التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل: "تأمَّل تُدْرِكْ".
وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائدته؟
(^١) الأدب الرابع عشر من آداب طالب العلم: "أن يكون متأملًا متفكرًا في عواقب الأمور".
التأمل يشمل عددًا من الأمور:
أولها: التفكر: بحيث يعرف حقيقة ما يعرض عليه، سواء كان من آيات الله الكونية، أو من آيات الله الشرعية، وقد جاءت النصوص في الترغيب في التفكر في ذلك.
الثاني: الاعتبار: وهو مقايسة النفس بغيرها، بحيث يقيس العبد نفسه على غيره فيما يتعلق بما حصل لهم، سواء كان من العاقبة الحميدة، أو العواقب السيئة، فإن ما حل بغيرك سيحل بك متى فعلت مثل فعله.
الأمر الثالث: التدبر: بحيث يعرف الإنسان معاني الكلام، ويتأمل في دلالاته، وقد جاءت النصوص بالترغيب في التدبر للقرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال - جل وعلا -: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].
وحينئذٍ أيضًا يتأمل الإنسان في كلامه، فلا يتكلم إلا بالكلام الذي تكون عاقبته حميدة.
ويشمل هذا أمورًا:
الأول: أن يكون اللفظ مناسبًا غير نابٍ أو أقل مما يراد به من المعاني، فإن اللغة واسعة، واللفظ يدل على معنى، وهناك ألفاظ تدل على معنى أعلى من المعنى المقصود، وهناك ألفاظ تدل على معانٍ أقل منه، فحينئذ ننتقي من الألفاظ ما يكون دالًا على المراد، وبالتالي يتفكر الإنسان في ألفاظه، ويتفكر في معاني الألفاظ بحسب الدلالة اللغوية قبل أن يتكلم بالكلمة. =
[ ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الثاني: أن يتأمل الإنسان في العواقب التي تنتج عن هذه الكلمة، فإن كانت العاقبة حميدة تكلم بها، وإن كانت العاقبة غير ذلك لم يتكلم بها.
الثالث: أن يتأمل في طريقة كلامه وأسلوبه، بحيث يكون مرتبًا ترتيبًا صحيحًا لا يأتي بكلام متنافر لا يصح أن يرتب بعضه مع بعض.
الرابع: أن يحرص أن يكون كلامه سهلًا، بحيث يجتنب التقعر في الكلام.
الخامس: أن يحرص أن يكون كلامه سهلًا من جهة وضوحه، واضحًا عند سامعه، يعرف المراد به.
السادس: أن يجتنب اللفظ الذي يكون مجملًا يحتمل معاني متعددة، فإن الألفاظ المشتركة إذا أطلقها الإنسان قد يفهم منها غير ما يريده المتكلم به.
السابع: فيما يتعلق بإطلاق الأسئلة، يتحرى الإنسان في أسئلته عند شيخه، فلا يتكلم بلفظ في سؤاله إلا وهو دال على المراد الذي يريده، ويكون ملتزمًا فيه جانب الأدب، كذلك يكون كلامه مفهومًا عند شيخه، بحيث يجتنب ما قد يظن أنه لا يُفْهَم.
وكذلك يحرص عند سؤاله ألا يتكلم بالألفاظ التي لها معان متعددة، ويكون الكلام في أحد هذه الأبواب التي يفهم منها خلاف مراد السائل، مثال هذا: كلمة (المفرد) في النحو نطلقها مرة ونريد بها ما يقابل الجملة، وما يقابل شبه الجملة، ومرة نطلق كلمة (المفرد) ونريد بها ما يقابل المثنى والجمع، فعندما يأتي الشيخ ويتكلم في باب الخبر، ويقول: الخبر ينقسم إلى مفرد وجملة وشبه جملة، فيسأله عن المفرد الذي هو مقابل للمثنى والجمع، فحينئذٍ يكون قد أدخل في الكلام ما يكون سببًا للتشويش، إما تشويشًا على الطلاب، أو محرجًا للأستاذ؛ لأنه سيمتنع عن الجواب لكي لا ينتقل للجواب عن ذلك السؤال في ذلك الموطن؛ خشية من تداخل هذه المصطلحات.
[ ٦٤ ]
وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق (^١)، وتأمل عند المذاكرة: كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل: كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين، وهكذا.
= مثال ذلك: عندما يأتي الفقيه أو الأصولي ويأمر الناس بالعمل بالنصوص، ثم يأتي السائل ويسأله عن النص الذي في مقابلة الظاهر، فحينئذٍ هذا السؤال يُلْبِس، وقد يُظَنُّ أن العمل بالنصوص إنما يراد به الأدلة القطعية، وهذا ليس مرادًا للشيخ، وإنما مراد الشيخ بكلامه: النص الذي يشمل ما كان صريح الدلالة، وما ورد عليه احتمال، ويشتمل أيضًا اللفظ الظاهر، فعندما يأتي الطالب ويسأل عن هذا اللفظ يكون قد أوقع الناس في لبس، سواء أوقع شيخه أو أوقع زملاءه.
(^١) قوله: "وتحرز في العبارة .. "، كلمة العبارة: يراد بها الجملة من الكلام، وذلك أن هذه اللفظة أصلها من الفعل (عبر) بمعنى انتقل من مكان إلى مكان، وقد أمر الله - جل وعلا - بالاعتبار فقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، يعني: اعتبروا بأذهانكم، وانتقلوا بذهنكم من حال أولئك اليهود الذين خربت عليهم بيوتهم، وعذبوا بهذا التعذيب المذكور في أول السورة، وقيسوا أنفسكم، وانتقلوا بأذهانكم لأنفسكم، فإنكم إذا فعلتم مثل فعلهم عاقبكم الله بمثل عقوبتهم، وبعض أهل العلم يطلق على (الجملة من الكلام) هذا اللفظ: (العبارة)، وهذا ناشئ من منشأ عقدي؛ وذلك أن بعض الطوائف يرون أن الكلام هو المعاني النفسية، وأن الألفاظ والأصوات والحروف عبارة عن الكلام، وليست هي الكلام، ولذلك يسمون الجُمَل والكلمات عبارات، وهذا نشأ من أصل عقدي، ولذلك ينبغي التحرز من إطلاق هذه الجملة جملة (العبارة)، بحيث يراد بها الألفاظ.
[ ٦٥ ]