كما أن العرق دساس، فإن "أدب السوء دساس"؛ إذ الطبيعة نقَّالة،
(^١) هذا هو الأدب الثالث والعشرون لطالب العلم: اختيار القرين الذي يعين الإنسان في طلب العلم، والبعد عن قرين السوء الذي يُشْغِل الإنسان عن طلب العلم، وقد جاءت النصوص الشرعية بالترغيب في اختيار قرناء صالحين يعينون الإنسان على الخير، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة) [¬١].
وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [¬٢]
وقال جل وعلا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ومن هنا جاءت الشريعة في الترغيب في اختيار الأصدقاء الطيبين، والمرء يستفيد من اثنين في مسألة القدوة:
أولهما: من يراه مثلًا له فحينئذٍ يقتدي به، ومن هنا جاءت الشريعة بالاقتداء بالنبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ثانيهما: من يخالطه ويظهر هذا فيما يتعلق بالأصدقاء، فإن الصديق يأخذ المرء من أخلاقه من حيث لا يشعر.
_________________
(١) [¬١] متفق عليه البخاري (٥٥٢٤)، ومسلم (٢٦٢٨). [¬٢] أخرجه الترمذي (٢٣٧٨)، وأبو داود (٤٨٣٣).
[ ١١٥ ]
كما أن العرق دساس (^١)، فإن "أدب السوء دساس" (^٢)؛ إذ الطبيعة نقَّالة (^٣)، والطباع سرَّاقة (^٤)، والناس كأسراب القطا مجبولون
= كما أن من فوائد القرين التعاون معه على الخير، ومن ذلك طلب العلم، والناس عندما يتعاونون على الحق والخير يستمرون على ذلك، وإذا انعزل الإنسان ولم يجد له معاونًا على الخير قد تضعف نفسه، لكن إذا وجد أخًا له كلما ضعفت نفس أحدهما قوَّته القوة الموجودة في نفس الآخر، وبالتالي يستمرون على العمل الصالح، ومن ذلك طلب العلم، فإن النفس ملولة، فإذا وجدت طالبًا يعينك على طلب العلم فتمسك به، وحينئذ كلما ملت نفسك انتقلت إلى زميلك ليقوم بتنشيط نفسك على طلب العلم، ثم إن إبقاء النفس على حال واحدة يجعلها تمل، وذلك أن المرء إذا قرأ وحده وذاكر وحده تمل نفسه، فإذا وجد أصدقاء خير يذاكر معهم مرة ويذاكر وحده مرة ابتعدت عنه السآمة، فإذا ملَّت النفس انتقل إلى قرنائه فذاكر معهم.
(^١) قوله: "فإن العرق دساس"، يعني: أن العرق ولو كان خفيًا فإنه يؤثر على ما يمتد إليه ذلك العرق، وقد ورد هذا في حديث [¬١]، ضعفه كثير من أهل العلم، وهذا في الزوجة، وذلك أن النبي ﷺ أمر باختيار الزوجة التي من منبت طيب، وذكر أن العرق دساس.
(^٢) قوله: "فإن أدب السوء ساس"، يعني: أن صديق السوء يؤثر على صديقه.
(^٣) قوله: "إذ الطبيعة نقَّالة"، يعني: أن الطبائع والأخلاق تنتقل من شخص إلى آخر.
(^٤) قوله: "والطباع سرَّاقة"، يعني: أن النفوس تقتدي بمن حولها، وتفعل مثل أفعالها ولو من حيث لا تشعر، والناس مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.
_________________
(١) [¬١] أخرجه ابن عدي ٨/ ٣٤٩ من حديث أنس، بإسناد معلول، كما أخرجه ٧/ ٣٨٣ من حديث ابن عمر، بسند ضعيف فيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف.
[ ١١٦ ]
على تشبُّه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك (^١)، فإنه العطب (^٢) و"الدفع (^٣) أسهل من الرفع" (^٤).
وعليه (^٥)، فتخير للزمالة والصداقة مَنْ يُعينُك على مطلبك (^٦)،
(^١) قوله: "فاحذر معاشرة من كان كذلك"، يعني: من كان سيئًا.
(^٢) قوله: "فإنه العطب"، يعني: سبب الهلاك دنيا وآخرة.
(^٣) قوله: "والدفع"، بترك صحبة هؤلاء ابتداءً.
(^٤) قوله: "أسهل من الرفع"، الذي هو مصاحبتهم ثم قطع تلك الصحبة، فقبل أن تصاحبهم امنع نفسك من مصاحبتهم، فإن نفسك إن تعلقت معهم قد تعجز عن قطع تلك الصحبة، ونضرب لذلك أمثلة:
المثال الأول: أصحاب المخدرات والخمور إذا صاحبهم الإنسان فإنهم سيجرونه إلى فعلهم شيئًا فشيئًا حتى يُبتلى بهذا الأمر، ويكون مماثلًا لهم، وإن كان في الأول يقول: لن أقدم على فعل هذه الأمور، لكنه مع الزمن تضعف نفسه قليلًا قليلًا.
مثال ثان: أصحاب المعاصي؛ فإنهم يجرون صاحبهم إلى معاصيهم، كالفواحش، والنظر في وجوه النساء، والتلذذ بالحديث معهن، فإن من صاحب من كان كذلك أصبح مثلهم.
مثال ثالث: أصحاب اللعب واللهو، من صاحبهم شاركهم في ذلك، وقد يلهيه ذلك عن التعلم.
- وقوله: "الدفع أسهل من الرفع"، هذه قاعدة فقهية، والدفع منع الشيء من الوقوع قبل وقوعه، والرفع إزالته بعد حصوله.
(^٥) قوله: "وعليه"، يعني: بناءً على ما سبق.
(^٦) قوله: "فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك"، يعني: على الهدف الذي تقصده.
[ ١١٧ ]
ويقرِّبك إلى ربك (^١)، ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك.
وخذ تقسيم الصديق في أدق المعايير (^٢):
١ - صديق منفعة (^٣).
٢ - صديق لذة (^٤).
(^١) قوله: "ويقربك إلى ربك، بحيث يكون صديقك معينًا لك على طاعة الله، ومن أعظم أنواع الطاعة - كما سبق - طلب العلم، فاختر الصديق الذي يعينك على التقرب إلى رب العزة والجلال، بأن يكون معينًا لك على طلب العلم، وبالتالي تتوافق الأهداف عندك وعندهم، أما إذا كان يهدف لشيء، وأنت تهدف إلى شيء آخر فحينئذٍ لن يكون بينكما تلك الألفة، إلا أن تنجرف إلى غرضه أو ينجرف إلى مقصدك.
(^٢) قوله: "وخذ تقسيم الصديق .. "، قسم الأصدقاء إلى ثلاثة أقسام:
(^٣) قوله: "صديق منفعة"، مثال ذلك: شخص بينك وبينه تجارة، فهذا صديق منفعة، فحينئذ هذه الصداقة لا حرج على الإنسان فيها، لكنها مرتبطة بهذه المنفعة، إذا انقطعت تلك التجارة انقطعت تلك الصحبة والصداقة، وهذا النوع من الصداقة ليس من المحبة الإيمانية في شيء.
(^٤) قوله: "صديق لذة"، هذا النوع الثاني؛ كمن اجتمعوا على جلسة أو على لعب أو على لهو، فهؤلاء أصدقاء لذة إذا انتهت تلك اللذة أو ملوا منها انقطعت صداقتهم، وقد تكون تلك اللذة لذة مباحة، وقد تكون لذة محرمة فيعظم الإثم بها، وقطع تلك الصداقة أولى للعبد في دنياه وآخرته، وخصوصًا طلبة العلم؛ لأنها وإن كانت لذة مباحة إلا أنها تضيع وقت العبد، وتشغله عن الهدف الذي خلق من أجله.
[ ١١٨ ]
٣ - صديق فضيلة (^١).
فالأولان منقطعان بانقطاع موجبهما، المنفعة في الأول واللذة في الثاني (^٢).
وأما الثالث: فالتعويل عليه (^٣)، وهو الذي باعث صداقته تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما (^٤).
(^١) قوله: "صديق فضيلة"، نوع ثالث، وهو الذي اجتمعت معه على اكتساب فضائل، سواء كانت تلك الفضائل فضائل عملية، كاجتماعهم على صوم أو صلاة أو اعتكاف في مسجد أو نحو ذلك، أو كانت فضائل علمية كطلب العلم عند شيخ أو عالم.
(^٢) قوله: "فالأولان منقطعان .. "، أي: فالصديقان الأولان تنقطع صداقتهما بانقطاع موجب تلك الصداقة، الموجب - بكسر الجيم - هو السبب، بينما الموجَب - بفتح الجيم - هو الأثر، فإذا انقطعت المنفعة عند الأول انقطعت الصداقة، وإذا انقطعت اللذة عند الثاني انقطعت الصداقة، والصداقة فيهما ليست من أسباب الأجر والثواب.
(^٣) قوله: "وأما الثالث فالتعويل عليه"، وبمجرد تلك الصداقة يحصل الأجر العظيم، وقد جاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - وذكر منهم -: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه - يعني على الله محبة وإيمانًا ليعين بعضهما بعضا على طاعة الله - وتفرقا عليه) [¬١]، يعني لما جاءهما سبب التفرّق كانا على المحبة الإيمانية الأولى، وهذا التفرّق قد يكون بسفر، وقد يكون بموت، وقد يكون بسبب آخر من الأسباب.
(^٤) قوله: "وهو الذي باعثُ صداقتهِ تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما"، السبب في هذه الصداقة: رغبة كل منهما أن يتبادلا في الخير، وأن يعين بعضهما بعضا في رسوخ الفضائل، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (قال الله ﵎: وجبت محبي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ) [¬٢].
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (٢٣٩١). [¬٢] أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٥٣.
[ ١١٩ ]
وصديق الفضيلة هذا "عُمْلَة صعبة" (^١) يعز الحصول عليها (^٢).
ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك (م) سنة ١٢٥ هـ) قوله: "ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه" (^٣) ا. هـ.
ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم: "العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زاي الزهد: علة" (^٤).
(^١) قوله: وصديق الفضيلة هذا عُملة صعبة"، يعني أننا لا نجدها في كل وقت، وإنها عسيرة الحصول.
(^٢) قوله: "يعز الحصول عليها"، يعني: يندر.
(^٣) ثم جاء بكلام الخليفة هشام بن عبد الملك: "ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه".
(^٤) قوله: "العزلة من غير عين العلم: زلة، ومن غير زاي الزهد: علة"، كلمة العزلة، تعني انفراد الإنسان وحده، إذا حُذِفَت منها العين أصبحت زلة، ولذلك إذا اعتزل المرء ولم يخالط الآخرين لا بد أن يكون معه علم، كذلك كلمة العزلة إذا حذف منها الحرف الثاني وهو الزاي أصبحت علة، فالعزلة لا بد فيها من علم وزهد، أما إذا انعزل الإنسان وحده وكان غير عالم أصبح عنده جهل، ومن ثم يؤدي ذلك إلى ضلال بكونه يتقرب إلى الله بطرائق جاهلية؛ وبطرائق الجُهَّال، وكذلك العزلة وانفراد الإنسان وحده إذا لم يكن معه زهد فإنه مرض، وهو سبب من أسباب الأمراض النفسية التي ترد على الإنسان، والعزلة في الأصل غير محمودة وغير مرغوب فيها، فإن النبي ﷺ كان يخالط الناس فينصح ويُعلِّم ويُعطي ويتكرَّم، ويفعل الخير مع غيره، إلا إذا قدر المرء أن خلطته مع غيره ضرر به.
[ ١٢٠ ]