم
واصبر على لاحق من فتنة وأذى فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهم
لواحد بك يهديه الإله لذا خير غدا لك من حمر من النعم
واسلك سواء الصراط المستقيم ولا تعدل وقل: ربي الرحمن واستقم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ يجلو بنور هداه كل منبهمِ
العلم: قال الله قال رسوله، وأصل العلوم، وأس العلوم كتاب الله -جل وعلا-، وما جاء في بيانه على لسان نبيه -﵊-.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ . . . . . . . . .
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين القرآن وبين قول فلان
[ ٤ / ٣ ]
المقصود أن العلم المعول فيه أولًا وآخرًا على نصوص الوحيين، وما يقرأ وما يدرس من علوم أخرى إنما هي من أجل الإعانة على فهم الوحيين، قد يقول قائل: إن من طلاب العلم الآن من ينفق أوقاته بل عمره في علوم فيها شيء من البعد عن كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- يتخصص في اللغة العربية، وينفق عمره ويموت على هذه الحالة، أو يتخصص في أصول الفقه مثلًا، أو يتخصص في أي علم من العلوم، أما إذا تخصص في الحديث أو تخصص في الفقه، واستند في فقهه على نصوص الوحيين هذا متخصص في الوحيين ولا إشكال فيه، إذا كان تخصصه في فقه الكتاب والسنة لا في الفقه الذي هو الرأي المجرد، فقه المقلدة، وإضاعة العمر في كتب التقليد، يدرس روضة الطالبين مثلًا للنووي سنين، أو يدرس الإنصاف اثنا عشر مجلد في سنين، هذا لا شك أنه بعيد عن الوحيين، عن علم الكتاب والسنة، اللهم إلا إذا اتخذ هذا الكتاب الفقهي منهج، وخطة بحث يسير عليها، فينظر في مسائل هذا الكتاب، ويسعى جاهدًا للاستدلال لها من الكتاب والسنة، فيكون حينئذٍ يتفقه على الكتاب والسنة بواسطة هذين الكتابين، وإلا بعض الناس يتخصص في الفقه وتعرفون فقهاء المذاهب تنتهي أعمارهم وهم يجعلون أئمتهم هم الأصول، وإذا خالف قول الإمام نصًا من الكتاب والسنة فالمقدم قول الإمام، والنص إما مؤول أو منسوخ، فهل مثل هذا وإن تخصص في الفقه وزعم أنه يدخل في حديث: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» هل يدخل في الحديث؟ لا، لا يدخل يا أخي، هذا يتخصص في آراء الناس، الذي يتخصص في التفسير ومعوله وعمدته في تفسير كلام الله -جل وعلا- على كتب التفسير بالرأي، يمضي عمره في تفسير الرازي، تفسير الزمخشري، تفسير فلان، تفسير ..، نعم إذا تخصص في التفسير بالأثر، فتخصص في التفسير من خلال تفسير الطبري، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن كثير، تفاسير الأئمة، تفاسير السلف، فهذا يدور في فلك الكتاب والسنة، فمعوله على الكتاب والسنة، وقد حضرت مجادلة بين شخص تخصصه في القرآن وعلوم القرآن، وآخر تخصصه في السنة، فقال صاحب القرآن اللي في قسم القرآن قال: يا أخي نحن أهل الله وخاصته، وقال الثاني لأنه يعرف أن زميله هذا وإن تخصص
[ ٤ / ٤ ]
في التفسير وعلوم القرآن إلا أنه إنما يدرس الطلاب التفسير من كتب التفسير بالرأي، يعني لا يوجد من يدرس التفسير في الدراسات المنهجية الأكاديمية من خلال تفسير الطبري أو ابن كثير، يعني دُرس ابن كثير سنين في كلية الشريعة، وانتقل منه إلى تفسير الشوكاني، لكن معول المتأخرين ممن يتصدى للتفسير الكتب التي فيها الطرائف، وفيها الاستنباطات الدقيقة، والأقوال العجيبة والغريبة، كتفسير الزمخشري، تفسير الرازي، التفاسير المعروفة عند أهل هذا الشأن.
قال له صاحب الحديث: أنتم أصحاب الرأي، يعني لا فرق بينكم وبين أهل الرأي، ونحن أهل الأثر، التفسير الحقيقي تبعنا ما هو تبعكم؛ لأنه ما التفسير إلا ببيان النبي -﵊-، فإذا تطاول المتخصص في التفسير وهو بعيد كل البعد عن كتاب الله -جل وعلا- بما يعانيه ويزاوله من تفاسير بالرأي، وهي مشحونة بالآراء المخالفة لما جاء عن الله وعن رسوله من اعتقاد خلف يخالف ما عليه السلف، فمثل هذا لا يقال: إنه من أهل القرآن، أو من أهل الله وخاصته.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ . . . . . . . . .
[ ٤ / ٥ ]
نعم التفسير بالأثر يجمع لك الأمرين، التفقه في فقه الكتاب والسنة يجمع لك الأمرين، لكن مع ذلك لو أن طالب علم اعتمد على كتاب فقهي مجرد عن الدليل، يعني يقال: الإنصاف مثلًا اثنا عشر مجلد ما في عدد المجلدات -ﷺ- نعم هذا كتاب فقه محض، لكن هذه المسائل لها أدلتها، فإذا حرص طالب العلم الذي يتفقه على هذا الكتاب للاستدلال لمسائل الكتاب هذا يتفقه من الكتاب والسنة، ومعوله على الكتاب والسنة، وإن اتخذ هذا الكتاب وسيلة لهذا التفقه كما شرحنا مرارًا التفقه عن طريق الزاد مثلًا، قد يقول قائل: والله الزاد ما فيه أدلة لا في كتاب ولا سنة، فيه أقوال المؤلف وفيها ما يخالف الدليل وفيها ما يخالف المذهب، نقول: لا مانع أن يتفقه طالب العلم على كتاب مختصر في مذهب معين من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم، ويجمع أدلة هذه المسائل ويعنى بها، ويقارن بينها، ويذكر من وافق ومن خالف، وأدلة الموافق ..، يتفقه على الكتاب والسنة بهذه الطريقة؛ لأن المسألة تحتاج إلى دقة في النظر، بعض الناس يلوم من يتفقه أو يتخصص في الفقه أو الأصول أو اللغة إذا سخر اللغة وقد تخصص فيها لخدمة الكتاب والسنة هذا يتعلم الكتاب والسنة ويعلم الكتاب والسنة، ويؤثر عن إمام من أئمة المسلمين أنه يقول: أخذت ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه، يعني هل كتاب سيبويه فيه أحكام الصلاة وأحكام الزكاة؟ لا، فيه مسائل توضح له النصوص من الكتاب والسنة، فالذي يعنى باللغة العربية لخدمة الكتاب والسنة هذا على خير، هذا يدرس الكتاب والسنة، يعني ماذا لو شرح شخص كتاب مختصر في النحو الأجرومية مثلًا، ثم قال للطالب فلان: أعرب لي الفاتحة من خلال دراستك للأجرومية، أعرب لي سورة الناس من خلال ..، وأعرب لي كذا، الطالب يفهم القرآن ويرتبط بالقرآن ويفهم اللغة، ومثله لو قال: في مشكلات في الأحاديث من حيث الإعراب، جمعها ووزعها على الطلاب فاستفادوا الأمرين العربية واستفادوا ما يتعلق بالسنة، وصلة الوحيين باللغة العربية قوية جدًا، حتى أن بعض الأحكام اختلف فيها أهل العلم للاختلاف في إعرابها، فمعرفة العربية في غاية الأهمية لطالب الكتاب والسنة.
[ ٤ / ٦ ]
يعني من أوضح الأمثلة ما يُذكر في هذا الباب «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه» والرواية الأخرى وهي ضعيفة: «ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه» الجمهور أخذوا بالرواية الأولى وقالوا: إن الجنين ذكاته هي ذكاة أمه، فإذا ذكيت الأم كفى، الحنفية قالوا: لا «ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه» يعني كذكاة أمه يذكى، لا بد أن يذكى مثل أمه، اختلف الحكم الشرعي.
أيضًا في مسائل الاعتقاد ما معوله على العربية، في مسائل كثيرة جدًا مرجعها إلى العربية، لكن ماذا عن شخص تخصص في العربية ولم تكن النصوص على باله، وأمضى عمره في شرح المفصل لابن يعيش، كتاب مطول جدًا، وفيه القيل والقال، وكلام كثير جدًا، مفيد في بابه، لكنه مع ذلك عائق عن الأهم.
"وبالمهم المهم ابدأ لتدركه" كما في درس الأمس "وقدم النص" لا بد من تقديم النصوص، لا بد أن يكون السائق والحادي هو النص، لا بد أن يكون السائق والحادي لطالب العلم هو النص، وأما أقوال الرجال يستفاد منها في فهم النص، لا سيما أهل التحقيق منهم.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ يجلو بنور هداه كل منبهمِ
ما ثم علم سوى الوحي المبين وما منه استمد ألا طوبى لمغتنمِ
ما في علم إلا عن طريق الوحيين، والذي يزعم أنه يتلقى العلم عن غير طريق النبي -﵊- هذا ضال -نسأل الله السلامة والعافية-، فلا طريق موصل إلى الله -جل وعلا- إلا عن طريقه -﵊-، فالعناية بأقواله وأفعاله وسيرته وشمائله من خير ما يعين على العلم والعمل.
والكتم للعلم فاحذر إن كاتمه في لعنة الله والأقوام كلهمِ
عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
. . . . . . . . . في لعنة الله والأقوام كلهمِ
إذا كانت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين من بقي؟
[ ٤ / ٧ ]
"والكتم للعلم فاحذر" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ [(١٥٩ - ١٦٠) سورة البقرة] قد يمر بالإنسان ظرف، قد يمر به خوف، قد يمر به كذا، ثم يحتاج إلى بيان فيكتم، ثم إذا ندم على ذلك وتاب تاب الله عليه، لكن مع ذلك ليحذر طالب العلم الكتم له.
"ومن عقوبته" يعني عقوبة الكاتم.
. . . . . . . . . أن في المعاد له من الجحيم لجامًا ليس كاللجمِ
ما هو بمثل لجام فرس وإلا لجام بعير وإلا لجام حمار، لا، ما هو بعبارة عن حبل تلجم به الدابة، لا "ليس كاللجم".
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجمًا بلجام من النار» وهذا الحديث أقل أحواله الحسن؛ لأن له طرق يشد بعضه بعضًا، وفي لفظ: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» -نسأل الله السلامة والعافية-.
وصائن العلم عمن ليس يحمله . . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
العلم الوارد في النصوص الحث عليه والتحذير من كتمه أو الإخلال بالنية فيه إنما المراد به العلم الشرعي، لكن من باب النصيحة والدين النصيحة أن الإنسان إذا جاء يستشير ويستنصح في علوم الدنيا تبذل له النصيحة، يعني لو أن طبيبًا صلى بمسجد من المساجد وقال له واحد: والله يا فلان أنت تخصصك في كذا، وأنا عندي هذه المشكلة، يقال له: تعال للعيادة، وامثل أمام الكونتر وقص الفاتورة وادفع القيمة، هذا ليس مما ينبغي أن يسود بين المسلمين، لكنه إن فعل ذلك لا يأثم، مثل المزارع ومثل الصانع؛ لأن الذي يأثم به العلم الذي يبتغى به وجه الله -جل وعلا-.
وصائن العلم عمن ليس يحمله ماذا بكتمان بل صون فلا تلمِ
[ ٤ / ٨ ]
يعني لو جاء شخص عليه أمارات أنه ليس من أهل العلم، ويسأل عن مسألة لا تهمه، ولا يحتاج إليها، مثل هذا لو لم يجب، وصُرف عما هو أهم بالنسبة له بأسلوب يسميه أهل البلاغة أسلوب الحكيم؛ لأن الإنسان قد يسأل عن شيء فيرى المسئول أن هذا السائل حاجته أمس إلى غيره، فيرشده إلى هذا الغير الذي هو أحوج إليه وأمس، هذا لا شك أنه ليس بكاتم.
وصائن العلم عمن ليس يحمله ماذا بكتمان بل صون فلا تلمِ
جاء في سنن ابن ماجه بسند ضعيف مرفوعًا: «واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب» ولذا لا يحسن أن يؤتى بكتاب ويقرأ على أناس لا يستفيدون منه، فالناس منازل، ولهم عقول، فلا بد أن يفادوا بما يفيدهم، وما يناسب عقولهم، وأما الذي يكون لبعضهم فتنة، وبعضهم لا يفهم، وبعضهم يقع في العلم وأهله بسبب ذلك هذا لا يحسن أن يلقى على غير أهله.
وإنما الكتم منع العلم طالبه من مستحقٍ له فافهم ولا تهمِ
"الكتم منع العلم طالبه" يعني إذا جاء الطالب للشيخ واستفتى وسأل لا يكتم، وإذا أراد أن يقرأ لا يُمنع، لكن بحدود طاقة الشيخ؛ لأن طلاب العلم فيهم كثرة، والفنون كثيرة، والكتب كثيرة، ولو جاء كل واحد ولزمت إجابته لشق ذلك، بل لاستحال تلبية رغبات جميع طلاب العلم، يعني افترض أنك في منتصف كتاب، ويأتي طالب علم يقول: والله ودنا نبدأ من أول الكتاب، هل منعك لهذا الطالب أو عدم استجابتك لرغبته هذا كتم للعلم؟ لا، هذا ليس بكتم للعلم، الشيخ باذل ولا قصر، وإذا أراد أن يستجيب لكل طالب ما وفى بحاجة ولا واحد منهم؛ لأن كل واحد حاجته تختلف عن حاجة غيره.
وإنما الكتم منع العلم طالبه من مستحقٍ له فافهم ولا تهمِ
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى سبيل ربك بالتبيان والحكمِ
تعلم واعمل وعلم وادع وأمر وانه، إذا تعلمت العلم اعمل بهذا العلم، إذا تعلمت وعملت علم هذا العلم، وادع إلى ربك بالتبيان والحكم، مر بالمعروف، وانه عن المنكر، كل هذه من وظائف العالم والمتعلم على حد سواء.
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى سبيل ربك بالتبيان والحكمِ
واصبر على لاحق من فتنة وأذى فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
[ ٤ / ٩ ]
فاقتده بهم، واصبر لا بد أن يعترضك في طريقك شيء من الأذى، ولذا في المسائل الأربع للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المسائل الأربع: الأولى العلم، الثانية: العمل بالعلم، والثالثة: الدعوة إليه، والرابعة: الصبر على الأذى فيه ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [(١ - ٢) سورة العصر] إلا من استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [(٣) سورة العصر] لا بد من توفر هذه الأمور، لا بد من الأذى، لا يظن الإنسان أنه يصل إلى المراتب والمنازل العليا ولا يحصل له شيء، ولا إمامة إلا بابتلاء وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ما في نبي ما ابتلي، ولا إمام من أئمة المسلمين سهلت له الطرق منذ أن ولد إلى أن مات أبدًا، والإمام لا تنال بالراحة، بل لا بد من التعب ولا بد من العناء ولا بد من الأذى؛ لأن لك خصوم، فالمتعلم يعترضه ما يعترضه، وقد يعترضه أقرب الناس إليه من الوالدين والإخوة والأقارب، وما أشبه ذلك، المعلم كذلك يعترضه من يعترضه، وهذا كثير ومشاهد على مر العصور إذا كان الأنبياء ما سلموا من هذه الاعتراضات فأتباعهم على سننهم ونهجهم، ولذا يقول:
"وفي الرسل ذكرى" يعني تذكر، الرسول -﵊- لما دعا قومه ماذا حصل له؟ آذوه ورموه بأبشع الأوصاف، وأدموا قدميه، وكسروا ثنيته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
اقتده هذه هاء السكت ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [(٩٠) سورة الأنعام] هذه هاء السكت.
واصبر على لاحق من فتنة وأذى فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
لواحد. . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني لشخص واحد، واللام هذه مؤكدة، وواقعة في جواب قسم محذوف، والله
لواحد بك يهديه الإله لذا خير غدا لك من حمر من النعمِ
[ ٤ / ١٠ ]
قال النبي -﵊- لعلي: «لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» واحد، ومعلم الناس الخير كم يهتدي على يديه، لا سيما إذا كان علمه وعمله وتوجيهه وتعليمه نابع من إخلاص لله -جل وعلا-، وإلا فكم ترون وتسمعون ممن يعلم ومن يفتي ومن يوجه وينصح، تجد الكلام لا أثر له، وهذا مرده إلى الإخلاص، والقبول من الله -جل وعلا-.
لواحد بك يهديه الإله لذا خير غدا لك من حمر من النعمِ
«لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» والدال على الخير كفاعله، ومن دل على هدى فله مثل أجر فاعله.
واسلك سواء الصراط المستقيم ولا تعدل. . . . . . . . .
عليك بالصراط المستقيم، واسأل الله -جل وعلا- حيث أمرك في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يهديك الصراط المستقيم، وأنت على الصراط المستقيم اسأل الله -جل وعلا- أن يثبتك على الصراط المستقيم، ولا تعدل عنه، لا يمينًا ولا شمالًا، لا تعدل عن الصراط المستقيم "ولا تعدل" لا تميل عن هذا الصراط المستقيم.
"وقل ربي الرحمن واستقمِ" «قل آمنت بالله ثم استقم» "قل ربي الرحمن واستقمِ" يعني على دينه وعلى صراطه المستقيم.
نعم.