إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁:
(^١) قوله: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء .. "، أي: انظر لمسألة إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، عندما لا تجد ماء يجوز لك أن تتيمم، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، لو قُدِّر أن هناك شخصًا معك، وقال: خذ ثمن الماء واشتر به ماءً، نقول: لا يلزمه أخذ هذا المال، ويجوز له التيمم؛ لأن في أخذ هذا المال منة من المعطي على المَعْطَى، وهذا ينال من الهمَّة، ويُنْقِص من همة الإنسان، ولذلك قال النبي ﷺ: (اليد العليا خير من اليد السفلى) [¬١]. وقال: (المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف) [¬٢].
(^٢) الأدب الخامس والعشرون من آداب طالب العلم: "النهمة في الطلب"، بحث تستمر الرغبة في طلب العلم مع الإمكان، ولا يقنع بالقليل منه، وتستمر معه هذه الرغبة، وقد جاء في الخبر أن طالب العلم لا يُشْبع نهمته مهما حصَّل من العلم، (واثنان منهومان لا يشبعان) [¬٣]، ذكر منهما: طالب العلم، ومن هنا فإن طالب العلم لا تتوقف رغبته عند حد؛ لأن العلم بحر لا ساحل له، ومن هنا فالمرءُ يحرص على تحصيل أكبر قدر منه، وبعض =
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨). [¬٢] أخرجه مسلم (٢٦٦٤). [¬٣] أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/ ١٨٠ (١٠٣٨٨)، والحاكم ١/ ١٦٩ (٣١٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٠) ص ٣٠٠.
[ ١٢٤ ]
(قيمة كل امرئ ما يحسنه) [¬١]، وقد قيل: ليس كلمة أحضّ على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر، وصوابه: كم ترك الأول للآخر [¬٢].
= الناس يقول بأنكم يا أيها الطلاب لن تأتوا بشيء جديد، وحينئذ فلماذا تنهكون أنفسكم بطلب العلم، فيقال لهم:
أولًا: نحن نطلب العلم، وتزداد رغبتنا فيه من أجل إرضاء رب العزة والجلال، ومن أجل دخول الجنة، فلو قُدِّر أننا لن نأتي بشيء جديد فنحن سنحصل على الأجر والثواب.
الأمر الثاني: أن الله - جل وعلا - من رحمته بعباده أن جعل أهل العلم يعرفون ويكتشفون في كل زمان ما عجز عنه الأوائل، فهذا من رحمة الله؛ حتى يستمر العلم، وتستمر النهمة في طلبه.
الأمر الثالث: أن الناس تنتابهم أوقات الجهالات يُنسى فيها العلم، فالعالم وإن لم يأت بشيء جديد، إلا أنه يرشد الأمة إلى طريقتها الأولى طريق النبوة.
الأمر الرابع: أنه ما من زمان إلا وفيه أناس يبثون الشبهات على الخلق، فطالب العلم هو المخوّل لكشف هذه الشبهات، والرد عليها، فحينئذٍ كان الأولى أن يقال: كم ترك الأول للآخر!، وحينئذٍ لنستكثر من ميراث النبي ﷺ، فإن ميراث النبي ﷺ هو العلم، لقوله: (العلماء ورثة الأنبياء) [¬٣].
_________________
(١) [¬١] جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٤١٦، ترتيب الأمالي الخميسية للشجري ١/ ١٧٧. [¬٢] جامع بيان العلم ١/ ٤١٦. [¬٣] أخرجه الترمذي (٢٦٨٢)، وأبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣).
[ ١٢٥ ]
فعليك بالاستكثار من ميراث النبي ﷺ، وابذل الوسع في الطَّلب والتَّحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: "كم ترك الأول للآخر! " (^١).
وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من "تاريخ بغداد" (^٢) للخطيب، ذكر من قصيدة له:
لا يكون السَّرِيُّ مثل الدَّنيِّ … لا ولا ذو الذَّكاء مثلُ الغبيِّ
قيمةُ المرءِ كُلَّمَا أن أحْسَنَ المرْ … ء قَضَاءً من الإمام عليِّ
٢٦) الرحلة للطلب (^٣):
"من لم يكن رُحْلَة لن يكون رُحْلَة".
(^١) قوله: "وابذل الوسع في الطلب .. "، اطلب علمًا كثيرًا، كذلك ابذل الوسْعَ في التحصيل وفي التدقيق، لا تكتف بأخذ الأقوال فقط؛ بل دقِّق بينها وميِّز بينها، واعرف ما ينفعك منها. "ومهما بلغت في العلم، فتذكر: (كم ترك الأول للآخر!!) ".
(^٢) آداب العلماء والمتعلمين للخطيب البغدادي ص ٢٨، ولم أجده في التاريخ.
(^٣) هذا أدب آخر من آداب طالب العلم: وهو الرحلة في طلب العلم لملاقاة العلماء، وقد قَصَّ الله ﷿ علينا قصة موسى ﵇ عندما سافر إلى الخضر من أجل أن يستفيد منه، وانظر أيضًا في الأخبار رحلات الصحابة عندما كان ينتقل بعضهم إلى النبي ﷺ من أجل طلب العلم، كما في حديث مالك بن الحويرث، وانظر إلى أخبار أبي هريرة عندما انتقل ليسمع من النبي ﷺ، وقصة أبي ذر في صحيح مسلم عندما ارتحل من أجل طلب العلم، وهكذا أيضًا لم يزل علماء الإسلام يرحلون من أجل طلب العلم، وينتقلون من مكان إلى مكان من أجل ذلك الهدف العظيم، فالارتحال لطلب العلم يحدث به عدد من الفوائد: =
[ ١٢٦ ]
فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليُرْحَل إليه؛ لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم وتعليمهم، والتلقي عنهم لديهم من التحريرات والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائرة في بطون الأسفار (^١).
= الفائدة الأولى: تنويع التلقي عن العلماء، فإن من خالط علماء كثر رأى مناهج مختلفة، وشاهد طرائق مختلفة في التعليم، وفيما يحسنه من العلوم، وفي طريقة التعلّم والتعليم، وفي الكتب التي تُدْرَس، أما من اقتصر على شيخ واحد فلن يحصل له مثل ذلك، إلا أن يكون عالمًا متفنِّنًا في علوم مختلفة.
الفائدة الثانية: أن الراحل في طلب العلم يعوِّد نفسه على التعلم، وعلى الاشتياق لمعرفة العلماء؛ وعلى التفنُّن في العلم، فبذلك تنشط نفسُه في التعلم.
الفائدة الثالثة: أن الراحل المسافر في طلب العلم يجد في وقته فسحة في طلب العلم؛ لأنه سيقلل من أشغاله، وحينئذ يكون ذلك أدعى الحفظه العلم، ولكونه يعي ما يتعلمه.
الفائدة الرابعة: أن الرحلة تجعل الإنسان يخالط قرناء يماثلونه في الهدف والمقصد في طلب العلم، فيكون لذلك أثر عظيم في تنشيط النفس على التعلم.
الفائدة الخامسة: أن المرء عند تنقله من مكان إلى مكان تعرف نفسه قيمتها، ولا يغتر بما كان يظن نفسه عليه من حال جيد قبل سفره ورحلته، ومن ثم تعرف النفس قيمتها، فتبذل ما تستطيعه في تحسين شأنها وتعلية مكانتها عند الله ﷿.
(^١) قوله: "فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليُرحل إليه"، جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يوشك أن =
[ ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة) [¬١]، فهذا فيه دلالة على مشروعية الرحلة لطلب العلم؛ والعلماء قد أمضوا أوقاتًا عديدة، فشاهدوا شيوخًا كثيرين، وعرفوا طرائق في التعلم والتعليم، ولذلك يجد الإنسان عندهم تحريرات؛ بحيث يحررون المسائل ويعرفون المراد بها، وعندهم ضبط للألفاظ وضبط للمسائل ومعرفة الفرق بينها، وكذلك عندهم نكات علمية والمراد بالنكتة العلمية: الشيء العلمي النادر الذي لا يحصله الإنسان عند أي مؤلف أو في أي كتاب وكذلك يحصل الإنسان عند هؤلاء العلماء التجارب، فهم قد مارسوا وعرفوا أحوال الناس، وعرفوا دقائق أمورهم، وقد مرَّت بهم تجارب كثيرة وخبرات عديدة، فالإنسان إذا قرأ في الكتب ولم تمر عليه تلك التجارب فقد يكون حينئذٍ لا يتقن العلم، أضرب لذلك مسألة: في القضاء، من دَرَسَ كتب أهل العلم في باب القضاء، وأتقنها وعرفها وضبطها ضبطًا كاملًا، فإنه تفوته أشياء، بخلاف من مارس القضاء، وأخذ من أصحاب التجارب والخبرة فيه، فإنه ينتبه إلى أشياء ليست موجودة في الكتب، بل في الكتب مرات قد يطلق اللفظ ويراد به غير ظاهره، مثال ذلك: في كتاب الحج قد يطلقون مرات: (وعليه دم)، ويريدون بالدم فدية الأذى التي يُخيَّر الإنسان فيها بين الإطعام أو الصيام أو الذبح، فعندما يجد من ليس لديه خيرة ولا تجربة هذا اللفظ (عليه دم) يخطئ في فهمها فيقول: يتعيَّن الدم، وهذا خلاف مراد الفقهاء [¬٢].
مثال آخر: في كتاب مختصر الخرقي، قال في باب الحج (ومن وطئ قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجهما وعليه بدنة) الخ، هذا كلامهم على وفق طريقتهم الأولى؛ لأنه لا يعقل في زمانهم أن يمر إنسان بمنى فلا يرمي، ولم يكونوا يتصورون أن يتجاوزها الحاج =
_________________
(١) [¬١] أخرجه الترمذي (٢٦٨٠). [¬٢] قال الحجاوي في زاد المستقنع: "فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم، قال البهوتي في شرحه: "أي شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام".
[ ١٢٨ ]
واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطَّالين، الذين يفضلون "علم الخرق" (^١) على "علم الورق" (^٢).
= إلى مكة بدون رمي، لأن منى في الطريق، لكن في زماننا لما تطورت وسائل الانتقال، ووجدت السيارات وينتقل الإنسان من مزدلفة إلى مكة بدون أن يمر بمنى، فقد يطوف ويسعى ويقصر قبل أن يرمي، فيكون بذلك قد تحلل التحلل الأول، وحينئذ نقول: إذا جامع بعد هذا لم يفسد حجه؛ لأنه قد تحلل التحلل الأول، ولم تجب عليه بدنة، ولم يجب عليه الحج من قابل، فمثل هذه الفائدة إذا قرأها الإنسان في الكتاب ولم يتصل بعالم يشرح له ذلك فسينزل الكلام على غير مراد مؤلفه به، فمثل ذلك يدلك على أهمية الأخذ من العلماء والرحلة إليه، وبذلك نكون قد سلكنا طريق التعلم بالرحلة إلى العلماء.
(^١) قوله: "واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين .. "، أي: أهل التصوف الذين من صفتهم البطالة وترك التعلم، فمثل هؤلاء طريقهم مخالف لطريق الشرع؛ لأنهم يفضلون علم الخرق على علم الورق. والخرق قد تفسر بمعنيين: إما الخرقة التي يعطيها الأول للثاني، يعطيها الشيخ لمريده لينتقل إليه التصوف، ويصبح من أهل الولاية وأصحاب السلوك إلى الله بزعمهم، أو أن المراد به أن أهل التصوف يتركون ما الناس فيه من حال فيلبسون ثيابًا مخرقة متقطعة، لكن لعل المعنى الأولى أولى.
(^٢) وقوله: "على علم الورق"، وهو طلب العلم الذي يُسجل في الأوراق، وبهذا تعرف أن منهج أهل السنة والجماعة هو أن يكون الطريق إلى الله مبتدئًا بالتعلم، أما من جاء وجعل الطريق إلى الله في الخروج من بلد إلى بلد لمجرد السفر، ويسمونه السياحة يتقربون به لله، بدون أن يكون المقصد من ذلك السفر هو طلب العلم، أو مقصد آخر موافق لمقصد الشرع، وسمي ذلك في سبيل الله، فإنه ليس على الطريقة السلفية.
[ ١٢٩ ]
وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يَصْنَع بالسماع من عبد الرزاق من يَسْمَع من الخلاق؟! (^١) [¬١].
وقال آخر:
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأسًا وبلاء على الإسلام (^٢).
(^١) قوله: "وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟! "، وذلك أن المتصوفة يرون أن من مصادر التلقي الإلهام والكشف، وهذا طريق باطل لا يصح بناء الأحكام عليه؛ لأن الله لم يأمرنا بالرجوع إلى ما في النفوس من ذلك، وإنما أمرنا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، ولأن ما يُلْقى في النفوس لا يأمن الإنسان منه إذ لا يعرف مصدره؛ لأن الشياطين تلقي في النفوس معنى يظن بعض الناس أنه الخير وأنه الحق، وحقيقة الحال أنه ليس كذلك.
(^٢) قوله: "قال آخر:
إذا خاطبوني بعلم الورق … برزت عليهم بعلم الخرق
فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا"، إذا نظرنا حال المبتدعة وجدناهم يقدمون طريقتهم في الابتداع على نصرة الإسلام، ولذلك يحذر الإنسان من طريقة هؤلاء، وإن كان المرء مأمورًا بكف أذاه عنهم، وعدم إيصال السوء إليهم، لكن ذلك لا يعني صحة طريقهم وإنما هم على خلاف الطريقة المرضية؛ لأن الطريقة المرضية تحصل بالتعلم، لا بهذه الأفعال التي تضيع الأوقات ولا يحصل الإنسان بها شيئًا، ومثل هؤلاء من يأخذ من المنجمين، وأهل الأبراج ومدعي الغيب، والمتخرصة في تفسير الأحلام.
_________________
(١) [¬١] انظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، لمجد الدين الفيروزآبادي ٤/ ٩٠، ومدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٤٣٨.
[ ١٣٠ ]