ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)؛ لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصرٌ لمسافة البحث عند الاحتياج، لاسيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها، مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي (^٢).
(^١) هذه من آداب طالب العلم: تقييد الفوائد الفرائد وكتابتها، فإن الإنسان تمر به حال دراسته مسائل في غير مظانها، وتمر به مسائل وفوائد لا يتوقع مرورها عليه في ذلك الموضع، وكذلك تمر على الإنسان معلومات غرائب، بحيث تلفت ذهنه لفتًا، وتجر نفسه إلى تذكرها ومعرفتها، والإنسان ينسى، فحينئذ يحسن به أن يقيد هذه الفوائد، سواء كانت قريبة عليه أو عزيزة لديه، أو كانت في غير مواطن بحثها، بحيث يسهل عليه مراجعتها، والكتابة للعلم جاءت به الشريعة فقد قال النبي ﷺ: (اكتبوا لأبي شاهٍ) [¬١]، ويدل على هذا أن الله ﷿ قد كتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، ولم يكتف في ذلك بكونه محفوظًا، وجاء في الحديث: (أنه لما قضى الله الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي) [¬٢]، وقد أثرت كتابة عدد من الأحاديث عن جماعة من صحابة النبي ﷺ في عهد النبوة بإقراره ﷺ.
(^٢) قوله: "ومن أجل فوائده أنه عند كبر سنه .. "، إذا تقرر هذا فإن الكتابة تفيد إبعاد النسيان عن الإنسان، وتذكيره بأدنى لفتة فيما كان يعرضه في الوقت السابق، وتُعِينُه حال كبره وكثرة نسيانه، فإن الإنسان عند كبر سنه إذا كان قد وضع مادة علمية تختصر له المعلومات فإنه بذلك يتمكن من مراجعة هذا الجزء فيكون حافظًا لعلمه.
_________________
(١) [¬١] أخرجه البخاري (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥)، وأحمد (٧٢٤٢). [¬٢] أخرجه البخاري (٧٤٥٣).
[ ١٣١ ]
ولذا فاجعل لك (كُنَاشًا) أو (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة مرتبًا له على الموضوعات، مقيدًا رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته: "نقل"، حتى لا يختلط بما لم ينقل كما تكتب: "بلغ صفحة كذا" فيما وصلتَ إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما تبلغه قراءة (^١).
وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها: "بدائع الفوائد" لابن القيم، و"خبايا الزوايا" للزركشي، ومنها: كتاب "الإغفال" و"بقايا الخبايا" وغيرها (^٢).
(^١) قوله: "ولذا فاجعل لك كناشًا .. "، ومن هنا أمر المؤلف بوضع مذكرة لتقييد الفوائد والفرائد والمسائل التي تبحث في غير مظانها، ومن أنواع ذلك: أن يكتب الإنسان هذه الكتب في أول الكتاب التي تقرأ عليه، وينبغي به أن يقيد رأس المسألة في أول هذه الفائدة، ثم ما نقل منه من كتاب ورقم صفحته وجزئه، ثم بعد ذلك إذا نقَلَ هذه المعلومات التي في أول الكتاب وفي غلاف الكتاب إلى دفتره الأصلي بَيَّن أنها قد نقلت إلى ذلك الدفتر؛ حتى لا يختلط ما نقل بما لم ينقل.
(^٢) قوله: "وللعلماء مؤلفات عدة في هذا … "، ذكر المؤلف أن هذه الطريقة استخدمها بعض أهل العلم، فكانت سببًا في شهرة كتبهم، ومن ذلك كتاب "بدائع الفوائد" لابن القيم ﵀، إذ فيه فوائد متنوعة بعضها بلاغية، وبعضها حديثية، وبعضها نحوية، وبعضها عقدية في هذا الكتاب وفي خبايا الزوايا اعتنى الزركشي بالمسائل الفقهية التي تبحث في غير مظانها.
[ ١٣٢ ]
وعليه فقيِّد العلم بالكتاب، لاسيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررًا منثورة تراها وتسمعها تخشى فواتها .. وهكذا، فإن الحفظ يضعف، والنسيان يَعْرضُ.
قال الشعبي: "إذا سمعت شيئًا فاكتبه، ولو في الحائط" رواه خيثمة (١).
وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع فرتبه في تذكرة، أو كناش على الموضوعات، فإنه يُسْعِفُكَ في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.