٥٠ - (١) «سَجَدَ وَجْهِيَ للَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾» (١).
- صحابية الحديث هي عائشة ﵂.
قوله: «للذي خلقه وشق سمعه وبصره» تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك.
قوله: «بحوله» أي: بتحويله وصرفه الآفات عنهما.
قوله: «وقوته» أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما.
٥١ - (٢) «اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًَا، واْجعَلْهَا لِي عِنْدِكَ ذُخْرًا، وتَقَبَّلَهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» (٢).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قوله: «اللهم اكتب لي» أي: أثبت لي بها - أي: السجدة - «أجرًا».
قوله: «وضع» أي: حُطَّ.
_________________
(١) الترمذي (٢/ ٤٧٤) [برقم (٥٨٠)]، وأحمد (٦/ ٣٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١/ ٢٢٠)، والزيادة له. [والآية رقم ١٤ من سورة المؤمنين]. (ق).
(٢) الترمذي (٢/ ٤٧٣) [برقم (٥٧٩)]، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١/ ٢١٩). (ق).
[ ١١٣ ]
قوله: «وزرًا» أي: ذنبًا.
قوله: «ذخرًا» أي: كنزًا، وقيل: أجرًا؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالمًا من محبط أو مبطل.
قوله: «كما تقبلتها من عبدك داود» حين ﴿خَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (١)؛ وهو طلب القبول المطلق.
قال ابن حزم - ﵀ - في «المحلى»: «في القرآن أربع عشرة سجدة؛ أولها في آخر ختمة سورة الأعراف، ثم في الرعد، ثم في النحل، ثم في سبحان [أي: الإسراء]، ثم في كهيعص [أي: مَريم]، ثم في الحج في الأولى، وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النمل، ثم في ألم تنزيل [أي: السجدة]، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في والنجم في آخرها، ثم في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى «لا يسجدون»، ثم في اقرأ باسم ربك في آخرها».
[قال المصحح: والصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: «نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (٢)].
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٢٤.
(٢) [أبو داود، برقم (١٤٠٢)، والترمذي برقم (٥٧٨)، وحسَّنه العلامة الألباني - ﵀ - في «صحيح سنن أبي داود (١/ ٣٨٨)، وفي صحيح سنن الترمذي (١/ ٣١٩) (المصحح).
[ ١١٤ ]
قال ابن قدامة في «المغني»: «يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة؛ من الطهارتين من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، ولا نعلم فيه خلافًا، إلا ما رُوي عن عثمان بن عفان - ﵁ - في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد ابن المسيب، قال: ويقول: اللهم لك سَجَدتُ ، وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء: يسجد حيث كان وجهه، ولنا قول النبي - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»؛ فيدخل في عمومه السجود، ولأنه صلاة فيشترط له ذلك كذات الركوع». أ. هـ.
وقال الشوكاني - ﵀ - في «النيل»: «ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة، واستقبال القبلة مع الإمكان؛ فقيل: إنه معتبر اتفاقًا، قال ابن حجر في «الفتح»: لم يوافق ابن عمر - ﵁ - أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماءً» انتهى بتصرف.
قلت: والأقرب إلى الصواب فيما يظهر لي؛ الأخذ بما قاله ابن قدامة - ﵀ -، والله أعلم.
[ ١١٥ ]
وأزيد أيضًا على ما ذكره من الشروط أمرًا، وهو عدم فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
[قال المصحح: والصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئًا من القرآن حتى يتطهر (١)؛ ولهذا كان ابن عمر - ﵄ -، مع شدة اتباعه للسنة «ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد» (٢)].