من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك (^٢)، الرقيب على جوارحك،
(^١) القسم الخامس من أقسام آداب طالب العلم: الآداب المتعلقة بحياته العملية، وذكر الأدب الرابع والعشرين: وهو كبر الهمة في العلم، بحيث يكون مقصود الإنسان من التعلم مقصودًا كبيرًا، ولا يقتصر على الهدف الضعيف القليل، جاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) [¬١]، فلم يقتصر في الهمة في الجنة بأدنى درجاتها، بل رغب في أعلى الدرجات، وكِبْرُ الهمَّة في العلم بكون المرء يقصد بتعلُّمه وجه الله والدار الآخرة، ويكون هدفه تحصيل جميع العلوم التي ترضي رب العالمين، فلا يستصغر قدرته عند علم من العلوم، وإنما يبذل من الأسباب ما يجعله يحصل علمًا كبيرًا، ومن كبر الهمة: أن يعمل في طلب العلم ونشره ليكون ممن يأتي يوم القيامة بأجور خلق كثيرين، وأضرب لذلك مثلًا: في المدارس النظامية، إذا جاء طالب ورغب أن يكون عنده معدّل تام، بأن يحصل مائة في المائة، فإنه حينئذ يبذل سببًا كثيرًا، وقد لا يحصِّل إلا خمسة وتسعين لكن حصَّل شيئًا كثيرًا، أما من قصد النجاح فقط، وكانت همته أن يتجاوز المقرر، ففي غالب أحواله لن يتمكَّن من النجاح.
(^٢) قوله: "من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة"، بحيث يكون مقصود الطالب أعلى الدرجات، وكبر الهمة هو مركز السالب والموجب في شخصك"، فهو الذي يدفعك إلى اكتساب الفضائل العالية، وهو الذي يجعلك تراقِبُ جوارحك بحيث لا تعصي الله بها.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٩٨٧).
[ ١٢١ ]
كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ (^١)، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة (^٢) والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور.
والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتثُّ منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة (^٣)، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهامة (^٤).
(^١) قوله: "كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ"، يعني: غير مقطوع وغير منقطع.
(^٢) قوله: "لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة"، أي: يجعلك تواظب وتبذل من نفسك في ميدان العلم والعمل، فحينئذ تصبح ممن قصر نفسه على أفضل الأعمال، ولا يجعلك تتوجه إلى الأمور التَّوافه، ولا تشغل وقتك بما لا تنتفع به.
(^٣) قوله: "التحلّي بها يسلب من سفاسف الآمال .. "، التحلي بكبر الهمَّة يبعد عنك الأمور التي لا قيمة لها من الآمال والأعمال، فسفاسف الآمال والأعمال بعيدة عنك، وكِبَر الهمة يُبعِدُ عنك شجرة الذل والهوان؛ لأنه يجعلك تمضي في الحق والخير ويبعد عنك التملق والمداهنة؛ لأنك قد لاحظت رب العزة والجلال فلن يؤثر فيك مطالعة الناس لعملك.
(^٤) قوله: "فكبير الهمة ثابت الجأش"، بحيث يكون قويًا شديدًا، لا ترهقه أدنى حركة، فسماع الأصوات ومشاهدة الأشخاص لا تجعله يتزعزع عن موقفه، ففاقد كبر الهمة تجده يخاف من كل صوت وأدنى رعدة تجعله يبعد عما يقصده من الخير ومن العمل الصالح، بل صغر الهمة يجعل الإنسان لا يتمكن من الكلام لمجرد أدنى كلمة تقال فيه.
[ ١٢٢ ]
ولا تغلط فتخلط بين كِبَر الهمة والكِبْر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع (^١).
كِبَر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكِبْر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء (^٢).
فيا طالب العلم ارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك (^٣)، لتكون دائمًا على يقظة من
(^١) قوله: "ولا تغلط فتخلط بين كِبَرِ الهمة والكِبْر"، كبر الهمة أن يكون هدفك عاليًا، والكبر: تَرَفَّع عن الخلق وعدم قبول بالحق، فإن بين الكبر وكبر الهمة فرقًا كبيرًا "كالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع"، الرجع التي تأتي فيها السحب، والأرض ذات الصدع: التي تتصدَّع من أجل جذور النبات فيها.
(^٢) قوله: "كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء"، وهم العلماء، لكن الكبر ليس من صفة العلماء، بل هو "داء للمرضى الذين ابتلوا بعلة الجبابرة البؤساء".
(^٣) قوله: "وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك"، أحكام الشرع تُرغِّبكَ في كبر الهمة، وسواء كان في العلم أو في العمل، ففي العمل مثلًا، انظر إلى ترغيب الشارع في الأعمال الصالحة، يقول الله ﷿ في الحديث القدسي: (وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبَّه) [¬١]، جعلك تقصد الجمع بين الفرائض والنوافل كلها، لتجمع محبة ربك لك. وانظر فيما يتعلق بالعلم في قول الله ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فيجعل النفس تطلب كمال العلم والزيادة، طلبت زيادة العلم لكبر همتك.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
[ ١٢٣ ]
اغتنامها، ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا، وعلى هذا فقس، والله أعلم (^١).