(^١) قوله: "وأما الأدب فينبغي لك أن تعلم شيخك أنك ستكتب .. "، أي: عند الكتابة ينبغي للطالب أن يخبر الأستاذ، فيقول: أستأذنك في الكتابة، وهذا من الآداب المستحبة.
(^٢) قوله: "وأما الشرط فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من دروسه"، فتقول: أنا سمعته يقوله حفظًا، وأنا سمعته يقوله من كتابه، فيبين أحوال الشيخ حال الرواية؛ لأن الراوي عندما يعلم بأنه يكتب عنه يتحفظ في كلامه غاية التحفظ؛ لأن ما سيقوله سيبقى.
(^٣) هذا فصل مهم من فصول هذه الرسالة: هجر المبتدع وعدم التلقي عنه، والمؤلف له رسالة في باب هجر المبتدع.
نشير إلى شيء من القواعد المتعلقة بهذا الأدب:
القاعدة الأولى: أن البدعة تؤثر على ذهن الإنسان، فلا يتمكن من التمييز والفهم كما يتمكن صاحب السنة وصاحب المعتقد الصحيح؛ وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الفهم والعلم فيه إمداد من الله ﷿ لبعض عباده، فالله - جل وعلا - يزيد بعض العباد فهمًا وعلمًا على غيرهم، وكلما قرب الإنسان من السنة وابتعد عن البدعة كان فهمه أكثر.
الأمر الثاني: أن أهل السنة عندهم طمأنينة وسكون، وبالتالي فاضطراب النفس ليس موجودًا عندهم، واضطراب النفس يؤثر على قدرة الإنسان على العلم والتعلم، ولذلك فنحن نختار أهل السنة؛ لما لديهم من اليقين والطمأنينة والسكينة. =
[ ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأمر الثالث: أن العلوم يرتبط بعضها ببعض، والمسائل يرتبط بعضها ببعض، فعندما تأتي للمبتدع قد لا يثير عندك البدعة، لكنه يتحدث في أثر من آثارها، وبالتالي تظن انقطاع الصلة بين هذه المسألة ومسألة البدعة، بينما في حقيقة الأمر بينهما ترابط، أضرب لهذا مثلًا: في أصول الفقه عندما يأتيك ويبحث لك مسألة: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ فيأتيك المعتزلي ويقول: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده. ولا يذكر منشأ مخالفته، وهو أنهم يقولون بأن الأمر تشترط له الإرادة - يعني الإرادة الكونية - بناءً على مذهبهم في القدر بنفي خلق الله لأفعال العباد، ويأتيك الأشعري في هذه المسألة ويقول: الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة اللفظ بناءً على بدعتهم في قولهم: الكلام هو المعاني النفسية بينما مذهب أهل السنة والجماعة: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى وليس من طريق اللفظ، فعندما تذهب إلى العالم المبتدع فتدرس عليه هذه المسألة لا يشير إلى الأساس العقدي لها، فمن ثم سينطلي عليك الباطل في هذه المسألة.
هكذا أيضًا في مبحث النحو، هناك مسائل نحوية لها علاقة بمباحث عقدية، فعندما تأتي إلى نحوي مبتدع قد يأتيك بأثر البدعة، وتنطلي عليك، ولا يذكر لك أساس البدعة، ومن هنا لا تربط بين الأساس والأثر، والنحو فيه مسائل كثيرة مبنية على أمور عقدية، مثال ذلك: يقول القائل: حرف (لن) يدل على النفي المؤبد، ويكرر لك هذا الأمر، ويمثل يقوله تعالى: مثلًا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، ويقول: هذا للنفي المؤبد، فتنطلي عليك وتستقر في نفسك، حتى إذا جاءك قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، نفيت الرؤية في الدنيا والآخرة، من أين نشأ هذا القول الفاسد بنفي رؤية المؤمنين الله في الآخرة؟ نشأ هذا القول من استقرار هذه المعلومة في ذهنك: (أن لن للنفي (المؤبد) التي أخذتها من هذا المبتدع.
الأمر الرابع: أن في أخذ الناس عن المبتدع رفعًا لشأنه عندهم، ومن ثم يقبل الناس عليه فيأخذون ما لديه من غث وثمين، صحيح أنت لم تدرس عنده إلا النحو، لكنك بدراستك عنده وضعت له مكانة، فأقبل الناس عليه، فدَرَسُوا المعتقد والأصول والفقه والنحو عنده، وحينئذٍ تكون سببًا في ضلال غيرك لأخذه من هذا المبتدع. =
[ ١٠٣ ]
احذر (أبا الجهل) المبتدع (^١)، الذي مَسَّهُ زيغ العقيدة (^٢)،
= الأمر الخامس: أن ارتباطك بالمبتدع ودراستك عليه يجعل الناس ينسبونك إلى تلك البدعة التي عند هذا المعلِّم، صحيح أنت لم تدرس عنده إلا هذا العلم، لكن الناس شاهدوك عنده، وشاهدوك تتعلم منه، فحينئذ قد ينفرون منك؛ لأنهم يظنون أن البدعة التي عند الشيخ انتقلت إليك.
والبدعة أخف من الشرك، فإذا كان هذا التحذير من المبتدع، فالتحذير من أهل الشرك من باب أولى، فإذا وُجِد من يعرف النحو لكنه يصرف العبادة لغير الله، ويذهب إلى الولي فيدعوه من دون الله فهذا أولى بالهرب منه، ولا يصح أن يُجْعَل له مكانة ومنزلة.
والبدعة هي الطريقة المخترعة في الدين بأن ينسب إلى الدين ما ليس منه، وقد تكون البدعة في المعتقد وهي أشد، وقد تكون في العمل ..
(^١) فقوله: "احذر أبا الجهل المبتدع" لأن المبتدع إنما نشأ ابتداعه من أمور من الجهالات؛ إما بتأخير النصوص وعدم تحكيمها، أو لكونه يتحكم في الأخذ من النصوص بما يراه، فهو ينتقي من النصوص ما يوافق بدعته، ولا يجعل اعتقاده تابعًا للنص، ثم هو أيضا ثالثًا يحرِّف دلالات النصوص لتتوافق مع بدعته، وهذا كله جهل؛ إما جهل بسيط أو جهل مركب، والجهل البسيط ألا يكون لديك معلومة لا بإثبات ولا بنفي، فعندما أسألك: هل زيد خلف الجدار؟ تقول: لا أعلم، هذا جهل بسيط، والجهل المركب أن يكون علمك مخالفًا للواقع، كما لو قلت: زيد خلف الجدار؟ فقال: نعم خلف الجدار، وهو ليس كذلك، هذا جهل مركب. والمبتدعة لا يخلون من أحد هذين الجهلين.
(^٢) فقوله: "مسه زيغ العقيدة" الزيغ هو الميلان، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧].
[ ١٠٤ ]
وغشيته سحب الخرافة (^١)، يُحكِّمُ الهوى ويُسَمِّيه العقلَ، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟! ويستمسك بالضعيف، ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضًا: (أهل الشبهات)، و(أهل الأهواء)، ولذا كان ابن المبارك رحمه الله تعالى يسمى المبتدعة: (الأصاغر) (^٢).
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهاتِ (العقل)، فاعلم أنه أبو جهل (^٣)،
(^١) قوله: "وغشيته سحب الخرافة"، الخرافة هي الكلام المتخيل غير الواقع، ومنه الأدلة غير الصحيحة، ويقولون أن منشأ الخرافة رجل بهذا الاسم، كان يحدث أن الجن أخذوه، ووقع بينه وبينهم ما وقع من حوادث ووقائع، فكان يروي أحوالهم ووقائعهم، فسمي كل كلام غير مقبول بهذا الاسم، يقال: حديث خرافة.
(^٢) قوله: "يحكم الهوى … "، يعني يُقدِّم ما ترغبُه نفسه، أو ما يراه بعقله، ويُسمي هذا الهوى الذي في قلبه العقل، وهو ليس من العقل في شيء، ويعدل عن النص، والعقلُ في النص، من جاء بكلام يقول بأنه مقتضى العقل يخالف النص، فإن كلامه جهل وليس بعقل، ولذلك صاحب الهوى إذا ورد عليه الدليل الضعيف الذي يوافق هواه أخذ به، وإذا ورد عليه الدليل القوي الذي يخالف هواه تركه وأوَّله وحرَّفه، وهؤلاء يقال لهم أهل الشبهات؛ لأن الشياطين ألقوا في قلوبهم شبهات ظنوها معقولات، فجعلتهم يتركون النصوص من أجلها، وأهل السنة يسمّون هؤلاء: أهل الأهواء؛ لأنهم يقدمون هواهم على مدلول النصوص، ولذلك كان ابن المبارك يُسمِّيهم (الأصاغر).
(^٣) قوله: "وقال الذهبي: إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث … "، ذكر أن الناس منهم من يقول: الحجة في المطالب العقدية العقل،=
[ ١٠٥ ]
وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حَلَّ فيه، إن جبنت (جبنت يعني ضعفت، وخفت) منه فاهرب، وإلا فاصْرَعْهُ، وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه" (١) [¬١] ا. هـ.
= ويقصد ما يراه بعقل نفسه، فهذا مبتدع، وليقولن قائل: كيف تردون دلالة العقل، فنقول له: لأننا لا نرد دلالة العقل الصحيحة، وإنما المخالف يريد أن يجعل قناعاته هي العقل، بينما عقله يمكن أن يكون فيه شبهة أوْرَدَتْهُ للخطأ في المعتقد، ويمكن أن تكون الشياطين ألقت في عقله وساوس جعلته يبتعد عن الحق، ويمكن أن يكون قد خفي عليه بعض وجه الحق الخفاء دليله، فظن أن ما لديه هو العقل.
* قوله: "وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل والعقل .. " مثل ذلك ما إذا جاءك أهل التصوف، وقالوا نسير على الذوق والوجد والإلهام، وما يلقيه الله في قلوبنا، فهؤلاء أيضًا مبتدعة؛ لأن الشياطين تُلْقِي في قلوبهم وساوس يظنونها إلهامًا، وقد يأتيهم الشيطان، ويقول: أنا ملك، فيأخذون منه، وحينئذٍ احذر من عدوك الشيطان؛ لأنه قد يلقي في قلبك وفي عقلك وساوس تظنها أدلة عقلية ويقينية، وما هي إلا جهالات، ومن هنا ينبغي أن تتخذ الأسباب التي تجعلك لا تستجيب لوساوس الشيطان؛ ومن ذلك: أن تكثر من قراءة القرآن، وأن تكثر من التهليل، وأن تكثر من ذكر الله؛ لئلا يلقي الشيطان في قلبك هذه الشبهات فتكون من المبتدعين.
_________________
(١) [¬١] سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢.
[ ١٠٦ ]
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه - أي ابن أبي عصرون - مع أخي أبي عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن أناسًا يقولون: إنك أشعري، فقال والله ما أنا أشعري. هذا معنى الحكاية" (^١) [¬١].
وعن مالك رحمه الله تعالى قال: "لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به" (^٢) [¬٢].
(^١) قوله: "وقال أيضًا: وقرأت بخط الشيخ الموفق .. " ذكر المؤلف حادثة الموفق مع أخيه أبي عمر والد صاحب الشرح الكبير، وذكر أنهم قابلوا شيخهم بعد انقطاع، فقال لهم: لِمَ انقطعتم عني؟ قالوا: قد قيل إنك أشعري، فلما قيل لهم إنه أشعري تركوه ودرسه.
(^٢) قوله: "وعن مالك رحمه الله تعالى قال: .. "، الإمام مالك يقول: أربعة لا يؤخذ العلم عنهم: أولهم: سفيه، وهو الذي يتصرف بتصرفات غير محسوبة النتائج، ولا يفكر في عواقب تصرفاته، وإن كان أروى الناس. وكذلك لا يؤخذ العلم عن صاحب بدعة يدعو إلى هواه؛ إذ قد يلتصق بنفسك ما عنده من بدعة. وكذلك لا يؤخذ العلم من الكذاب الذي يكذب في حديث الناس، وإن كان لا يكذب في الحديث النبوي أو في العلم، لأن من تجرأ على الكذب على الناس فإنه قد يتجرأ على الكذب في الأحكام الشرعية. وكذلك من كان سيء الحفظ فإنه لا يؤخذ منه، ولو كان عابدًا فاضلًا صالحًا.
_________________
(١) [¬١] سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٢٩. [¬٢] سير أعلام النبلاء ٨/ ٦٧.
[ ١٠٧ ]
فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار؛ فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجئ، أو قدري، أو قُبُوري .. وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال - صحيح العقد في الدين متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر - إلا بهجر المبتدعة وبدعهم (^١).
وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقيدات فيها.
فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع، وبدعته، ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.
وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع، فينصرف، وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى (م سنة ١٣٨٩ هـ) انصرافه عن الصلاة على مبتدع (^٢).
(^١) قوله: "فيا أيها الطالب .. ". قال المؤلف: طلبة العلم على صنفين:
الصنف الأول: من كان يختار مشايخه فهذا يُوصَى بأن لا يأخذ العلم عن مبتدع، واستند المؤلف في هذا إلى كلام الأئمة في التحذير من المبتدعة، والتحذير من الاقتراب منهم، والتوجيه بمنابذتهم، والابتعاد عنهم، وكان السلف يحتسبون تحقير أهل البدع، ويحذرون من مخالطتهم ومؤاكلتهم.
(^٢) قوله: "وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع"، ذكر أن الشيخ محمد بن إبراهيم ترك الصلاة على مبتدع، والصلاة على أصحاب الكبائر والذنوب والبدع يُشْرَع =
[ ١٠٨ ]
وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطَّافة.
وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار؛ لأنه باغ، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فهو باغ ببدعته (^١) [¬١].
وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور: "أظنك صاحب بدعة"، وأمر به فأُخْرِجَ (^٢) [¬٢].
وأخبار السلف متكاثرة في النفرة من المبتدعة وهجرهم،
= أن يتركها أهل الفضل والمكانة، من أجل أن يحذر الناس مما لدى هؤلاء من المعاصي والبدع، فقد ترك النبي ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، وعلى الغال، وعلى من عليه دين، وأذن لأصحابه بأن يصلوا عليه، من أجل أن يحذر الناس من فعل هؤلاء.
(^١) قوله: "وكان سهل بن عبد الله"، ذكر المؤلف رأي سهل بن عبد الله في أكل المضطر المبتدع من الميتة، وهذا اجتهاد منه ﵀، وقد لا يوافقه غيره في هذا.
(^٢) قوله: "وكانوا يطردونهم من مجالسهم .. "، وقد أمر الإمام مالك بإخراج من سأل عن كيفية الاستواء.
_________________
(١) [¬١] تفسير الثعلبي ٢/ ٤٦، وتفسير البغوي ١/ ١٨٤. [¬٢] شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٣٩٨، حلية الأولياء ٦/ ٣٢٥، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٤٠٨.
[ ١٠٩ ]
حذرًا من شرهم، وتحجيمًا لانتشار بدعهم، وكسرًا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي، والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا (^١).
ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطالب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا.
فيا أيها الطالب، كن سلفيًا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلًا (^٢) يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول - وهو (عسل) مقلوب - (^٣) وهطول الدمعة، وحسن البزة،
(^١) قوله: "حذرًا من شرهم": أي: الفائدة من هجر أهل البدع هي:
أولًا: لئلا يقع في نفسك شيء من بدعهم، بدون أن تشعر.
وثانيًا: تحجيم لانتشار بدعهم؛ لأن الناس إذا رفعوا شأن المبتدع بدءوا يأخذون منه في بقية العلوم، فانتشرت البدع التي لديهم.
ثالثًا: كسر لنفوسهم، بحيث لا يصبح لهم مكانة ولا منزلة، فمن ثم لا يتمكنون من نشر البدع.
ورابعًا: هرب من تزكية المبتدعة خصوصًا عند المبتدئين.
(^٢) قوله: "كن سلفيًّا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك؛ فإنهم يوظفون بالاقتناص والمخاتلة سبلًا"، فالمبتدعة يريدون أخذ طلاب العلم، وإبعادهم عن طريق السلف، وبالتالي قد تجد عندهم كلامًا طيبًا لينًا سهلًا؛ من أجل اقتناص الطلاب.
(^٣) قوله: "وهو عسل مقلوب"، يعني لَسْع كلامه عسل في الظاهر، لكن في حقيقته مقلوب عسل، يعني لسع، وقد يظهرون لك هطول الدمعة وحسن الثياب والإغراء بالكلام البلاغي، وقد ينقلون روايات عن الكرامات ونحو ذلك، فلا تغتر بهؤلاء.
[ ١١٠ ]
والإغراء بالخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.
أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تَسَل (^١).
وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافيًا، وإلا فليبك على الدين من كان باكيًا.
وما ذكرته لك هو في حالة السَّعة، والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه مع الاستعاذة من شرِّه باليقظة من دسائسه على حد قولهم: "اجْنِ الثمار وأَلْقِ الخَشَبَةَ في النار"، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره، وتتقي شره، وتكشف ستره (^٢).
(^١) قوله: "أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تَسَلْ"، لأن عندهم ميراث النبوة قد أخذوه، وعندهم السنة والتوحيد.
(^٢) قوله: "وما ذكرته لك هو في حالة السعة والاختيار": أي ما سبق في القسم الأول: وهو من يختار شيوخه.
القسم الثاني: من كان في دراسة نظامية، وبالتالي يُلْزَم بأن يدرس على هذا المبتدع، فحينئذ يدرس الإنسان عليه وينتقي معلوماته، ويقارنها، ويتيقظ من دسائسه، ولا يقول الإنسان: سأتوقف عن التعلم من أجل هذا المبتدع، والمؤلف يخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف.
[ ١١١ ]
ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لِمَ تحدث عن مُرْجئٍ؟ فقال: "أبيعكم اللحم بالعظام" (^١).
فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة؛ إذ بين فقال: "وكان مرجئًا".
وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في "العقيدة السلفية" لشيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة ٤٤٦ هـ)، قال رحمه الله تعالى: "ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب ضرَّت وجرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله ﷿ قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] " (^٢) ا. هـ.
وعن سليمان بن يسار: (أن رجلًا يقال له: صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر ﵁، وقد أعد له عراجين
(^١) قوله: "ولم تحدث عن المرجئي؟ "، أي ما يتعلق بالحديث عن المرجئ، قيل لأبي عبد الرحمن المقرئ: "لِمَ تحدث عن المرجئ؟ قال: أبيعكم اللحم بالعظام"، يعني أترك اللحم الذي تستفيدون منه، ثم أحدثكم بالعظام، أي أنني أوضح حاله وأكشف بدعته.
(^٢) قوله: "ويبغضون أهل البدع .. "، ذكر المؤلف نقلًا عن الصابوني فيما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا، وجماعة من الصحابة والتابعين.
[ ١١٢ ]
النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجونًا من تلك العراجين، فضربه حتى دمي رأسه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين) [¬١].
وقيل: كان متهمًا برأي الخوارج.
والنووي رحمه الله تعالى قال في كتب "الأذكار": "باب: التبري من أهل البدع والمعاصي" [¬٢].
وذكر حديث أبي موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ برئ من الصَّالِقَة، والحالِقة، والشَّاقَّة) [¬٣]، متفق عليه، وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم.
والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرَّرَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع.
والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم، وفشا الجهل (^١)،
(^١) قوله: "والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون إذا قلَّ العلم وفشا الجهل"، فلذلك علينا أن نحتسب الأجر في بث العلم، وتعليم الناس من أجل أن ننفي هذه البدع.
_________________
(١) [¬١] أخرجه الدارمي (١٤٤). [¬٢] أخرجه مسلم (٨). [¬٣] أخرجه البخاري (١٢٣٤)، ومسلم (١٠٤).
[ ١١٣ ]
وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال" (^١). ا. هـ.
فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسَّلامُ (^٢).
(^١) قوله: "يقول شيخ الإسلام (فإن هذا الصنف - يعني أهل البدع - يكثُرُون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، فيكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال) "ا. هـ.
(^٢) قوله: "في إذا اشتد ساعدك في العلم"، أي: إذا استفدت العلم فقم بقمع البدع، وبيان مخالفتها للشرع، وإذا أمكن ألا تقيم للمبتدع وزنًا بعدم ذكر اسمه فهو أولى وأحسن؛ لأن ذكر الموحِّد للمبتدع يرفع من شأنه هل تعرفون حفص الفرد؟ هل تعرفون بشرًا المريسي؟ هؤلاء مبتدعة، ذكر الأئمة أسماءهم فعُرِفت واشتهرت، حتى لو بحثت عن ترجمة هؤلاء فإنك لا تجد لهم ترجمة، هناك مبتدعة كثر لم يلتفت إليهم، ولم يتكلم الأئمة بأسمائهم، فلم يكن لهم ذكر ولا تاريخ، ولذلك إذا كان المبتدع يمكن إهماله وعدم ذكر اسمه فهو أولى، نأخذ ما لديه من البدع، فنكشفها ونبين زيفها، ونبين المعتقد الصحيح في مثل ذلك، وبذلك نكون قد رددنا الهدف الذي يقصده، وكم من شخص يتكلم بالبدعة من أجل أن يشتهر ويُعْرَف، فعامله بنقيض قصده، بإهماله وعدم ذكر اسمه.
[ ١١٤ ]