(^١) وقول المؤلف: "الخصلة الجامعة"، يعني الشرط الثاني من شروط العبادة، المتابعة، والمتابعة هي الجالبة لمحبة الله ولمحبة رسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
(^٢) قوله: "وبالجملة فهذا أصل هذه الحلية"، الذي هو الإخلاص والمتابعة.
(^٣) قوله "ويقعان منها موقع التاج من الحلة"، في أعلى شيء وأبرك شيء وأعظم شيء وأكثر شيء أثرًا؛ الإخلاص والمتابعة.
(^٤) قوله في الحلية الثانية: "كن على جادة السلف الصالح"، أخبر النبي ﷺ: (أن خير أمته هم القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فهؤلاء هم خير الأمة [¬١]، وإذا=
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٢٥٠٨)، ومسلم (٢٥٣٣).
[ ٢٤ ]
كن سَلَفِيًّا على الجادة (^١)، طريق السلف الصالح من الصحابة ﵃،
= أردنا أن نكون ممن اتصف بالخيرية فلنكن ممن يسير على طريقتهم، قال الله - جل وعلا -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، والله - جل وعلا - قد أمر باتباع طريقة الصالحين، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وأمر بالاقتداء بأهل الفضل، ولذلك لما ذكر قول إبراهيم وممن معه، أمر بالاقتداء بهم، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦]، ولما ذكر الله - جل وعلا - السابقين من المهاجرين والأنصار أمر باتباعهم، وأثنى على من اتبعهم، وقال النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) [¬١]، وقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) [¬٢]، والنصوص في هذا كثيرة.
ولذلك تجد السلف الصالح عندهم من الفوائد والبركة الشيء الكثير، عندهم كلام قليل فيه معان كثيرة، فما أعظم مِنَّة الله علينا بأن جعل سلفنا أولئك القوم الصالحين! فإن صحابة رسول الله ﷺ قد أثنت عليه النصوص، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، والنصوص في الثناء عليهم كثيرة.
(^١) قول المؤلف: "كن سلفيًا"، بعض الناس يقول: السلف مرحلة زمنية، فكيف ينتسب المتأخر للسلف؟ فنقول: اتباع السلف ليس مرحلة وإنما هو علم وعمل، وبالتالي نحن نقصد اتِّبَاع السلف الذي جاءت النصوص به، فمن طالبنا بغير ذلك لم نسمع منه.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٣٦٦٢). [¬٢] أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٢).
[ ٢٥ ]
فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدِّين (^١)، من التوحيد، والعبادات، ونحوها، متميزًا بالتزام آثار رسول الله ﷺ وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال (^٢)،
(^١) ثم قال المؤلف: "اتبع طريق السَّلف الصالح ومن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين"؛ لأن بعض الناس يقتدي بالسلف في باب دون باب، فحينئذ يضل في الباب الذي ترك فيه الاقتداء بسلف الأمة، أضربُ لهذا مثالًا: يأتيك إنسان يُتقِنُ أبواب الصفات، ويكون على طريقة السلف الصالح فيه، ولكنه في أبواب الإيمان لا يكون كذلك، حينئذٍ ضيَّع جزءًا من طريقة السلف، عندما يأتي في أبواب الإيمان وأبواب الصفات على طريقة السلف، لكنه يخالف طريقة السلف فيما يتعلق بمعاملة الولاة، حينئذ لا يكون سلفيًا، لأنه وإن كان سلفيًا في باب لكن لا يقال له بأنه سلفيٌ بإطلاق، ذكر المؤلف من ذلك: (التوحيد والعبادات ونحوها).
(^٢) قوله "وترك الجدال"، الجدال قد يراد به توضيح الحق والاستدلال له، فيكون محمودًا، مرغبًا فيه، وقد يكون المراد به المناقشة العقيمة، والمجادلة بما لا يصل إلى ثمرة، بحيث يكون مقصود كلٍّ من المتكلمين الانتصار للنفس، فحينئذ يكون مذمومًا، أما الدليل على المحمود فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، هذه الآية اشتملت على النوعين: الجدال المذموم، والجدال المحمود، وقال تعالى في الجدال المحمود: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فإذا كان الجدال ليس بالتي هي أحسن فإنه يكون مذمومًا، وإن كان بالتي هي أحسن فإنه يكون محمودًا، فما صفة الجدال المحمود؟ أن يكون المقصود والمراد هو إعلاء الحق وبيانه، وإرشاد الناس إليه، لا الانتصار للنفس، إذا كان المجادل ملتزمًا بالآداب والأخلاق الشرعية، إذا كان المجادل لا يتكلم بلسانه بما يخالف الحق، أو بما يكون منافيًا للأدب.
[ ٢٦ ]
والمراء (^١)، والخوض في علم الكلام، (^٢) وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وصح عن الدارقطني أن قال: ما شيء أبغض إليَّ من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا" (^٣). ا. هـ.
(^١) قوله: "المراء"، المراد بالمراء: الحديث والمجادلة التي لا تصل إلى ثمرة ونتيجة، بحيث يردِّد كل منهما مقالته وينتصر لها، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا) [¬١]، فإن المرء يأتي بالحق ويوضحه ويبينه ويقيم الدليل عليه، وحينئذ يكتفي بذلك.
(^٢) قوله: "والخوض في علم الكلام"، علم الكلام الذي ذمَّةُ السلف الصالح يراد به: الحديث في المباحث العقدية على مقتضى الطرائق اليونانية، طرائق غير المسلمين، فإن الكلام في التوحيد على مقتضى ما ورد في الكتاب والسنة محمود مرغَّبٌ فيه، سواء كان بالدلالة الشرعية المجردة، أو بالدلالة العقلية الموافقة لها؛ لأن القرآن قد اشتمل على أعلى الأدلة العقلية الواردة في المباحث العقدية، انظر في آخر سورة (يس)، فإنها حجج عقلية ترشدك إلى الإيمان بالبعث يُذْعِنُ لها كل عاقل منصف.
(^٣) قوله: "صح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إليَّ من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبدًا"، الذهبي يثني على الدارقطني، يقول: "لم يدخل الدارقطني في علم الكلام ولا الجدال، بل كان سلفيًا".
_________________
(١) [¬١] أخرجه أبو داود (٤٨٠٠).
[ ٢٧ ]
وهؤلاء هم (أهل السنة والجماعة) المتبعون آثار رسول الله ﷺ وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأهل السنة: نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس" (^١) ا. هـ.
فالزم السبيل، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].