٩٩ - (١) «يَجْمَعُ كَفَّيْهِ ثُمَّ يَنْفُثُ فيهمَا فيَقْرأ فِيْهمَا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ؛ يَبْدأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ» (يَفْعَلُ ذَلِكَ
[ ١٨٤ ]
ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (١).
- صحابية الحديث عائشة - ﵂ -.
قوله: «ثم ينفث» النفث بالفم شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، أما النفث قد يكون معه قليل من الريق وقد لا يكون.
قوله: «فيهما» أي: في يديه.
والحكمة في هذا الدعاء: أنه استعاذة بالله تعالى مما يحدث من المهالك، ولاسيما من الهوام، والحشرات القتالة، وهو نائم في فراشه، غافل عما يجيء إليه، وعما يحدث له، فإذا انشغل العبد بهذه الآيات عند دخوله في الفراش، كان في حفظ الله تعالى ليلته تلك أجمع.
وقد تقدم شرح الآيات؛ انظر حديث رقم (٧٠).
١٠٠ - (٢) «﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ
_________________
(١) البخاري مع الفتح (٩/ ٦٢) [برقم (٥٠١٧)]، ومسلم (٤/ ١٧٢٣) [برقم (٢١٩٢)]. (ق).
[ ١٨٥ ]
وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١») (٢).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة - ﵁ -.
والحديث بتمامه؛ هو قول أبي هريرة - ﵁ -: وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، فقال: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي - ﷺ -: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟!» قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة فرحمته، فخليت سبيله، فقال: «أما إنه سيعود»، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، قال: دعني فإني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي - ﷺ -: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟!» قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالًا، فرحمته، فخليت سبيله، فقال: «أما إنه كذبك وسيعود»، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) البخاري مع الفتح (٤/ ٤٨٧) [برقم (٢٣١١)]. (ق).
[ ١٨٦ ]
يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله: «ما فعل أسيرك؟»، قلت: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، قال: «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال؟ ذلك شيطان».
قوله: «يحثو» من حثا يحثو، يقال: حثوت له إذا أعطيته شيئًا يسيرًا؛ والمراد هنا أنه كان يأخذ من الصدقة.
قوله: «فرصدته» أي: ترقبته.
قوله: «صدقك وهو كذوب» أي: صدقك في هذا القول، والحال أنه كذوب.
وقد تقدم شرح الآية؛ انظر حديث رقم (٧١).
١٠١ - (٣) «﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
[ ١٨٧ ]
وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) (٢»).
- صحابي الحديث هو أبو مسعود الأنصاري؛ عقبة بن عمرو ابن ثعلبة - ﵁ -.
والحديث بتمامه؛ هو قوله - ﷺ -: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة؛ كفتاه».
قوله: «كفتاه» أي: كفتاه من الآفات في ليلته.
١٠٢ - (٤) «باسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أرْفَعُهُ، فَإنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وإنْ أرْسَلْتَهَا فاحْفَظْهَا، بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحينَ» (٣).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة - ﵁ -.
وجاء في بداية الحديث؛ قوله - ﷺ -: «إذا قام أحدكم عن فراشه، ثم رجع إليه، فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده، وإذا اضطجع؛ فليقل: ».
قوله: «بِصَنفَةِ إزَارِهِ»: الصَّنفَةُ: طرف الإزار مما يلي طُرَّته، وقيل: حاشيته؛ أي جانب كان، والمراد هاهنا الطرف مطلقًا، وأما في الرواية
_________________
(١) البخاري مع الفتح (٩/ ٩٤) [برقم (٤٠٠٨)]، ومسلم (١/ ٥٥٤) [برقم (٨٠٨)]. (ق).
(٢) سورة البقرة، الآيتان: - ٢٨٦.
(٣) البخاري (١١/ ١٢٦) [برقم (٦٣٢٠)]، ومسلم (٤/ ٢٠٨٤) [برقم (٢٧١٤)]. (ق).
[ ١٨٨ ]
التي جاءت فيها: «بداخلة إزاره»؛ فقد قيل: لم يأمره بداخلة الإزار دون خارجته؛ لأن ذلك أبلغ وأجدى؛ لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه، والآخر بشماله، فيرد ما أمسكه بشماله على جسده، وذلك داخلة إزاره، ويرد ما أمسكه بيمينه على ما يلي جسده من الإزار، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره، فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار، ويبقى الداخلة بعلقه، وبها يقع النفض.
قوله: «مما خَلَفَهُ عليه» أي: ما جاءه من بعد؛ يعني: لعل هامة دنت فصارت فيه بعده.
قوله: «فإن أمسكت نفسي» أي: روحي؛ والمراد من النفس هاهنا الروح، لقيام القرينة على ذلك؛ أي: إن حبستها عندك بأن أمتها فارحمها، وإن أرسلتها إلى بدني فاحفظها من شر الشيطان، ومهالك الدنيا بما تحفظ به عبادك الصالحين.
١٠٣ - (٥) «اللَّهُمَّ إنَّكَ خَلَقْتَ نَفْسِي وأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إنْ أحْيَيْتَها فَاحْفَظْها، وَإنْ أمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَافِيةَ» (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر - ﵄ -.
قوله: «نفسي» أي: روحي.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٨٣) [برقم (٢٧١٢)]، وأحمد بلفظه (٢/ ٧٩). (ق).
[ ١٨٩ ]
قوله: «لك مماتها ومحياها» أي: بيدك قدرة إماتتها وإحيائها، ولا يقدر على ذلك غيرك، أنت المحيي، وأنت المميت، وأنت على كل شيء قدير.
قوله: «إن أحييتها» أي: إن أبقيتها على حياتها «فاحفظها» من كل ما يضر ويشين.
قوله: «وإن أمتها» أي: فارقتها عن بدني؛ لأن إمَاتة الروح عبارة عن مفارقته البدن.
قوله: «أسألك العافية» العافية هي دفاعُ الله عن العبد الأسقامَ والبلايا.
١٠٤ - (٦) «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» (١).
- صحابية الحديث هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر - ﵂ -.
وجاء في بداية الحديث؛ قولها - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يرقد، وضع يده اليمنى تحت خده، ثم يقول:
قوله: «أن يرقد» أي: ينام.
قوله: «قني» أي: احفظني.
قوله: «يوم تبعث عبادك» أي: يوم القيامة.
١٠٥ - (٧) «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أمُوتُ وَأحْيَا» (٢).
_________________
(١) أبو داود بلفظه (٤/ ٣١١) [برقم (٥٠٤٥)]، وانظر: صحيح الترمذي (٣/ ١٤٣). (ق).
(٢) البخاري مع الفتح (١١/ ١١٣) [برقم (٦٣١٢)]، ومسلم (٤/ ٢٠٨٣) [برقم (٢٧١١) من حديث البراء - ﵁ -]. (ق).
[ ١٩٠ ]
- صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان - ﵁ -.
قوله: «باسمك اللهم أموت» أي: على ذكر اسمك أموت.
قوله: «وأحيا» أي: باسمك اللهم وبذكرك أحيا، وقيل: معناه: أنت تميتني وأنت تحييني.
١٠٦ - (٨) «سُبْحَانَ اللَّهِ (ثَلاثًا وثَلاثِينَ) وَالحَمْدُ للَّهِ (ثَلاثًا وَثَلاثينَ) وَاللَّهُ أكْبَرُ (أرْبَعًا وَثَلاثينَ) (١»).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب - ﵁ -.
والحديث بتمامه؛ هو قول علي - ﵁ -: أن فاطمة - ﵂ - أتت النبي - ﷺ - تسأله خادمًا، فلم تجده ووجدت عائشة فأخبرتها.
قال علي: فجاءنا النبي - ﷺ -، وقد أخذنا مضاجعنا، فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟! إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ فإنه خير لكما من خادم».
قوله: «تسأله خادمًا» من شدة التعب، وكثرة الطحن بالرحى، ونقل الماء بالقربة، والخادم يطلق على الذكر والأنثى.
قوله: «وقد أخذنا مضاجعنا» أي: دخلنا في فراشنا للنوم.
_________________
(١) البخاري مع الفتح (٧/ ٧١) [برقم (٣٧٠٥)]، ومسلم (٤/ ٢٠٩١) [برقم (٢٧٢٧)]. (ق).
[ ١٩١ ]
قوله: «فسبحا ثلاثًا وثلاثين » أي: قولوا: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبر أربعًا وثلاثين مرة، فصارت مئة.
قوله: «فإنه» أي: هذا القول: «خير لكما من خادم» معناه: أنكما تتقويان بالذكر، وتستغنيان عن الخادم.
١٠٧ - (٩) «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، ورَبَّ الأرْضِ، ورَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا ورَبَّ كُلِّ شَيءٍ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ والفُرْقَانِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيءٍ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيتهِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وأنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيءٌ، وأنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ» (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: «فالق الحب» صفة لقوله: «ربَّ»، وكذلك «منزل»؛ و«الفالق» من الفلق، وهو الشق؛ ومعنى قوله: «فالق الحب والنوى»
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٨٤) [برقم (٢٧١٣)]. (ق).
[ ١٩٢ ]
الذي يشق حبة الطعام، ونوى التمر للإنبات.
قوله: «منزل التوراة والإنجيل» وهما اسمان أعجميان، واشتقاق التوراة من «ورى الزند»؛ وهو ما يظهر منه من النور والضياء؛ فسمي التوراة بذلك؛ لأنه قد ظهر به النور والضياء لبني إسرائيل ومن تابعهم، والإنجيل من «النجل»؛ سمي بالإنجيل؛ لأنه أظهر الدين بعدما درس.
قوله: «والقرآن» اسم للمنزل على نبينا محمد - ﷺ -؛ من «قرأ» إذا جمع؛ سمي القرآن بذلك؛ لأنه يجمع الحروف والكلمات.
قوله: «أنت آخذ بناصيته» كناية عن تمكنه من المخلوقات، وأنهم تحت قدرته، وقهره، وسلطته.
قوله: «أنت الأول فليس قبلك شيء» والأول هو الذي لا شيء قبله ولا معه؛ فكأن قوله - ﷺ -: «فليس قبلك شيء» تفسيرًا للأول.
قوله: «أنت الآخر فليس بعدك شيء» الآخر: الباقي بعد فناء الخلق، المتعالي في أوليته عن الابتداء، كما هو المتعالي في آخريته عن الانتهاء.
قوله: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» معنى الظهور: القهر، والغلبة، وكمال القدرة، وكأن قوله - ﷺ -: «فليس فوقك شيء» تفسيرًا لها، وقيل: الظاهر بآياته الباهرة الدالة على وحدانيته وربوبيته.
قوله: «وأنت الباطن فليس دونك شيء» أي: المحتجب عن خلقك، الذي ليس ورائك شيء يكون أبطن منك، حتى لا يقدر أحد على إدراك ذاتك مع كمال ظهورك، وقيل: العالم بالخفيات.
[ ١٩٣ ]
قوله: «اقض عنا الدين» المراد بالدين هاهنا؛ حقوق الله، وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع.
قوله: «واغننا من الفقر» أي: من السؤال الذي يؤدي إلى الذل الناشئ عن الفقر والاحتياج.
١٠٨ - (١٠) «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أطْعَمَنَا وسَقَانَا، وكَفَانَا، وآوَانا؛ فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِيَ» (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك - ﵁ -.
قوله: «كفانا» أي: أغنانا وقَنَّعنا.
قوله: «آوانا» أي: ردنا إلى مأوى لنا، ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم؛ والمأوى: المنزل؛ قال النووي ﵀: «آوانا، قيل معناه: رحمنا».
قوله: «فكم ممن لا كافي له» أي: لا كافي له شأنه.
قوله: «ولا مؤوي» أي: لا راحم له، ولا عاطف عليه، قيل معناه: لا وطن له، ولا سكن يأوي إليه.
١٠٩ - (١١) «اللَّهُمَّ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَلَيْكَهُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، أعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، ومِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٨٥) [برقم (٢٧١٥)]. (ق).
[ ١٩٤ ]
وَشِرْكِهِ، وأنْ أقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ» (١).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
قوله: «فاطر» أي: خالق.
قوله: «وشركه» أي: ما يدعو إليه من الإشراك بالله، وقيل: إنها بفتحتين - شَرَكه - أي: حبائله ومصائده.
قوله: «وأن أقترف» أي: أكتسب وأعمل.
قوله: «أو أجره» من الجر؛ أي: الجذب، والضمير عائد إلى السوء.
١١٠ - (١٢) «يَقْرَاُ ﴿ألـ+ـم+﴾ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ، وتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكَ» (٢).
- صحابي الحديث هو جابر بن عبد الله - ﵄ -.
قوله: «يقرأ ﴿ألم﴾ تنزيل السجدة» أي: سورة السجدة.
قوله: «وتبارك » أي: سورة الملك.
والمعنى: لم يكن من عادته - ﷺ - النوم قبل القراءة لهاتين السورتين.
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٣١٧) [برقم (٥٠٨٣)]، وانظر: صحيح الترمذي (٣/ ١٤٢). (ق).
(٢) الترمذي [برقم (٣٤٠٤)]، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٧٠٧)، وانظر: صحيح الجامع (٤/ ٢٥٥) [برقم (٤٨٧٣)]. (ق).
[ ١٩٥ ]
١١١ - (١٣) «اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إلَيْكَ، لاَ مَلْجَأ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إلاَّ إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» (١).
- صحابي الحديث هو البراء بن عازب - ﵁ -.
وجاء في بداية الحديث قوله - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شِقِّكَ الأيمن، وقل: ».
قوله: «إذا أتيت مضجعك» أي: فراشك للنوم.
قوله: «فتوضأ وضوءك للصلاة» أي: الوضوء الكامل بأركانه وشرائطه.
وفي هذا الحديث ثلاث سنن مستحبة ليست واجبة؛ إحداها: الوضوء عند إرادة النوم؛ فإن كان متوضئًا كفاه ذلك الوضوء، والحكمة فيه أن يكون على طهارة مخافة أن يموت من ليلته، وأن يكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به في منامه، وترويعه إياه.
_________________
(١) البخاري مع الفتح (١١/ ١١٣) [برقم (٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨]، ومسلم (٤/ ٢٠٨١) [برقم (٢٧١٠)]. (ق).
[ ١٩٦ ]
الثانية: النوم على الشق الأيمن؛ لأنه - ﷺ - كان يحب التيامن؛ ولأنه أسرع إلى الانتباه.
الثالثة: ذِكْرُ الله تعالى ليكون خاتمة عملهِ.
قوله: «اللهم أسلمت نفسي إليك»، أي: استسلمت، وجعلت نفسي منقادة لك، وطائعة بحكمك.
قوله: «وألجأت ظهري إليك» يقال: ألجأت إلى الشيء؛ أي: اضطررت إليه، ويستعمل في مثل هذا الموضع بمعنى الإسناد، يقال: ألجأت أمري إلى الله؛ أي: أسندته، وقال النووي ﵀: «أي: توكلت عليك، واعتمدتك في أمري كله، كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه».
قوله: «رغبة ورهبة إليك» الرغبة: الحرص والطمع مع الحب، والرهبة: المخافة مع تحرز واضطراب، ومعنى «إليك»: صرفت رغبتي فيما أريده إليك، وحاصل المعنى: طمعًا في ثوابك، وخوفًا من عذابك.
قوله: «لا ملجأ» أي: لا حصن.
قوله: «ولا منجا» أي: لا خلاص.
قوله: «منك إلا إليك» أي: لا حصن أعتصم به، ولا خلاص من عذابك، وأخذك إلا إليك.
قوله: «آمنت بكتابك الذي أنزلت» أي: صدقت بكتابك الذي أنزلته على نبيك.
[ ١٩٧ ]
قوله: «ونبيك الذي أرسلت»، وفي بعض طرق هذا الحديث، عن البراء - ﵁ - أنه قال: قلت: وبرسولك الذي أرسلت؟ قال: «ونبيك».
قيل: إنما ردَّ قوله؛ لأن البيان صار مكررًا من غير إفادة زيادة في المعنى، وذلك مما يأباه البليغ؛ لأنه كان نبيًّا قبل أن كان رسولًا.
وقيل أيضًا: إن هذا ذكر ودعاء، فينبغي الاقتصار على اللفظ الوارد، ويتعيَّن أداؤها بحروفها من غير تغيير.
واحتجَّ بعض العلماء بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى، والجمهور على الجواز من العارف العالم.
وجاء في نهاية الحديث قوله: «فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول».
قوله: «فإن مُت من ليلتك مُت على الفطرة» أي: على الإسلام؛ فإن قيل: إذا مات الإنسان على إسلامه، ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئًا فقد مات على الفطرة لا محالة، فما فائدة ذكر هذه الكلمات؟ أُجيبَ بتنويع الفطرة؛ ففطرة القائلين فطرة المقربين والصالحين، وفطرة الآخرين فطرة عامة المؤمنين، والله أعلم.