تحل بالثبات والتثبُّت، لاسيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن "من ثبت نبت".
(^١) هاتان صفتان ذكرهما المؤلف في آداب طالب العلم المتعلِّقة بنفسه:
الصفة الأولى: الثبات: والثبات يراد به البقاء على الخير والدعوة له، والأمر بالمعروف وعدم الانتقال إلى غيره، والثبات يشمل ما يأتي:
أولًا: الثبات في المعتقدات، بحيث لا ينجر الإنسان في معتقده لأي متكلم يتكلم معه، حتى يكون متثبتًا في أمره.
الثاني: الثبات فيما يتعلق بالتصرفات، فلا يكون الإنسان من أتباع كل ناعق، كلما تكلَّم متكلِّم صار معه، وإنما يكون ثابتًا على مبدئهِ وطريقته.
الثالث: الثبات فيما يتعلق بنصرة الأشخاص، فلا ينصر غيره إلا إذا علم أنه على حق ويستمر في ذلك، وأما أن ينصر قريبه أو صاحب بلده بدون أن يكون متثبتًا من حاله، فهذا يكون من العصبية المذمومة كحمية الجاهلية.
الرابع: الثبات فيما يتعلق بما يؤديه العبد من الأعمال الصالحة، بحيث لا تصرفه الصوارف عن عمله الصالح الذي يؤديه، سواء كان من الفرائض أو النوافل، وتعلمون أن النصوص قد جاءت بالترغيب في المداومة على الأعمال الصالحة، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قل) [¬١].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨١٨)، وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائي (٧٦٢).
[ ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأمر الخامس: مما يؤمر بالثبات فيه: الثبات في طلب العلم، بحيث لا تأتي المشغلات فتصرف الطالب عن طلبه للعلم، وهذه مسألة مهمة جدًّا ينبغي الالتفات إليها، فإن بعض الناس عندما يأتيه أدنى أمر ينشغل عن طلب العلم، ولا يثبت فيه، وحينئذٍ لا يرزق بركته ولا يستمر معه، نجد طلبة العلم كثيرين ثم بعد ذلك لا يثبتون، وما هذا إلا لانشغالهم مرات بتوافه، ومرات بلعب، ومرات بلغو، ومرات بهيشات، ومرات بأمور لا تناسب طالب العلم، ولذلك هذه الهيشات وهذه المشغلات تكون سببًا في انصراف طالب العلم عن طلب العلم، ولذلك رغب المؤلف هنا في الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن من ثبت - يعني في طلب العلم - نبت، وأصبح عاليًا، وأما من بذل من وقته شيئًا ثم انصرف فإنه لا يستفيد العلم.
والصفة الثانية: التثبت: بحيث لا يقبل ما يرد عليه من الواردات حتى يكون متيقنًا منه أنه الحق، وأنه الصحيح، وهذا يشمل أمورًا:
أولها: ما يتعلق بالمعتقد، فإذا وردت إليك مسألة عقدية فيها كلام أحد من الناس، فتثبت فيها حتى تحقق من النصوص ومن صحة النقل.
وثانيهًا: التثبت فيما يتعلق بالأحاديث التي تورد على الإنسان، فلا يأخذ منها إلا ما تثبَّت أنه صحيح ثابت النسبة إلى النبي ﷺ، إما بمعرفة إسناده، أو بمعرفة مَنْ صَحَّحَه من أهل العلم، أو بنقله عن عالم التزم الصحة في حديثه وفيما ينقله من الأحاديث.
الثالث: التثبت في نسبة الأقوال إلى علماء الشريعة، فكم من مرة وجدنا أقوالًا تنسب إلى فقهاء وهم منها براء، وهذا في مسائل عظيمة من مسائل العقائد فضلًا عن مسائل الفقه.
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإذا نظر الإنسان إلى مثل هذا وجده كثيرًا، حتى إنهم قالوا عن بعض المسائل: هذه مسائل التراجم أو قول التراجم، ما معنى قول التراجم؟ هو القول الذي تنسبه كل طائفة إلى الطائفة الأخرى بدون أن تكون النسبة صحيحة.
مثال ذلك: مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ إذا نظرنا إلى كتب الأصول عند الحنفية، قالوا: وقد قالت الشافعية بأن الكفار غير مخاطبين، وإذا نظرنا إلى كتب الشافعية وجدناهم يقولون: الحنفية يقولون بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
وإذا نظرنا مثلًا إلى مسألة التصويب والتخطئة في المعتقدات وجدناهم ينسبون أقوالًا عظيمة إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو منها بريء، بل ينسبون إلى طوائف كثيرة أقوالًا هم منها براء، وفي نفس الوقت في مثل هذه المسألة مسألة التأثيم بالخطأ في مسائل العقائد، نجدهم ينسبون إلى جماهير أهل العلم خلاف ما يقولون به، ومن هنا ففي مسألة التصويب والتخطئة نجد أئمة كالنووي وابن حجر ينسبون إلى الجمهور أنهم يقولون بأن كل مجتهد مصيب؛ لأنهم يقصدون جمهور الأشاعرة، وإلا فإن جمهور أهل العلم من بقية الطوائف يقولون بخلاف هذا، ويقولون: إن المصيب واحد، وإن ما عداه مخطئ، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بالأخبار التي يتناقلها الناس، يكون الإنسان متثبتًا فيها ولا يقبل منها إلا ما يكون قد قامت البراهين والدلائل على صحته، قال الله - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وورد في بعض القراءات ﴿فَتَثَبَتُوا﴾.
* * * * *
[ ٦٨ ]