١٧٣ - «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ» (١).
- صحابي الحديث هو زيد بن خالد الجهني - ﵁ -.
والحديث بتمامه؛ هو قوله - ﵁ -: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب؛ وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب».
قوله: «بالحديبية» فيها لُغتان: تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، والحديبية بئر قريب من مكة.
قوله: «في إثر السماء» إثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وبفتحهما جميعًا لغتان مشهورتان، والسماء أي: المطر.
_________________
(١) البخاري (١/ ٢٠٥) [برقم (٨٤٦)]، ومسلم (١/ ٨٣) [برقم (٧١)]. (ق).
[ ٢٦٠ ]
قوله: «فلما انصرف» أي: من صلاته أو من مكانه.
قوله: «مُطِرنا بفضل الله ورحمته» أي: رزقنا الله تعالى المطر بفضل منه ورحمة.
قوله: «بنوء كذا» قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: «النوء في نفسه ليس هو الكوكب؛ فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءًا؛ أي: سقط وغاب»، وقيل: نهض وطلع.
وبيان ذلك أنها ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كُلها، وهي المعروفة بـ: «منازل القمر الثمانية والعشرين»، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منه نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منها.
واختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين:
أحدهما: هو كفر بالله سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام؛ وقالوا: هذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر، منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد ذلك فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء، وهو ظاهر الحديث؛ قالوا: وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه بفضل الله ورحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة، فهذا لا يكفر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهيته؛ وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر
[ ٢٦١ ]
وغيره، فيساء الظن بصاحبها.
والقول الثاني: أن المراد كفر نعمة الله، لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخرى في «صحيح مسلم»: «أصبح من الناس شاكر وكافر»، والله أعلم.