لا تسترسل في (التنعم والرفاهية)، فإن (البذاذة من الإيمان) (^٢) [¬١]، وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في كتابه المشهور، وفيه: (وإياكم والتنعم وزي العجم، وتمعددوا (^٣) واخشوشنوا .. (^٤» [¬٢].
(^١) ذكر المؤلف ها هنا الأدب العاشر من آداب طالب العلم، وهو ترك الاسترسال في التنعم والرفاهية، والمراد بالتنعم استخدام أنعم ما يكون من الثياب والمراكب ونحو ذلك.
(^٢) قوله: "فإن البذاذة من الإيمان"، ورد حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (البذاذة من الإيمان) [¬٣]، والمراد بالبذاذة: ترك الترفه، وعدم استعمال الناعم من الملابس والمراكب.
(^٣) قوله: "جاء في كتاب عمر: (إياكم والتنعم وزي العجم وتمعددوا) "، أي: شابهوا معد بن عدنان الذي كان يترك الرفاهية في لباسه وسائر أموره.
(^٤) قوله: "واخشوشنوا"، يعني: ليكن من أموركم الخشونة، مما يكون مخالفًا للتنعم.
_________________
(١) [¬١] كما صح عن النبي ﷺ، راجع له "السلسلة الصحيحة"، رقم (٣٤١)، و"تعظيم قدر الصلاة" رقم (٤٨٤)، لابن نصر المزوري. [¬٢] "مسند علي بن الجعد" ١/ ٥١٧ رقم (١٠٣٠)، وعنه "الفروسية" لابن القيم ص ٩، و"أدب الإملاء والاستملاء" ص ١١٨، وأصله في الصحيحين وغيرهما. [¬٣] أخرجه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٤١١٨).
[ ٥١ ]
وعليه، فازْوَرَّ عن زيف الحضارة (^١)، فإنه يؤنث الطباع (^٢)، ويرخي الأعصاب (^٣)، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم
(^١) قوله: "وعليه فازور عن زيف الحضارة .. "، جاء في الحديث عن عمر ﵁ أنه أتى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ نائمًا على حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرضًا مصبوبًا، وعند رأسه أهب معلقة، قال: فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: (ما يبكيك؟) فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) [¬١].
فالمقصود أن الإنسان يستعمل ما لديه، فلا يتكلَّف في ملبسه، ولا يتكلف في مركبه، ولا يتكلف في أنواع الأثاث لديه، وذلك لأن التكلف في ذلك يخالف سمت طالب العلم، ويجعل الناس يظنون به ظن السوء.
- وقوله: "وعليه" أي: وبناء على ما مضى.
- وقوله: "فازْوَرَّ"، يعني أعرض.
- وقوله: "عن زيف الحضارة"، والمراد به الصورة الظاهرية الزائفة.
(^٢) وقوله: "فإنه يؤنث الطباع"، يجعل الطبع مشابهًا لطبع من يكون رقيقًا في أموره.
(^٣) وقوله: "ويُرخي الأعصاب"، وبالتالي لا يتمكن الإنسان من أن يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يكون قويًا في الحق، ومثل ذلك يقيدك بخيط الأوهام: الناس لم يعجبهم لباسي، الناس لم يكن ثوبي حسنًا عندهم، الناس لم يعجبوا بالطيب الذي استعمله، ويكون همه في هذه الأمور الظاهرة، ويترك الأمور الحقيقية التي ينبغي به أن يتوجه لها، ولا يتمكن المجدون من الوصول لغاياتهم؛ لأنهم اشتغلوا بالتوافه، ويصل =
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٤٩١٣).
[ ٥٢ ]
تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات (^١) ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتًا صالحًا (^٢)، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص (^٣)،
= المجدُّ إلى الغاية وأنت تشتغل بالصورة الظاهرة، لم تبرح مكانك؛ لأنك مشغول بالتأنق في الملبس، يعني حسن اختيار أنواع الملابس، هذا القماش، هذه النوعية من القماش أفضل من تلك النوعية، وهذا الكبك أحسن من ذلك الكبك، هذه الساعة خير وأحسن، وهذا الجوال بهذه الصفة أحسن من تلك الصفة، والنوع الفلاني من الجوالات أحسن، ومن ثم يصبح يشتغل بهذه الأمور التوافه الظاهرة، وإن كان منها شيات ليست محرمة، نحن لا نستطيع أن نقول إنها محرمة، لكن طالب العلم مشتغل بما هو أعظم وأنفع وأعلى، حيث اشتغل بما يوصله إلى جنة الخلد، فكيف يكون مشتغلًا بهذه الأمور الظاهرة.
(^١) قوله: "وإن كان منها شِيَات .. "، الشِّيّة هي الأمور القليلة التي ليست بمحمودة.
(^٢) وقوله: "ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتًا صالحًا"، أي: ليست من صفة طالب العلم.
(^٣) قوله: "والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتهاء الشخص"، من جاء وعليه شماع وقد زخرف ذلك الشماغ، عَرَفْتَ طَرِيْقَتَه وحكمت عليه، إذا وجدته قد لبس من الساعات المزخرفة التي فيها جذب لرؤية الآخرين عرفت توجهه، وعرفت طريقته، فالحلية في الظاهر عنوان على انتهاء الشخص، ولذلك الأشخاص في ملبسهم يذهب كل واحد منهم إلى من يشاكله في اللباس، ومن هنا من لبس الملابس الكاملة، لبس الغترة، ولبس البشت، وجدته مع من كان بهذه الصفة، ومن خَلَعَ العباءة وجدته مع من ماثله، ومن خلع الغترة وجدته مع من ماثله، وهكذا فالناس كالطيور يأتون إلى من يماثلهم في الصفة، والطيور على أشكالها تقع.
[ ٥٣ ]
بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟! (^١).
فكن حذرًا في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك (^٢)، في الانتماء والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر (^٣) تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف الناس من: الرصانة والتعقل؛ أو التَّمَشْيُخ والرهبنة؛ أو التصابي وحب الظهور (^٤).
(^١) قوله: "وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات"، لذلك من وجدته يلبس أنواعًا من الألبسة حكمت عليه من مجرد لباسه.
(^٢) قوله: "فكن حذرًا في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك"، فالناس يحكمون عليك من خلال ما تلبسه، سواء في انتمائك إلى من تنتمي؟ وكذلك في تكوينك؛ ما هي شخصيتك؟ يعرفونها من اللباس، وكذلك في ذوقك، فيعرفون ما هو ذوقك، وما الذي تشتهيه وما لا تشتهيه من خلال رؤية لباسك؟ وانظر إلى نفسك كم من شخص بمجرد رؤيته الظاهرة ارتاحت نفسك إليه؟ وكم من شخص بمجرد رؤيته الظاهرة اشمأزت نفسك منه وابتعدت عنه كل الابتعاد؟ وهذا تجدونه في نفوسكم.
(^٣) قوله: "ولهذا قيل: الحلية في الظاهر"، ما تظهره من حليتك ولباسك.
(^٤) قوله: "تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف الناس"، نحن نلبس جميعًا هذه الكوفية - الغترة - ومع ذلك يحكم الناس علينا بأحكام مختلفة لطريقة اللبس، فهذا يصفونه بالعقل والحكمة، وهذا يصفونه بالطيش من مجرد لبسته لهذا النوع من أنواع اللباس، وهكذا أيضًا بلباسك يحكمون هل أنت شيخ؟ هل أنت ممن يقبل على الخير؟ أم أنت ممن يقبل على الشر؟ هل =
[ ٥٤ ]
فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالًا لقائل، ولا لمزًا للامز، وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.
= أنت ممن يتصابى ويحاول أن يظهر نفسه بمظاهر الصبيان وصغار السن؟ هل أنت ممن يحب الظهور ويجب لفت الأنظار إليه أو لا؟ فحينئذٍ خذ من اللباس ما يكون مزينًا لك عند الله - جل وعلا - ومبعدًا لقالة السوء ومظنة السوء فيك، واترك ما يشينك من اللباس، وينقص درجتك عند ربك، لكن لا يعني هذا أن يلبس الإنسان الثياب المخرقة، أو يلبس الثياب المتسخة، أو يلبس ما لا يعتاده الناس من اللباس، إنما يلبس ما يكون معتادًا عند أهل الخير والصلاح من اللباس، ويتزيَّا بزيِّهم، ولذلك لم يخالف النبي ﷺ في لباسه طريقة أهله وقبيلته، لبس مثل لباسهم، لكن على صفة محمودة، ولذلك تجد بعض الناس طريقة لبسه تدل على العقل والرزانة.
اللباس إذا لم يكن على الصفة المعهودة جعل للناس فيك مقالًا، ومنها إذا جاء طالب علم لبس في كوفيته من أنواع الزري، وجعل في ثوبه أنواع المخططات التي تكون لافتة للنظر، فحينئذ هذا ليس لائقًا به، وليست هذه اللبسة من ملابس أهل الفضل والعلم، وهذه قد تجعل الناس يتكلمون فيه ويلمزونه، ومن ثم لا يقبلون ما لديه من العلم، وإذا تلاقي ملبسك ونوع الملبس وكيفية اللبس - طريقة اللبس - بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم انتفع الناس بك، وأخذوا منك العلم، وإذا أحسنت النية في لباسك وفي اختيار نوعه، كان ذلك سببًا للحصول على الأجر من جهة، وسببًا لقبول الناس منك وأخذهم الحق عنك.
[ ٥٥ ]
وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (أحبِّ إليَّ أن أنْظُرَ القارئ أبيض الثياب) (^١).
أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.
والناس - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -: "كأسراب القَطَا (^٢)، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض" (^٣).
فإياك ثم إياك (^٤) من لباس التصابي (^٥).
(^١) قوله: "قال عمر ﵁: (أحبُّ إليَّ أن انظر القارئ أبيض الثياب) "، ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ أمر باختيار الثياب البيضاء، وقال: (البسوا من ثيابكم البيض وكفنوا فيها موتاكم) [¬١]، وهذا لأن الثوب الأبيض يجر النفوس إليه، وترتاح العين برؤيته، ويسكن القلب بالاطلاع على صاحبه.
(^٢) قوله: "والناس كما قال شيخ الإسلام: كأسراب القطا"، القطا نوع من أنواع الطيور.
(^٣) وقوله: "مجبولون على تشبه بعضهم ببعض"، فطائر القطا إذا فعل واحد منهم شيئًا فعل البقية مثل فعله، تجدونهم في أول النهار إذا صوَّت واحد منهم لجت أصواتهم في وقت واحد.
(^٤) قوله: "فإياك ثم إياك .. "، يعني احذر.
(^٥) قوله: "من لباس التصابي"، أي: أن تلبس مثل لبس الصبيان بحيث يظن الناس أنك صغير السن.
_________________
(١) [¬١] رواه الترمذي (٩٩٤)، والنسائي (١٨٩٦)، وأبو داود (٣٨٧٨).
[ ٥٦ ]
أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه (^١).
وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوّه (^٢)،
(^١) قوله: "أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه، .. "، ذكر المؤلف اختيار الألبسة التي تكون من بلدان أخرى، فهذا ليس من شأن طالب العلم، وإن كان إذا ذهب إليهم قد يلبس مثل لباسهم، مثال هذا: لباس أهل الخليج يخالفوننا في بعض الصفات، فحينئذ لا ينبغي لطالب العلم أن يلبس مثل لباسهم عند أصحابه وجماعته وأهل بلده لماذا؟ لأن الناس يلتفتون إلى هذا، ويكون مثارًا لكلامهم وحديثهم، فينصرفون عن علمك وعن حديثك إلى الاطلاع على لباسك، وهكذا مثلًا لباس أهل باكستان لا يلبسه طالب العلم، لماذا؟ لأنه ليس من الألبسة المعتادة، وهكذا أيضًا اللباس الذي يكون للكفار، فإن المؤمن حريص على الابتعاد عن التشبه بغير المسلمين، وقد ورد في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ نهي عن التشبه باليهود [¬١]، وعن التشبه بالنصارى [¬٢]، وعن التشبه بالأعاجم [¬٣]، وعن التشبه بالمجوس [¬٤].
(^٢) قوله: "وليس معنى هذا أن يأتي الإنسان بلباس مشوَّه"، أي: إما وسخ، وإما مقطع، فإن هذا من لباس الشهرة، ومن هنا فإنه يُنهى عنه، وقد ورد في الحديث النهي عن لباس الشهرة [¬٥].
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي وأحمد ٢/ ٣٥٦ (٨٦٥٧) من حديث أبي هريرة، وأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عمر ٨/ ١٣٧ (٥٠٧٤) والزبير بن العوام ﵃. [¬٢] أخرجه الترمذي (٢٦٩٥)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. [¬٣] أخرجه أحمد (٢٢٢٥٥)، وأبو داود (٥٢٣٠). [¬٤] أخرجه مسلم (٢٦٠). [¬٥] أخرجه أبو داود (٤٠٢٩)، وابن ماجه (٣٦٠٧)، والنسائي (٩٤٨٧).
[ ٥٧ ]
لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع (^١)، تحفة بالسمت الصالح، والهدي الحسن.
وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق (^٢)، لا سيما في "الجامع" للخطيب.
ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس، والله أعلم (^٣).
(^١) قوله: "لكنه الاقتصاد في اللباس"، أيضًا يتجنب الإنسان ذلك اللباس الذي له أثمان كثيرة، فإن هذا إسراف، والإسراف منهي عنه في الشريعة، وبالتالي إذا التزم الإنسان بهذه الآداب كان متصفًا بالسمت الصالح، والهدي الظاهر الحسن.
(^٢) قوله: "وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق"، أي: أن أهل العلم قد كتبوا لذلك أمثلة في كتب الرقائق والسنة، وقد ألف عدد من الأئمة كتبًا في هذا، وألفوا في الزهد كتبًا عديدة، ومثَّل المؤلف لذلك بكتاب "الجامع لآداب الراوي والسامع" للخطيب البغدادي رحمه الله تعالى.
(^٣) قوله: "ولا تستنكر هذه الإشارة، … "، أي: لا يقولن قائل: ما مدخل هذا في آداب طالب العلم فنقول:
أولًا: النصوص الشرعية قد وردت بهذه الآداب.
ثانيًا: الناس عند التزام هذه الآداب يُقبلون على علم ذلك المتعلم.
ثالثًا: الناس ينفرون ممن لم يتصف بهذه الآداب ولا يقبلون منه علمًا.
رابعًا: أن لبس ما يخالف ما تقدم يعدُّ من أنواع الشهرة التي تورث في النفس ترفعًا وتكبرًا، وطالب العلم ينبغي به أن يعالج نفسه من ذلك.
[ ٥٨ ]