١ - إخلاص النية لله ﷾، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]:
وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات …). الحديث (^١).
فإن فقد العلمُ إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات (^٢)، ولا شيء يحطم العلم مثل: الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع، بأن يقول مسمعًا: علمت وحفظت (^٣).
(^١) وقول المؤلف: "في الحديث الفرد المشهور"، الفرد يعني أنه غريبٌ رواه راوٍ واحد عن راوِ واحد عن راوٍ واحد، وذلك أن هذا الحديث قد رواه يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، فهو فردٌ في أربع طبقات من إسناده (مشهور)؛ لأنه اشتهر بَعْدَ ذلك على الألسن واستفاض، فقد رواه عن يحيى بن سعيد قرابة مائتي راوٍ.
(^٢) وقول المؤلف: "فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات"، لأنه حينئذ يكون شركًا؛ إما شركًا أكبر وإما شركًا أصغر، ومثل المؤلف له بالأمثلة.
(^٣) قوله: "ومثل التسميع بأن يقول مسمِّعًا"، للناس: أنا علمت بكذا، وأنا حفظت كذا، بحيث يكون له منزلة. مثَّل المؤلف بما يفقد فيه الإخلاص: بحب الظهور؛ فيقول: أتعلم حتى يعرفني الناس، ويكون لي معرفة، ويعرفني من في مشارق الأرض ومغاربها، فإنَّ هذا ليس من الإخلاص في شيء.
[ ٢١ ]
وعليه، فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلمًا لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعيَّن عليك أن تحمي نيَّتَك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحِمَى.
وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفًا منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهي العلماء عن "الطبوليات" (^١)، وهي المسائل التي يراد بها الشهرة.
وقد قيل: "زلة العالم مضروب لها الطبل".
وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: "كنتُ أوتيتُ فهم القرآن، فلما قبلتُ الصُّرَّةَ سُلِبْتُهُ" (^٢).
(^١) قال: ويزاد عليه نهي العلماء عن "الطبوليات"، يأتي الإنسان بالمسألة الغريبة فينشرها في وسائل الإعلام، ثم يأتي ضعاف القلوب فيصفقون لها، ويطبلون لها، وينشرونها في الأمة، ولذلك نقل هذه الكلمة "زلة العالم مضروب لها الطبل"؛ لو أتى إنسان غير معروف بقول شاذ فيكتب كتابة مخالفة لما استقر في علم الشريعة لانطمست ولم يكن لها أثر، وإنما نخشى من زلة العالم، فإنه يزلُّ بها عالم، هذا ما أراده المؤلف بهذه الكلمة.
(^٢) قال سفيان: "كنت أوتيت فهم القرآن"، يعني معرفة معاني آيات القرآن وأسراره وحكمه، وتمكنت من استنباط الأحكام منه، "فلما قَبِلتُ الصُّرَّة" أخذت المال من الناس، سُلبت هذه القدرة، وهي فهم القرآن، وحينئذٍ يحذر الإنسان - طالب العلم - من الرغبة =
[ ٢٢ ]
فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.
ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئًا أشد على نفسي من نيتي" (^١).
وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعَظَهُم غيرُك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة".
وفقك الله لرشدك آمين.
= في الدنيا وبذل العلم من أجله، فإنه يكون سببًا من أسباب عدم فهمه للعلم، ومن أوّله فهم القرآن، وليعلم بأن ما أتى من هذا المال بدون طلب، وبدون إشراف نفس، ولم تتعلق نفسه به، وقضى حوائجه، فحينئذ لا يلحقه به حرج، كما ورد في حديث عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) [¬١].
(^١) ثم ذكر المؤلف قول سفيان أيضًا: ما عالجت شيئًا أشدَّ علي من نيَّتي"، النية سهلة على من سهَّلها الله عليه، وفي لحظة وفي ثانية تتمكن من قلب نيتك وتجعل أعمالك الله، وفي نفس الوقت هي صعبة عسيرة؛ لأن الناس يغفَلون عنها من جهة؛ ولأن الشيطان يحرص على إفساد النوايا؛ لأن النية عظيمة النفع، كبيرة الأثر، جالبة البركة، ومن ثم فالشيطان يحرصُ على إفساد النيات من أجل هذا الأمر.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥)، والنسائي (٢٦٠٧).
[ ٢٣ ]
الخصلة الجامعة (^١) لخيري الدنيا والآخرة: محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ، وتحقيقها بتمحّض المتابعة وقفو الأثر للمعصوم:
قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١].
وبالجملة، فهذا أصل هذه الحلية (^٢)، ويقعان منها موقع التَّاج من الحُلَّةِ (^٣).
فيا أيها الطلاب! ها أنتم هؤلاء تربَّعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهي مهبط الفضائل، ومتنزّل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا.