(١) حفظ مختصر فيه (^٢).
(٢) ضبطه على شيخ متقن (^٣).
(^١) ثم جاء بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]، هنا لم يؤت في مقابلة أنزل وقيد بقوله: جملة واحدة ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذه هي الفائدة الأولى: أن يثبت العلم في قلب المتعلم ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
ذكر المؤلف عددًا من الوسائل في التعلُّم:
(^٢) أولها: "حفظ مختصر في العلم"؛ فإنه يبقي ذلك العِلْم في القلب.
(^٣) وثانيها: "ضبط العلم"؛ أي: ضبط مصطلحاته وضبط ألفاظه ومعانيها، وضبط أساليبه وضبط أبوابه، والمراد بالضبط الحفظ التام، والضبط يكون للعلم، ويكون لكتبه، فيضبط ما ألف فيه من مؤلفات، ويضبط أيضًا مواطن بحث المسائل التي تبحث، أين يبحث أهل العلم هذه المسألة؟ لأن كثيرًا من المسائل تبحث في غير مظانها، يبحث الإنسان عنها في باب وهي في باب آخر، مثال هذا حديث: (أن النبي ﷺ نهي أن توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) [¬١]، رواه مسلم. وجعله في آخر باب صلاة الجمعة؛ فهذا ليس مظنة له، إذن لا بد أن نعرف مواطن بحث المسائل، ومن أمثلة ذلك: خبر صلاة ابن عمر خلف الحجاج، أخرجه البخاري في باب التهجير بالرواح =
_________________
(١) [¬١] أخرجه مسلم (٨٨٣)، وأبو داود (١١٢٩).
[ ٧٥ ]
(٣) عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله (^١).
(٤) لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب، فهذا من باب الضجر (^٢).
(٥) اقتناص الفوائد والضوابط العلمية (^٣).
(٦) جمع النفس للطلب والترقي فيه، والاهتمام والتحرق للتحصيل (^٤)
= يوم عرفة [¬١]؛ من كتاب الحج، ولذا قال بعضهم: لم يروه البخاري؛ عندك مثلًا: مسائل متعلقة بالمسابقة أين تُبْحَث؟ فإن بعض أهل العلم يبحثها في كتاب القضاء، في باب الشهادات، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب الجهاد، وبعض أهل العلم يبحثها في كتاب المعاملات في باب الإجارة، إلى غير ذلك من طرائق أهل العلم، فعندما يتعلم الإنسان العلم على شيخ، وفي فن معين، وعلى مذهب معين يعرف أين تبحث هذه المسائل.
(^١) ثالثها: كذلك لا ينتقل الإنسان إلى الكتاب المطول حتى يتقن المتون الأولى في ذلك العلم.
(^٢) رابعها: لا يترك مختصرًا وهو لم يكمله إلى مختصر آخر.
(^٣) خامسها: ينبغي أن نقتنص الفوائد كلما وجدنا فائدة علمية، وضابطًا حرصنا على تقييده، ليرسخ الفهم، ويكون ذلك سببًا من أسباب انتفاع الإنسان بهذا العلم.
(^٤) وسادسها: الحرص على جعل النفس تلتفت إلى التعلم ولا تلتفت إلى غيره، بحيث يُجمع العبد نفسه في الطلب وفي الترقي من درجة إلى درجة، ويكون في نفسه حرقة ورغبة شديدة في التعلم.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٥٧٧).
[ ٧٦ ]
والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة (^١).
وكان من رأي ابن العربي المالكي أن لا يخلط الطالب في التعليم بين عِلْمَيْن، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن.
لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدَّم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه، لأن الولد ما دام في الحجر؛ ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، صعب جبره (^٢).
(^١) قوله: "والبلوغ إلى ما فوقه حتى تفيض إلى المطولات بسابلة موثقة"، يقال: فاض الماء بحيث امتلأ المكان الأول فانتقل بعضه إلى مكان آخر، فاض الماء فهو يفيض، فينتقل من المختصرات إلى المطولات، وقوله: "بسابلة" السابلة السحاب القَوِي الذي فيه مطر كثير، "موثقة" ما يكون متوثقًا من علمه.
(^٢) ذكر المؤلف خلافًا بين ابن العربي المالكي وبين ابن خلدون فيما يتدرج فيه من التعلم، فابن العربي يرى تقديم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل إلى القرآن، وابن خلدون يرى أن المقدَّم هو القرآن وحفظه، وعلى كل فإن معرفة العربية لغة كان الناس يحرصون عليها؛ وذلك لأن الصبي في أول تكلمه إذا عُلِّمَ العربية نطقًا وأسلوبًا تكون العربية سليقة له، فهذا يكون أول ما يتعلمه الإنسان، وأما تعلم العربية كقواعد، وتعلم أنواع علوم العربية فيكون بعد إتقان القرآن؛ لأن تعلم القرآن وحفظه يعين على معرفة العربية، ومعرفة العربية تعين على فهم القرآن، فهو يبتدئ أولًا بحفظ القرآن، ثم يتعلم العربية فينطلق من العربية إلى فهم القرآن.
[ ٧٧ ]
أما الخلط في التعليم بين عِلْمَيْن فأكثر؛ فهذا يختلف باختلاف المتعلمين في الفهم والنشاط.
وكان من أهل العلم من يدرس الفقه الحنبلي في "زاد المستقنع" للمبتدئين، "والمقنع" لمن بعدهم للخلاف المذهبي، ثم "المغني" للخلاف العالي، ولا يسمح بالطبقة الأولى أن تجلس في درس الثانية .. وهكذا؛ دفعًا للتشويش.
واعلم أن ذكر المختصرات والمطولات التي يؤسس عليها الطلب والتلقي لدى المشايخ تختلف غالبًا من قطر إلى قطر باختلاف المذاهب، وما نشأ عليه علماء ذلك القطر من إتقان هذا المختصر والتمرس فيه دون غيره (^١).
(^١) ذكر المؤلف التدرج في التعلم، وذكر أنه كان من شأن أهل العلم أن لا يخلطوا بين المتعلمين، فيكون لطائفة التعلم في أول الفنون والمتون بالعلم، ثم بعد ذلك من أتقنه انتقل إلى المرحلة الأخرى، وأما إذا خُلط الطلاب بعضهم مع بعض فإنه يؤدي إلى التخبط؛ وذلك أن المبتدئ يسأل سؤالًا يناسب حاله، فيضجر منه من هو أعلى درجة منه، ويمل من طلب العلم في ذلك المجلس، وإذا سأل المتمكن والمتوصل سؤالًا قد لا يفهمه المبتدئ، فيكون ذلك سببًا لخلط العلوم في ذهنه، وإدخال بعضها في بعض، ولذلك كان من الشأن المحمود تقسيم طلبة العلم بحسب درجاتهم، أما بالنسبة لاختيار المتون فيختلف - كما تقدم - من بلد إلى بلد، ومن أهل مذهب إلى أهل مذهب، وحينئذ يختار الشيخ لطلابه ما يناسبهم من المتون ويتوافق مع أحوالهم.
[ ٧٨ ]
والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر باختلاف القرائح والفهوم، وقوة الاستعداد وضعفه، وبرودة الذهن وتوقده (^١).
وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدى المشايخ في دروس المساجد: للمبتدئين، ثم المتوسطين، ثم المتمكنين.
ففي التوحيد: "ثلاثة الأصول وأدلتها"، و"القواعد الأربع"، ثم "كشف الشبهات"، ثم "كتاب التوحيد"، أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا في توحيد العبادة (^٢).
(^١) قوله: "والحال هنا تختلف من طالب إلى آخر .. "، أي: الطلاب يختلفون من حيث جودة الفهم، ومن حيث ما لديهم من صفات تؤهلهم لحفظ العلم، وما لديهم من رغبة في التعلم؛ وما لديهم من قوة الذهن وضعفه، ولذلك فيُنتقى لكل مجموعة ما يناسبهم من الكتب، ذكر المؤلف حال علماء هذه البلاد، وكيف كانوا يتدرجون في اختيار المتون، وابتدأ بعلم المعتقد والتوحيد؛ لأن التوحيد يُقدَّم على غيره من الفنون، وذلك لأنه أصل الأصول، ولأن النبي ﷺ يعلم من جاءه أول ما يعلمه إفراد الله بالعبادة؛ ولأن هذا هو الذي يجعل الإنسان من أهل دين الإسلام، ولأن النبي ﷺ إذا أرسل المعلمين يأمرهم بأن يبتدئوا بهذا الأصل، قال: (يا معاذ، إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)، وفي رواية: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله) [¬١].
(^٢) ذكر المؤلف الكتب المؤلفة في أنواع الفنون، وهي كتب نافعة قيمة، وكثير منها محلّ عناية أهل العلم في كثير من الأقطار.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٤٩٦)، والترمذي (٦٢٥)، وأبو داود (١٥٨٤).
[ ٧٩ ]
وفي توحيد الأسماء والصفات: "العقيدة الواسطية"، ثم "الحموية"، و"التدمرية"، ثلاثتها لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فـ "الطحاوية" مع شرحها.
وفي النحو: "الآجرومية" ثم "ملحة الإعراب" للحريري، ثم "قطر الندى" لابن هشام، و"ألفية ابن مالك" مع شرحها لابن عقيل.
وفي الحديث: "الأربعين" للنووي، ثم "عمدة الأحكام" للمقدسي، ثم "بلوغ المرام" لابن حجر، و"المنتقى" للمجد بن تيمية، رحمهم الله تعالى، فالدخول في قراءة الأمات الست وغيرها.
وفي المصطلح: "نخبة الفكر" لابن حجر، ثم "ألفية العراقي" رحمه الله تعالى.
وفي الفقه مثلًا: "آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم "زاد المستقنع" للحجاوي رحمه الله تعالى، أو "عمدة الفقه"، ثم "المقنع" للخلاف المذهبي، "والمغني" للخلاف العالي، ثلاثتها لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي أصول الفقه: "الورقات" للجويني رحمه الله تعالى، ثم "روضة الناظر" لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وفي الفرائض "الرحبية"، مع شروحها، و"الفوائد الجلية".
وفي التفسير: "تفسير ابن كثير" رحمه الله تعالى.
وفي أصول التفسير: "المقدمة" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وفي السيرة النبوية: "مختصرها" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأصلها لابن هشام، وفيه "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله تعالى.
[ ٨٠ ]
وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وكـ "المعلقات السبع"، والقراءة في "القاموس" للفيروز آبادي رحمه الله تعالى … وهكذا من مراحل الطلب في الفنون.
وكانوا مع ذلك يأخذون بجرد المطولات، مثل "تاريخ ابن جرير"، وابن كثير، وتفسيرهما، ويركزون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد (^١).
(^١) قوله: "وكانوا مع ذلك … "، يعني: مع دراستهم للمتون وتفهمها (يأخذون بجرد المطولات)، يعني: بقراءتها بدون شرحها، وقد يعلقون تعليقًا خفيفًا على شيء من هذه المطولات، وأدركنا ممن يقرأ المطولات، وتجرد في مجالسهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
ومَثَّل المؤلف بالكتب التي كانت تُجْرَد بتاريخ ابن جرير، وتفسير ابن جرير، وتاريخ ابن كثير، وتفسير ابن كثير، وكُتُب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنهم كانوا يحرصون على قراءتها، ويبذلون من أوقاتهم من أجل تعلمها، "وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم، لاسيما محرراتهم في الاعتقاد"، وأعطيكم فائدة متعلقة بهذا، وهي أن أهل العقيدة الصحيحة يبارك الله لهم في أذهانهم وفهومهم، ولذلك تجد عندهم من الفوائد ما لا تجده عند غيرهم، ويكون عندهم من الاختصار في اللفظ ما ليس عند غيرهم، فالأقوال القليلة عندهم تدل على المعاني الكثيرة، وذلك أنهم لما جرَّدوا عبادتهم لله، وجرَّدوا مقاصدهم لله بارك الله في علومهم، وبارك الله في أقوالهم؛ ولذلك كلما كان الإنسان صاحب معتقد صحيح فإن الله - جل وعلا - يجعلك تستفيد منه أكثر من الاستفادة من غيره، ولهذا انظر إلى كتب الشيخ محمد، ألفاظ =
[ ٨١ ]
وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب، ومجالس العلم، فبعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الضحى، ثم تكون القيلولة قبيل صلاة الظهر، وفي أعقاب جميع الصلوات الخمس تُعْقَد الدروس (^١)، وكانوا في أدب جم، وتقدير بعزة نفس من الطرفين على منهج السلف (^٢)
= مختصرة تدل على معانٍ كثيرة، وهذا من بركة ما آتاه الله لذلك الإمام غفر الله له؛ ينبهك إلى جزئيات تكون منطلقًا لك في حياتك كلها، وهكذا امتاز أصحاب المعتقد الصحيح الصحابة فمن تبعهم بكلام سهل يسير لا تجد مثل هذه التنبيهات عند غيرهم، بل عند غيرهم تجد الكلام طويلًا كثيرًا وفائدته قليلة، ولذلك كان من فضل الله - جل وعلا - على هذه البلاد أن جاءنا فيها من العلماء من يكون محلّ ثقة عند العالم الإسلامي ككل؛ وذلك لأنهم ينطلقون في علمهم من معتقد صحيح، ويُؤسسون علمهم على أصول صحيحة، وقواعد للتعلم صحيحة، وكذلك يستندون ويعتمدون في كلامهم على أدلة شرعية واضحة من القرآن والسنة، ونحمد الله على ذلك.
(^١) قوله: "وهكذا كانت الأوقات عامرة في الطلب … "، ذكر المؤلف كيف كان أولئك يشغلون جميع أوقاتهم بالتعلم، فكانت الأوقات كلها عامرة في الطلب ومجالس العلم، ذكر المؤلف صفتهم في هذا، والناظر في تراجمهم يجد هذا واضحًا جليًا، فحينئذ لا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى هذه المشغلات التي تشغله من أنواع الألعاب، أو أنواع المجالس، أو أنواع الأحاديث الجانبية في غير العلم الشرعي، أو الكلام في تفاصيل الوقائع والحوادث السياسية.
(^٢) قوله: "وكانوا في أدب جم وتقدير .. "، ذكر ما هم عليه في هذه الحلقات من أدب جم، وتقدير فيما بينهم، وعزة نفس للإنسان بحيث لا يذهب إلى سفاسف الأمور، مع =
[ ٨٢ ]
الصالح رحمهم الله تعالى، ولذا أدركوا، وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، والحمد لله رب العالمين.
فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، لا على المذكرات، وفي حفظها لا الاعتماد على الفهم فحسب (^١)، حتى ضاع
= انسجامهم بطريقة المتحابين ونهج سلفنا الصالح، ولذلك أدركوا وصار منهم في عداد الأئمة في العلم جمع غفير، ولذلك لا زال أهل العلم يستندون إلى أقوال علماء هذه البلاد ويرجعون إليهم، وهذا من فضل الله - جل وعلا -.
(^١) قوله: "فهل من عودة إلى إصالة الطلب … "، طالب المؤلف بالعودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة، وبالرجوع إلى كتب أهل العلم.
أما الكلام الوعظي والحديث السياسي والمحاضرات العامة والتي ليس لها أساس ومنهج فإنها لا تنضبط، وبالتالي ينبغي في دروسنا أن نرجع إلى المتون العلمية حتى نضبط العلوم ونعرفها، وأما الكلام الذي يكون بدون رجوع إلى كتب أهل العلم فإنه لا ينضبط، ولا يؤسس طالبًا للعلم؛ لأنه يحفظ ما في هذه المذكرات وينساها بعد مرور أوقات الاختبار فيها، أو بعد مضي زمن، ثم بعد ذلك يصبح هو والعامي في مرتبة واحدة، ولكن من ضبط العلم بمراجعة متونه وأصوله فإنه حينئذ يتمكن بذلك من ضبط العلم، وبذلك أيضًا نعرف مواطن بحث المسائل في الكتب، ومن هنا ينبغي أن لا يعتمد على مجرد الفهم، وينبغي أن يكون لنا طريقة في حفظ الأصول الشرعية، كتابًا وسنةً ومتون أهل العلم، فإنه بمضي الوقت يضيع الفهم ويبقى الحفظ، فالحفظ إذا بقي أمكن الفهم، لأن الآلة عندك موجودة، لكن إذا كان عندك فهم ولم يكن عندك الأصل فإن المفهوم يضيع، وتكون عندك الآلة، لكن ليس عندك الأصل الذي ترجع إليه في الفهم.
[ ٨٣ ]
الطلاب فلا حفظ ولا فهم! وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدر سير على منهاج السلف … والله المستعان (^١).
وقال الحافظ عثمان بن خُرَّزَاد (م سنة ٢٨٢ هـ) رحمه الله تعالى: "يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عُدِمت واحدة، فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه" (^٢).
(^١) قوله: "وفي خلو التلقين من الزغل والشوائب والكدر سير على منهاج السلف"، الزغل: ما يكون من الشوائب في أنواع الأقمشة والقطن ونحوها، والشوائب: ما يدخل في أنواع الحبوب إما السنبل أو القشرة فهذه كلها شوائب، والكدر غالبًا يكون في المياه الشيء غير الصافي، فينبغي أن تكون المتون والكتب التي نقرؤها خالية من مثل هذا، لتتابع الناس على مراجعتها، بخلاف المذكرات الدراسية التي قالها إنسان وتكلم بها، لكنه مرات يتكلم بكلمة ويتعب ذهنه فيريد أن يتكلم بكلمة فتخرج منه كلمة أخرى، وتجدون هذا عند كثير من المعلمين والمدرسين، بينما الكتب حرص أصحابها على ضبطها، ثم بعد ذلك وُجد أناسٌ كثر يتدارسونها وينبهون على ما فيها من مثل هذا، بخلاف هذه المذكرات فإنها لا تشتمل على ذلك، ولا زال سلفنا وأئمتنا يسيرون على هذه الطريقة بمراجعة المتون العلمية، فحينئذ لا ينبغي أن تغرنا مثل هذه الدعايات التي تُنَفِّر من كتب أهل العلم المتقدمين.
(^٢) قوله: "قال الحافظ عثمان بن خرزاد .. "، ذكر صفات راوي الحديث وصاحب الحديث:
أولها: العقل الجيِّد الذي يعرف به عواقب الأمور، ويميز به بين المتشابهات.
ثانيها: دين وورع بحيث لا يعتمد على الظنة، أو يكون شاذًا في حديثه، أو يعتمد على رواية من لا يصح أن يعتمد على روايته. =
[ ٨٤ ]
قلت - أي الذهبي -: "الأمانة جزء من الدين (١)، والضبط داخل في الحِذْقِ، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون: تقيًا، ذكيًا، نحويًا، لغويًا، حييًا، سلفيًا، يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمس مائة مجلد، وأن لا يَفْتُرَ من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة، وتواضع (٢)،
= ثالثها: يحتاج إلى الضبط وهو تمام الحفظ بحيث يروي كما سمع.
رابعها: يحتاج إلى حذاقة في الصناعة، معرفة القواعد التي يُصَار عليها في التعلم.
خامسها: وجود الأمانة لئلا يُدْخِلَ في العلم ما ليس منه، وينبغي أن يُعرَف بذلك حتى يوثق بكلامه، من لم يُعرَف بأنه أمين لم يُعْتَمَد على قوله.
* وذكر المؤلف أيضًا كلام الذهبي، فقال: "الأمانة جزء من الدين .. "، بحيث يرجع بعض هذه الصفات السابقة الخمس إلى بعضها، فالأمانة رجعت إلى الدين، والضبط رجع إلى الحفظ، وحينئذ قال: "ينبغي أن يكون تقيًا"، والتقوى: الإقدام على الطاعة، والهرب من المعصية تقربًا لله، من أجل الآخرة، وأن يكون ذكيًا يعرف حقائق الأمور وبواطنها، نحويًا: يعرف قواعد ضبط أواخر الكلمات، لُغَويًا: يفهم معاني الكلام، زكيًا: يعني: طاهرًا ليس في نفسه خبث ولا طوية غير محمودة، حييًا: يستحيي مما لا يليق به، سلفيا: سائرا على نهج سلفنا الصالح، يبتعد عن البدع.
* قوله: "يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد .. "، يعني أن طالب العلم حتى يصل يحسن أن يكتب بيديه مائتي مجلد من الفوائد، ومن أنواع العلم (ويُحَصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد)، فإذا قرأ خمسمائة مجلد، وكتب مائتي مجلد من الفوائد فقد أحرز العلم.
[ ٨٥ ]
وإلا فلا يتعنَّ" (^١). ا. هـ.
وعليه أيضًا ألا يفتر من طلب العلم، ولا يتوقَّف، بل يستمر ولا يمل إلى الممات، فإنه إذا توقف وظن أنه قد علم أصبح ينتقل إلى الجهل، ولا بد أن يكون ذلك بنية خالصة لله، لا يريد دنيا، ولا يريد مراءاة الخلق، ولا يريد أن يكون له سمعة عندهم (وتواضع) بحيث لا يترفع ولا يتكبر.
(^١) قوله: "وإلا فلا يتعنَّ"، في نفسي من هذه الكلمة ما فيها؛ وذلك أن طلب العلم قربة وعبادة، فلو فرضنا أن إنسانًا كان بليد الذهن، أو كان حفظه ضعيفًا، لا ينبغي أن يكون ذلك صادًا له عن التعلم؛ لأن كل حرف يتعلمه يؤجر به عند الله - جل وعلا -، فحينئذ كيف يُفَوِّت على نفسه هذا الأجر، (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله به طريقًا إلى الجنة) [¬١]، ولا يشترط في هذا أن يكون صاحب عقل جيد، ولا أن يكون صاحب حفظ وضبط، ولا أن يكون حاذقًا في الصناعة، بمجرد تعلّمه يُؤْجَر، ولو لم يكن قادرًا على الحفظ، فحينئذٍ هذه الصفات ينبغي أن نحرص على تحصيلها، وإذا لم نتمكن من تحصيلها كاملة، فلا يعني أن يكون ذلك صارفًا لنا عن التعلم.
وقد ذكر الشيخ ترتيبًا جيدًا للكتب في أكثر الفنون، وهو ترتيب جيد في الجملة، لكن يحتاج إلى تكميل في بعض جزئياته، ففي الأصول هناك مرتبة وسطى بين الورقات وروضة الناظر، يحسن أن تكون مختصر ابن اللحام؛ وفي التفسير يمكن أن تكون المرحلة الأولى في تيسير الكريم المنان لابن سعدي، ويذكر أحد شروح كتاب التوحيد في آخر المراحل.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٦٤٦)، وأبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣).
[ ٨٦ ]